rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

في إطار مبادرة صحح مفاهيمك

وزارة الأوقاف تستعرض تاريخ ومكانة بيت المقدس وفضائله في القرآن والسنة

بيت المقدس المبارك
بيت المقدس المبارك

 

 

نشرت وزارة الأوقاف معلومات عن تاريخ ومكانة بيت المقدس، في إطار الاحتفاء بشهر رجب المبارك والأحداث الكبري التي عاصرها النبي صلى الله عليه وسلم في رحلة الإسراء والمعراج.

 

يمثل بيت المقدس جزءًا أصيلًا من عقيدة المسلم وتاريخه؛ فهو مسرى النبي ﷺ، وشقيق المسجد الحرام في النشأة والقداسة.

 

وفي السطور التالية، تسلط الأوقاف الضوء على هذه المكانة العظيمة من خلال باقةٍ عطرةٍ من الأحاديث النبوية، التي تكشف عن فضائل شد الرحال إليه، وعظيم الأجر لمن تعلّق قلبه برحابه الطاهرة.

 

المعنى الدلالي في الإسراء به ﷺ إلى بيت المقدس

 

الإسراء من المسجد الحرام إلى الأقصى ربطٌ إلهي بين أقدس بقاع الأرض، وتأكيدٌ على أن البركة لا تقتصر على المسجد فحسب، بل تمتد لتشمل ما حوله من ثمار وأنهار وأضرحة أنبياء.

 

وهذا الارتباط الأرضي بين المسجدين كان هو التمهيد الرباني لرحلة الصعود إلى ملكوت السماوات، يقول الله سبحانه وتعالى ﴿سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِیۤ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَیۡلࣰا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِی بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِیَهُۥ مِنۡ ءَایَٰتِنَاۤۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِیعُ ٱلۡبَصِیرُ﴾ [الإسراء: ١]. 

 

قال الإمام القرطبي رحمه الله: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا﴾ سُمِّيَ الْأَقْصَى لِبُعْدِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَكَانَ أَبْعَدَ مَسْجِدٍ عَنْ أَهْلِ مكة في الأرض يعظم بالزيارة ثم قال: ﴿ٱلَّذِی بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِیَهُ﴾ قِيلَ: بِالثِّمَارِ وَبِمَجَارِي الْأَنْهَارِ.

 

 وَقِيلَ: بِمَنْ دُفِنَ حَوْلَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَبِهَذَا جَعَلَهُ مُقَدَّسًا. وَرَوَى مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ عَنِ النَّبِيِّ  أَنَّهُ قَالَ:" يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى يَا شَامُ أَنْتِ صَفْوَتِي مِنْ بِلَادِي وَأَنَا سَائِقٌ إِلَيْكِ صَفْوَتِي من عبادي" (‌أصله ‌سام فعرب) ﴿لِنُرِیَهُۥ مِنۡ ءَایَٰتِنَاۤۚ﴾ هَذَا مِنْ بَابِ تَلْوِينِ الْخِطَابِ وَالْآيَاتِ الَّتِي أَرَاهُ اللَّهُ مِنَ الْعَجَائِبِ الَّتِي أَخْبَرَ بِهَا النَّاسَ، وَإِسْرَاؤُهُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى فِي لَيْلَةٍ وَهُوَ مَسِيرَةُ شَهْرٍ، وَعُرُوجُهُ إِلَى السَّمَاءِ وَوَصْفُهُ الْأَنْبِيَاءَ وَاحِدًا وَاحِدًا، حَسْبَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ". [تفسير القرطبي الجامع لأحكام القرآن ١٠/ ٢١٢].

 

ويقول العلامة البوطي رحمه الله: "إنَّ في الاقتران الزمنيِّ بين إسرائه ﷺ إلى بيت المقدس والعروجِ به إلى السماوات السبع، لَدَلالَة باهرة على مدى ما لهذا البيت من مكانةٍ وقُدسيَّةٍ عند الله تعالى.

 

 وفيه دَلالَةٌ واضحةٌ أيضًا على العلاقة الوثيقة بين ما بُعِثَ به كُلٌّ من عيسى ابنِ مَرْيَمَ ومحمدِ بنِ عبدِ الله -عليهما الصلاة والسلام-، وعلى ما بين الأنبياء من رابطة الدِّين الواحد الذي ابتعثهم الله -عز وجل- به، وفيه دَلالةٌ على مدى ما ينبغي أن يُوجَدَ لدى المسلمين في كل عصر ووقت، من الحِفاظ على هذه الأرض المُقَدَّسَة، وحمايتها من مطامع الدُّخَلاء وأعداء الدِّين" [فقه السيرة النبوية، للبوطي، ص١١٣].

 

 

ما ذكر في فضل بيت المقدس

 

نظراً لهذه المكانة التاريخية العظيمة، جعل الشارع الحكيم شد الرحال إلى المسجد الأقصى عبادةً يتقرب بها المؤمنون لخالقهم، وقرنه بأقدس بقعتين في الأرض؛ مصداقًا لما ورد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «‌لَا ‌تُشَدُّ ‌الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم، وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى» [صحيح البخاري ١١٣٢].

 

وخُص المسجد الأقصى بمزية فريدة لمن شد إليه الرحال؛ فالمصلي فيه يرجو أن يرجع كيوم ولدته أمه خالصًا من الذنوب، وهو ما نرجو تحققه استجابةً لدعوة نبي الله سيدنا سليمان عليه السلام، فقد جاء وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ سُلَيْمَانَ سَأَلَ اللَّهَ ثَلَاثًا فَأَعْطَاهُ اثْنَتَيْنِ وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ أَعْطَاهُ اللَّهُ الثَالِثَةَ سَأَلَهُ بِأَنْ يحكم بِحكم يوطيء حُكْمَهُ فَأُعْطِيَ وَسَأَلَهُ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ فَأَعْطَاهُ وَسَأَلَهُ أَيُّمَا عَبْدٍ أَتَى بَيْتَ الْمَقْدُسِ لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أَمُّهُ» [فضائل بيت المقدس للمقدسي ١٥].

 

ولم يغلق الشرع الباب أمام من حالت الظروف بينه وبين الوصول إليه، بل جعل للمتعلق قلبه به بابًا للأجر؛ حتى إن إهداء الزيت لقناديله ليُعدل أجر الصلاة في رحابه، وهو توجيه نبوي كريم ورد عَنْ مَيْمُونَةَ -رضي الله عنها- عن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفْتِنَا فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَقَالَ أَرْضُ الْمَنْشَرِ والْمَحْشَرِ إَيتُوهُ فَصَلُّوا فِيهِ فَإِنَّ صَلَاةً فِيهِ كَأَلْفِ صَلَاةٍ قَالَتْ أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ نُطِقْ أَنْ نَتَحَمَلَ إِلَيْهِ أَوْ نَأْتِيَهُ قَالَ فَأَهْدِينَ إِلَيْهِ زَيْتًا يُسْرَجُ فِيهِ فَإِنَّ مَنْ أَهْدَى لَهُ كَانَ كَمَنْ صَلَّى فِيهِ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ». [فضائل بيت المقدس للمقدسي ١٧].

 

 

ثاني مسجد وُضع في الأرض

 

وتتجلي العراقة التاريخية لبيت المقدس في كونه نال شرف الأسبقية في الوجود ليكون ثاني بيت وُضع للناس في الأرض لعبادة الله وتوحيده، فقد ورد عَنْ أَبِي ذَرٍ قَالَ: قَالَ: قُلْتُ: "يَا رَسُولَ اللهِ ‌أَيُّ ‌مَسْجِدٍ ‌وُضِعَ ‌فِي ‌الْأَرْضِ أَوَّلَُ" قَالَ: «الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ» قَالَ قُلْتُ: "ثُمَّ أَيٌّ" قَالَ: «الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى» قُلْتُ: "كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا" قَالَ: «أَرْبَعُونَ سَنَةً ثُمَّ أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ بَعْدُ فَصَلِّهْ فَإِنَّ الْفَضْلَ فِيهِ» [صحيح البخاري، ٣٣٦٦].

 

وتشير المدة الزمنية الوجيزة بين وضعه وبين وضع المسجد الحرام —وهي أربعون عامًا— إلى تلازم وثيق وتوأمة روحية بين القبلتين منذ فجر البشرية؛ فالمسجد الأقصى ليس مجرد بنيان طارئ، بل هو صنو المسجد الحرام وشقيقه في القداسة والنشأة، مما يجعله إرثًا إيمانيًا أصيلًا يمتد جذره في عمق التاريخ الإنساني قبل بعثة الأنبياء المتأخرين 

 

عصمة القدس مِن الدَّجال

 

تتجلى مكانة بيت المقدس الفريدة في كونها ملاذًا آمنًا وحرمًا معصومًا حمته العناية الإلهية؛ فهي من البقاع المطهرة التي لا يجرؤ الدجال على دخولها أو تدنيسها في آخر الزمان، فقد استثناها الله عز وجل من وطأة تلك الفتنة، فقد ورد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو رضي الله عنهما عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «فِي الدَّجَّالِ مَا شُبِّهَ عَلَيْكُمْ مِنْهُ فَإِنِّ اللَّهَ عز وجل لَيْسَ بِأَعْورَ يَخْرُجُ فَيَكُونُ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا يَرِدُ مِنْهَا كُلَّ مَنْهَلٍ إِلَّا الْكَعْبَةَ وَبَيْتَ الْمَقْدِسِ وَالْمَدِينَةَ ...».[المعجم الكبير للطبراني ١٤٢٩٢].

 

وتأكيدًا لهذه الحصانة الربانية، جاء النص النبوي مفصلاً للمساجد التي حُرّمت عليه، وقرن المسجد الأقصى بالمسجدين الحرام والنبوي في المنعة؛ فعن مجاهد قال: "كُنَّا سِتَّ سِنِينَ عَلَيْنَا جُنَادَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، فَقَامَ فَخَطَبَنَا، فَقَالَ: أَتَيْنَا رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ، فَقُلْنَا: حَدِّثْنَا مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَلَا تُحَدِّثْنَا مَا سَمِعْتَ مِنَ النَّاسِ. 

فَشَدَّدْنَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: «قَامَ رَسُولُ اللَّه ﷺ فِينَا فَقَال: «أُنْذِرُكُمُ الْمَسِيحَ وَهُوَ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ قَالَ أَحْسَبُهُ قَالَ الْيُسْرَى يَسِيرُ مَعَهُ جِبَالُ الْخُبْزِ وَأَنْهَارُ الْمَاءِ عَلَامَتُهُ يَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا يَبْلُغُ سُلْطَانُهُ كَلَّ مَنْهَلٍ لَا يَأْتِي أَرْبَعَةَ مَسَاجِدَ الْكَعْبَةَ وَمَسْجِدَ الرَّسُولِ وَالْمَسْجِدَ الْأَقْصَى وَالطُّورَ ...».[مسند أحمد ٢٣٠٩٠].

 

 

فضل مؤذني بيت المقدس

 

إن هذه الطهارة والقدسية جعلت أفئدة الصحابة والصالحين تهوي إليه؛ ليعمروا أرضه بالعبادة والأذان والجهاد. وقد خصّ النبي ﷺ من يرفع نداء الحق في جنباته بمنزلة رفيعة، فجعلهم في طليعة الوفد إلى الجنة، قرناء لمؤذني الكعبة المشرفة؛ فعن محمد بن المنكدر عن جابر رضي الله عنه قال: سئل رسول الله ﷺ: أَيُّ النَّاسِ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ؟ يَعْنِي أَوَّلًا، قَالَ: «الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الشُّهَدَاءُ ثُمَّ مُؤَذِّنُو الْكَعْبَةِ ثُمَّ مُؤَذِّنُو بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثُمَّ مُؤَذِّنُو مَسْجِدِي هَذَا ثُمَّ سَائِرُ الْمُؤَذِّنِينَ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ». [فضائل بيت المقدس، للضياء المقدسي: ٦٤].

 

 في النهاية تتجلى القداسة الاستثنائية لبيت المقدس في اقترانه بالمسجد الحرام عبر معجزة الإسراء؛ مما يؤكد وحدة رسالة الأنبياء وتلازم القبلتين. وقد خصّ الله الأقصى بفضائلَ فريدةٍ؛ فهو ثاني بيتٍ وُضع للناس، وملاذٌ آمنٌ محرمٌ على الدجال، وبوابةٌ لتطهير الذنوب لمن صلى فيه، أو حتى أهدى لسرجه زيتًا عند العجز عن الوصول.

 

 إن هذه المكانة الروحية تفرض على المسلمين استشعار مسؤوليتهم تجاه هذه البقعة المباركة، والحفاظ عليها كميراثٍ نبويٍّ وأرضٍ للمحشر، والسعي لنيل بركتها التي تمتد لتشمل الأرض ومن عليها.

تم نسخ الرابط