«صبري موسى».. في ذكرى الرحيل كاتب أعاد اكتشاف الإنسان في الأدب والسينما
تمر اليوم ذكرى رحيل الكاتب والروائي والسيناريست الكبير صبري موسى، أحد أبرز الأصوات الإبداعية في الأدب العربي الحديث، الذي غادر عالمنا في 18 يناير 2018، بعد مسيرة حافلة ترك خلالها بصمة خاصة لا تُخطئها عين في القصة القصيرة والرواية والسيناريو السينمائي.
تميّز الكاتب صبري موسى بأسلوبه المختلف، القائم على تعرية الواقع الإنساني، والغوص في الهشاشة الداخلية للشخصيات، والاشتباك مع أسئلة الوجود والمصير، مستخدمًا أدوات فنية جمعت بين الواقعية القاسية، والسخرية السوداء، والرمز، والفانتازيا. وقد تُرجمت أعماله إلى عدة لغات، ونال خلال حياته عددًا كبيرًا من الجوائز والتكريمات داخل مصر وخارجها، كما حظيت كتاباته باهتمام واسع من النقاد والدارسين.
وفي ذكرى رحيله، نستعرض أبرز محطات مشروعه الإبداعي، التي جعلت منه اسمًا استثنائيًا في تاريخ السرد العربي.
ـ «مشروع قتل جارة».. الموت بوصفه سؤالًا يوميًا
تُعد مجموعة «مشروع قتل جارة» من أهم أعمال صبري موسى القصصية، حيث تدور نصوصها جميعًا حول فكرة الموت، لا بوصفه نهاية بيولوجية فقط، بل باعتباره حالة نفسية واجتماعية ومعنوية تتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية.
تعتمد المجموعة على السخرية السوداء، والحس الاجتماعي الحاد، مع قدرة لافتة على توظيف الفانتازيا لكشف تناقضات الواقع، فضلًا عن الوصف الدقيق للمشاعر والأحداث، بما يجعل القارئ شريكًا في التجربة لا مجرد متلقٍ لها.
ـ «السيد من حقل السبانخ».. إنذار مبكر بعالم الديستوبيا
في رواية «السيد من حقل السبانخ»، يقدّم صبري موسى رؤية استشرافية تنتمي إلى أدب الديستوبيا، حيث تدور الأحداث حول مأساة عالم سيطرت عليه آلاته، وفقد قدرته على التحكم في مصيره، في عالم يظن فيه الإنسان أن التكنولوجيا ستهديه الخلاص.
تلامس الرواية مبكرًا فكرة استعباد الإنسان للتقنية، وهي ثيمة باتت أكثر راهنية اليوم، ورغم قتامة المشهد، ينجح موسى في زرع بذرة أمل في نهايتها، مؤكدًا إيمانه بقدرة الإنسان على المراجعة والإنقاذ.
ـ «القميص».. المهمشون في قلب السرد
تضم مجموعة «القميص» عددًا من القصص، منها: القميص، تفاح، كنا نضحك، الساعة، وتُعد نموذجًا واضحًا لانحياز صبري موسى للضعفاء والمهمشين، تلك الفئة التي شغلت حيزًا كبيرًا من مشروعه الأدبي.
تعالج القصص مشاعر الناس البسطاء، وكيف يواجهون مشكلاتهم اليومية وكوارثهم الصغيرة والكبيرة، بلغة هادئة وعميقة في آن، حيث تتحول التفاصيل العابرة إلى مفاتيح لفهم النفس البشرية، في واقعية شديدة الحساسية تمسّ القارئ من الداخل.
ـ «فساد الأمكنة».. رواية الصحراء
تُعد رواية «فساد الأمكنة» واحدة من أهم الروايات في تاريخ الأدب العربي الحديث، وفيها يبلغ مشروع الكاتب صبري موسى ذروة نضجه الفني والفلسفي.
تدور الرواية في صحراء موحشة، حول شخصية نيكولا، الذي حلم بموطن فلم يحصد سوى قبر، ووارى في صخور الصحراء جسد إيليا، الحبيبة والابنة، مدفنًا معها الأحلام والمصير.. رواية عن الأرض حين تُزرع بالخطيئة، فلا تُنبت سوى الدمار، وعن الإنسان حين يصطدم بقسوة المكان وفساد الحلم.
ـ «حادث النصف متر».. التحليل النفسي للمجتمع قبل الهزيمة
في رواية «حادث النصف متر»، التي تحولت لاحقًا إلى عمل درامي شهير بطولة نيللي، محمود ياسين، وسعيد صالح، يرصد صبري موسى بدقة التحولات النفسية والاجتماعية لرجل من الطبقة المتوسطة، يعيش هاجس الصعود الاجتماعي والوظيفي في فترة ما قبل عام 1967.
تدور الأحداث حول حياة رتيبة داخل حي شعبي، وعمل حكومي في مصلحة الضرائب، قبل أن يقلب تعارفه على فتاة في الأتوبيس عالمه رأسًا على عقب، حين تخبره بأنها ليست عذراء، ليصبح هذا الحدث البسيط ظاهريًا مركزًا لأزمته الوجودية، وكاشفًا عن تناقضات المجتمع الذكوري وأزماته الأخلاقية.
ـ إرث متجدد
برحيل الكاتب صبري موسى، فقدت الثقافة العربية مبدعًا نادرًا، لكن أعماله بقيت حيّة، قابلة لإعادة القراءة، ومفتوحة على تأويلات جديدة مع كل جيل.. لم يكن مجرد كاتب أو سيناريست، بل صاحب مشروع إنساني وفكري سعى إلى مساءلة الواقع، والدفاع عن الإنسان في هشاشته، وفضح القبح باسم الجمال.. في ذكرى رحيله، يعود اسمه شاهدًا على زمن، ومرآة لأسئلة لا تزال مفتوحة.



