rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

"إن الإنسان لا يجري مع الصدفة العمياء، لا في سن القانون ولا في خياطة الملابس، وإنك لتجد فكرة فنية كامنة في كل ما يبتكر من الملابس على اختلافها، وفي كل ما يبذل من المساعي في سبيلها".

هكذا كتب توماس كاريل في كتابه فلسفة الملابس راصداً في أحد أهم ما كتب في فن الأزياء اختلاف الملابس وتعددها عبر رصد الاحتياجات الإنسانية في هذا النوع من الفن، وتأتي أهمية الكتاب الذي لا يتحدث عن الطرز ولا تحديد الهوية، ولا الدرجة الاجتماعية ولا نوع سطوة ومعنى النظام في نوع الملابس الرسمية، والملابس المهنية والجمال والأناقة والحالة المزاجية وتعيين هوية النوع من الرجال والنساء والأطفال والثراء والعوز وما إلى ذلك.

وهو ينظر للأزياء نظرة فلسفية عميقة تراها فعلاً إنسانياً إبداعياً يشير لأهميتها الحياتية وقدرتها على التعبير عن فلسفة المجتمعات الإنسانية المتعددة.

وفيما سبق فهم للأزياء ربما توارى قليلاً، إلا أن الاهتمام الدولي كما جاءت الأخبار المتدفقة برحيل مصمم الأزياء العالمي فالنتينو جارافي في منزله بالعاصمة الإيطالية روما في التاسع عشر من يناير الجاري 2026.

 

وهكذا يتدفق نهر الزمن حاملاً البشر كسطور كتبت على صفحة المياه المتدفقة، ولكن يبقى رحيل المبدعين الكبار علامة على فقد معنى وفكرة إبداعهم، وإذ يبقى أثرهم للمستقبل كتراث إنساني وكعلامة مؤثرة في عصرهم ومعاصريهم، فهم يلهمون الحاضر والمستقبل.

 

ورحيل فالنتينو وردود الأفعال حول العالم، وفي مصر والوطن العربي تؤكد حجم تأثيره على الأزياء في عالمنا المصري والعربي كجزء من فكرة توحيد الدلالة التي تجمعنا كبشر يعيش في قرية عالمية واحدة.

مما يجعلني أضم رؤيتي له كما نعته مؤسسته ""فالنتينو" كدار أزياء كبيرة وذات تأثير عالمي إذ ذكر بيانها على وسائل التواصل الاجتماعي: "لم يكن فالنتينو جارافي مرشداً دائماً وإلهاماً لنا جميعاً فحسب، لكنه كان مصدراً حقيقياً للنور والإبداع والرؤية".

 

وقد منح الزمن والنجاح والإبداع والعمل المؤسسي المنتظم العلامة التجارية المميزة – فالنتينو ريد – القدرة على أن تظل من العناصر الأساسية في عروض الأزياء لنحو نصف قرن.

 

وقد نجح الرجل في جعل روما مركزاً دولياً مرموقاً في صناعة الملابس بجوار باريس التي تصدرت موقع الجذب العالمي لسنوات طوال، قبل تكاثر مراكز أخرى في نيويورك وعواصم آسيوية جديدة مثل سنغافورة وتايوان وبكين في إنتاج النسخ الأكثر قبولاً كقاسم مشترك لمختلف الثقافات والمجتمعات، ورغم تمكن تلك المراكز الآسيوية من إنتاج النسخ الأكثر مبيعاً حول العالم، وهي نسخ شعبية في معظمها حققت الإنتاج اللامحدود، إلا أنها وإن صعدت في التجارة فلم تزل بعيدة عن تفرد التفكير الغربي الأوروبي وامتداده الأمريكي.

ولكن يبقى إلهام المبدع فالنتينو في الجمع بين رهافة الحس الفرنسي وعمق روما التي هي امتداد حضاري متصل تشعر فيه بقوة الإرث الإنساني، وذلك في جمع مدهش بين حساسيات أوروبية تعود للمشترك اليوناني الكلاسيكي في فهمه للجمال والاتزان، وفي ذلك تعبير عن رؤية للأزياء التي تبعث على احترام تكوين الجسد الإنساني، فهو مصمم لا يطيق رؤية الرجال دون رابطة العنق ويكره التشوه والإزعاج البصري، ومع ذلك دارت تصميماته حول العالم، وكان شريكاً في الحضور الرائع لعدد من كبار السياسيين ونجوم الفن والمجتمع.

 

ولعل هذا التفكير المعبر عن الجنوب الأوروبي المتصل بثقافة البحر الأبيض المتوسط بما فيه من اتزان وجمال يشير لنا مرة أخرى إلى ضرورة تأمل الأزياء المعاصرة في مصر والعمل على استلهام التراث المصري بالغ الثراء والتنوع وإعادة إطلاقه في مصر وللعالم كله بطريقة معاصرة تدرك أن الملابس فلسفة تساهم في صنع السلوك الإنساني، وتصنع رؤية للذات، وتطلق الجمال وفهم وتعيين الهويات الاجتماعية وخلق المشترك العام لمشاهد حركة وشكل وبهجة البشر في الفضاء الاجتماعي العام.

وداعاً فالنتينو صانع الجمال وهيبة حضور الجسد الإنساني.

وفي ذلك أمل ملهم رغم الحزن يشير إلى ضرورة تأمل إطلاق الأزياء المصرية كعلامة على السعادة، والقدرة على إثراء التنوع وخلق الثقة الاجتماعية بين كل طوائف أهل مصر.

تم نسخ الرابط