في معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ57
«مرآة الحرمين» يوثق رحلة الحج ودور مصر المحوري في خدمة الحجاج
شهدت قاعة الندوات المتخصصة في معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ57، بمركز المعارض بالتجمع الخامس، ندوة بعنوان «مرآة الحرمين»، بحضور الدكتور أحمد رجب، نائب رئيس جامعة القاهرة، والدكتور أسامة طلعت، رئيس دار الكتب والوثائق القومية، والدكتور العربي صبري، الأستاذ بكلية الآثار بجامعة القاهرة، وأدارت الندوة الإعلامية مروة شاهين.
وقالت مروة شاهين: «نحن اليوم نناقش كتاب مرآة الحرمين، الذي يُعد مرآة كبرى، فنحن أمام نص يجمع بين التوثيق والأدب ودهشة الشاهد، فهو مرجع لا يشيخ».
وأعرب الدكتور أسامة طلعت عن شكره لوزارة الثقافة ولكل القائمين على المعرض، قائلًا: «نحن ممتنون للدكتور أحمد هنو، وزير الثقافة، والدكتور خالد أبو الليل، رئيس الهيئة العامة للكتاب، والدكتور أحمد مجاهد، المدير التنفيذي لمعرض الكتاب، على هذا العرس الثقافي المبدع، الذي يزداد قوة وتنوعًا كل عام».
وأضاف طلعت: «عندما توليت رئاسة دار الكتب، وجدت رصيدًا كبيرًا من المطبوعات في المكتبات الوطنية والأرشيف الوطني، يمثل جمع رصيد مصر وأوائل المطبوعات، ولا يزال هذا الرصيد يتزايد؛ إذ لدينا اليوم إنتاج فكري مسموع ومرئي، مع قائمة اهتمام شاملة بكتب التراث والفكر، حاولنا، بالتعاون مع الدكتور أحمد رجب، نشر الكتب بجانب الخط التراثي المتميز، الذي يضم كنوزًا تاريخية وحضارية».
وأشار طلعت إلى أن إنتاج الكتب في دار الكتب يعود إلى امتلاك مصر تراثًا غنيًا ومتعدد المصادر، ما يثري المكتبة الوطنية بمؤلفات قيمة عبر العصور.
وتابع أسامة طلعت أن كتاب «مرآة الحرمين» كتبه إبراهيم رفعت باشا، ضابط الجيش المصري، وهو كتاب يوثق رحلة الحج السنوية بمراحلها التاريخية المختلفة، ويوضح أن طريق الحج البري المصري لم يكن مخصصًا لمصر فقط، بل كان يمر عبره حجاج من الأندلس، وقد لعبت مصر دورًا محوريًا في العالم الإسلامي في تنظيم طرق الحج والقوافل، ويبدأ الطريق من جنوب غرب السويس، مرورًا بوسط سيناء، ثم العقبة وصولًا إلى الأراضي الحجازية، قبل أن يتحول لاحقًا إلى الطرق البحرية.
وأضاف أسامة طلعت أن الكتاب يضم أربع رحلات بين عامي 1901 و1924، مع الإشارة إلى رحلة المحمل التي كانت تحرص على تجهيز كسوة الكعبة تحت إشراف قائد الحرس، ويتميز الكتاب بكونه سجل ملاحظات شخصية، دون الاكتفاء بالوثائق الرسمية، حيث يضم جزأين مليئين بالتفاصيل الدقيقة، بما في ذلك مساهمة ابن سعيد المغربي في رسم الخرائط وتخيل المنازل والمناهل.
كما أضاف أن إبراهيم رفعت باشا قدّم نسخة من الكتاب هدية إلى سعد زغلول عندما كان رئيسًا للوزراء، ما يعزز قيمته التاريخية والثقافية.
وفي السياق ذاته، قال الدكتور أحمد رجب: «نحن أمام كتاب علمي قديم ما زال بين أيدينا، وهو لإبراهيم رفعت باشا، فأول بيت وُضع للناس هو الكعبة، وما بين الكعبة والحرمين يمثل الرابط الروحي والجغرافي الأساسي للحجاج».
وأشار رجب إلى أن مصر كانت محطة أساسية تشمل جميع الناس من مختلف البلاد، مما جعلها ملتقى حضارات متعدد الثقافات.
وأضاف رجب أن مصر أثرت في الحضارة العربية والإنجليزية على حد سواء، فهي قوة حضارية قائمة على الثقافة، فالأمية الحقيقية هي أمية حضارة.
وتطرق رجب إلى البنية التاريخية للمسجد الحرام والكعبة، موضحًا أن النبي محمد ﷺ شارك في وضع الحجر الأسود أثناء بناء الكعبة، وأن المسجد الحرام يمثل دليلًا جغرافيًا شاملًا.
كما ذكر أن الكعبة مرت بعدة مراحل عمانية، فالبناء الخامس تم فيه وضع سقف لم يدم طويلًا، أما البناء السابع والأخير فتم بإشراف السلطات العثمانية، مستعينين بعمال من مصر بأسمائهم التي ما زالت محفوظة، وهو البناء الحالي للكعبة. كما أن الكعبة قائمة على أربعة أعمدة معمارية مثبتة، مع ارتفاع تقريبي عند بداية البناء يبلغ نحو ثلاثة أمتار.
وتابع رجب أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وضع سورا حول المسجد الحرام، وتم توسيعه في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه، ويقال إنه بُني سقف جزئيًا لحماية الحجاج من حرارة الشمس.
وأضاف رجب أن من العناصر التاريخية داخل الكعبة: مقام إبراهيم الذي كان يقف عليه أثناء البناء، والمنجنيق والطوب الذي استخدمه سيدنا إسماعيل عليه السلام، بالإضافة إلى وجود بئر زمزم.
وفي السياق ذاته، قال الدكتور العربي صبري إن الكتاب في قمة الروعة، فهو يروي كل مراحل الحج بالتفصيل، ويتحدث عن جدة وأحيائها وسكانها، وينتقل بنا إلى مكة المكرمة، وكيف كان يحج المصريون مرتدين الملابس البيضاء، واصفًا أن مصر كانت تتمتع بالسيادة.
وتابع صبري أن الكتاب يعرض أيضًا مشكلات وتحديات رحلات الحج في تلك الفترة بطريقة صادقة وواقعية، ويكشف جوانب مهمة عن حياة الناس والحجاج، بدءًا من أول رحلة حج في بداية القرن العشرين، وصولًا إلى تفاصيل تنظيم الطرق والقوافل ومراحل تطور الحرم والمرافق المحيطة به.
وأكد صبري أنه عمل يجمع بين التوثيق التاريخي والأدب ودهشة الشاهد الشخصية، ويمنح القارئ تجربة روحانية وثقافية لا تُنسى، مع تقدير عميق لتاريخ الحرمين الشريفين ودور مصر والمحطات الحضارية المختلفة في خدمة الحجاج.
ولفت صبري إلى أن إبراهيم رفعت باشا قدّم في كتابه معلومات قيمة حول الصحة العامة والأوبئة التي كانت تواجه الحجاج، موضحًا دور مصر الكبير في التعامل مع هذه الأزمات، كما يصف الكتاب المشكلات الصحية التي كانت تظهر أثناء رحلات الحج ويقترح حلولًا مبنية على تجربة عملية واقعية، ما يجعله مرجعًا علميًا وليس مجرد تجربة سردية.
وأكد صبري أن الكتاب يتميز بكونه مزودًا بالصور والخرائط، ما يتيح للقارئ تصور الطرق والمسارات والمرافق الصحية خلال تلك الفترة، ويعكس حرص المؤلف على توثيق التفاصيل بدقة علمية وأدبية معًا.



