منذ سنوات، كتبت في هذا المكان مقالاً بعنوان "كمبيوتر لكل طالب"، طالبت فيه بتوفير جهاز حاسب آلي لكل طالب مدرسي عبر قروض ميسرة، لفتح آفاق أرحب للتعليم والابتكار.
وللأسف الشديد، لم يلتفت المسؤولون في وزارة الاتصالات آنذاك لتلك الفكرة. واليوم، وفي ظل القفزة الهائلة لميزانية التدريب الرقمي التي خصصتها وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات لمبادرة "أشبال مصر الرقمية" —والتي ارتفعت من 32.5 مليون جنيه إلى 2 مليار جنيه— أجد نفسي مجدداً أمام تساؤلات جوهرية حول كيفية تحويل هذه الأرقام إلى مهارات ملموسة في سوق العمل، وضمان وصولها إلى كل فئات المجتمع دون استثناء في ظل شروط غير واقعية تتحدى الفقراء.
رغم ضخامة الميزانيات المخصصة، فإن شروط التقديم تضع عوائق أمام "الإتاحة للبسطاء" في الحضر والريف والمناطق الحدودية. فاشتراط وجود "حاسب آلي محمول" (لاب توب) واتصال دائم بالإنترنت كشرط لاشتراك الطلاب (من الصف الأول الإعدادي وحتى الثاني الثانوي) في المبادرة، يحرم شريحة واسعة من أطفال النجوع والقرى والفقراء في الحضر الذين لا تملك أسرهم القدرة المادية على توفير هذه الأجهزة باهظة الثمن.
إن حصر الاستفادة فيمن يملكون الأدوات التقنية مسبقاً يفرغ المبادرة من هدفها التنموي، ويخلق فجوة معرفية بين من يملك ومن لا يملك، بدلاً من أن تكون الدولة هي الجسر الذي يعبر عليه الجميع نحو المستقبل الرقمي.
يجب تطويع المشكلات وخلق حلول عملية؛ فلماذا لا يتم استغلال معامل المدارس في الصيف لتكون جزءاً من مراكز تدريب المبادرة؟ هذا سيسمح للطلاب في القرى باستغلال البنية التحتية القائمة، مع تزويد المدارس بكل الأجهزة المطلوبة من خلال وزارة الاتصالات.
إن مخازن الوزارة، ومن خلال الجهات الداعمة وشركات الاتصالات التي تحقق أرباحاً بالمليارات، يمكنها المساهمة بفاعلية في توفير أجهزة المبادرة لمن لا يملك.
وفقاً للتقارير المنشورة، تشير الأرقام إلى تدريب آلاف الطلاب بتكلفة تقديرية تصل إلى 7 آلاف جنيه للطالب الواحد. وهنا نحتاج إلى شفافية كاملة في قياس الأثر وهل التدريب "نوعي" يؤهل لابتكار البرمجيات وصناعة الروبوت؟، أم هو تدريب "كمي" يكتفي بمنح شهادات ورقية دون مخرجات فعلية على الأرض؟
إن الهدف يجب أن يكون صناعة مبتكرين يساهمون في الاقتصاد الوطني، وليس مجرد استهلاك ميزانيات في دورات سطحية.
ولتحقيق مفهوم الإتاحة للجميع وتحويل هذه المليارات إلى استثمار حقيقي، اقترح الآتي:
توفير الأدوات: يجب أن تشمل المنحة توفير أجهزة لوحية أو حواسب داخل مراكز الشباب والمدارس في القرى لضمان مشاركة غير القادرين.
العدالة الجغرافية بتوجيه القوافل الرقمية إلى صعيد مصر والمحافظات الحدودية، مع تجهيز معامل متنقلة لمواجهة ضعف البنية التحتية.
التدريب النوعي.. والانتقال من سياسة الأرقام إلى سياسة "صناعة المبتكر" الذي يحل مشكلات بيئته محليا.
وتفعيل المشاركة المجتمعية، وذلك بدمج المبادرات الأهلية للتحول الرقمي التي تمتلك خبرة في الوصول للفئات الأكثر احتياجاً لضمان وصول الدعم لمستحقيه.
وفي الختام.. فإن أموال دافعي الضرائب يجب أن تضمن حق "ابن الفلاح" و"ابن العامل" في تعلم تكنولوجيا المستقبل والذكاء الاصطناعي على قدم المساواة مع الجميع.



