من الملاذ الآمن إلي المراقبة المشددة..
اللواء محمد الغباشي: التحولات السياسية في أوروبا تعيد رسم التعامل مع تنظيمات جماعة الإخوان
التنظيمات الإسلامية في أوروبا تحت المجهر.. حسابات أمنية وسياسية تعيد تشكيل المشهد الأوروبي
قال اللواء محمد الغباشي، الخبير الإستراتيجي وأمين مركز آفاق للدراسات الإستراتيجية، أن الحديث حول أسباب بطء التحركات الغربية ضد جماعة الإخوان كبير وواسع، ولذلك لا بد من التفريق بين مواقف دول أوروبا من جهة، والولايات المتحدة من جهة أخرى، موضحًا أنه إذا تحدثنا عن أوروبا، وخاصة أوروبا الغربية، فسنجد أن بريطانيا كانت الأشهر في توفير الحماية والملاذ الآمن لعدد كبير من الشخصيات والأسماء المتطرفة دينيًا، خصوصًا بعد أحداث عام 2011، ثم بعد ثورة 30 يونيو 2013، وهروب عدد من القيادات إلى لندن للاختباء والاحتماء هناك.
وأكد الغباشي، في تصريح خاص ل"بوابة روز اليوسف"، أن بريطانيا كانت توفر لهم الملاذ باعتبار أنهم أسسوا منظمات وهيئات بشكل قانوني يتوافق مع القوانين والدساتير البريطانية، لكن في المقابل، كانت الأجهزة الأمنية والاستخباراتية البريطانية تستفيد من وجود هؤلاء الأشخاص في الإدارة أو التأثير على بعض الأنشطة المعادية لعدد من الدول العربية، بما يخدم المصالح البريطانية، لافتًا إلى أن بريطانيا لم تكن فقط تؤويهم، بل كانت تستخدم بعضهم كورقة ضغط أو أداة لتنفيذ سياسات تخدم مصالحها في المنطقة العربية.
وأوضح آمين مركز آفاق للدراسات الاستراتيجية، أن الأمر يختلف نسبيًا في ألمانيا وفرنسا وهولندا وبلجيكا والنمسا، حيث أن ألمانيا تاريخيًا يرتبط بها وجود أعداد كبيرة من الأتراك، ومعظمهم كانوا قد هاجروا هربًا من العلمانية التي فرضها مصطفى كمال أتاتورك، وبالتالي تشكلت هناك جماعات ذات توجهات إسلامية وإخوانية، وأنشأوا منظمات وهيئات اجتماعية ومساجد، وأصبح لديهم نفوذ كبير في جمع التبرعات، وإدارة الأنشطة المجتمعية، ومع مرور الوقت، أنضم إليهم عدد من العناصر الأصولية القادمة من سوريا بعد عام 2011، وكذلك بعض العناصر القادمة من مصر ودول عربية أخرى، لذلك أصبح هناك وجود تنظيمي وفكري ممتد منذ سنوات طويلة داخل ألمانيا.
وأضاف الغباشي، أما فرنسا، فقد واجهت أزمات كبيرة، أبرزها حادثة مجلة “شارلي إيبدو” وما شهدته من عمليات قتل مروعة للصحفيين، بالإضافة إلى التوترات الناتجة عن الإساءة للدين الإسلامي والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وهو ما أدى إلى وقوع أعمال انتقامية، موضحًا أن الوضع يزداد صعوبة في فرنسا بسبب وجود أعداد كبيرة من أبناء دول المغرب العربي، خاصة من المغرب والجزائر وتونس، إلى جانب أعداد من المهاجرين الأفارقة، الذين يشكلون نسبة مؤثرة داخل المجتمع الفرنسي، والأمر نفسه ينطبق بدرجات متفاوتة على هولندا وبلجيكا.
وفي سياق متصل، قال اللواء محمد الغباشي، في المقابل، شهدت أوروبا صعودًا ملحوظًا لتيارات اليمين المتطرف، خاصة في فرنسا، حيث نجحت الأحزاب اليمينية في تحقيق حضور سياسي قوي، مستندة إلى دعوات تتعلق بالتشدد في التعامل مع المهاجرين واللاجئين، وهو ما أنعكس أيضًا على التعامل مع الجماعات الإسلامية، وجماعة الإخوان بشكل خاص.
مشيرًا إلى ما شهدت دول أوروبية عدة، مثل فرنسا وبلجيكا والنمسا، لحوادث إرهابية نُسبت إلى عناصر أصولية ومتشددة، مثل حوادث المترو، ومحطات القطارات، وهو ما دفع الاتحاد الأوروبي إلى اتخاذ مواقف أكثر تشددًا تجاه التنظيمات الإسلامية المتطرفة، والحوادث التي شهدتها ألمانيا وهولندا، والقبض على عناصر مرتبطة بجماعة الإخوان، كان لها تأثير بالغ على الجمعيات والمنظمات الإسلامية التي كانت تعمل بشكل قانوني في البداية، سواء في مجال العمل الخيري أو المساعدات الاجتماعية أو تعليم اللغة العربية لأبناء الجاليات العربية والمسلمة، لكن بعض هذه الكيانات أستغلته عناصر متطرفة أو هاربة من دول عربية بعد عام 2013.
وأكد الغباشي، أنه مع قيام الولايات المتحدة بإدراج عدد من عناصر جماعة الإخوان على قوائم الحظر أو المراقبة، إلى جانب الإجراءات الأوروبية، بدأت موجة من التضييق والرقابة المشددة على أنشطة تلك الجمعيات والمنظمات.. وكانت جماعة الإخوان تستغل وجودها في أوروبا والولايات المتحدة في شن حملات إعلامية ضد الأنظمة العربية، وعلى رأسها الدولة المصرية، من خلال الظهور في وسائل الإعلام، وشراء مساحات في الصحف، أو استئجار أوقات بث في القنوات التلفزيونية، لتقديم أنفسهم باعتبارهم ضحايا، والترويج لما يسمونه “المظلومية”.
وأشار آمين مركز آفاق للدراسات الإستراتيجية، إلي استعانة جماعة الإخوان، ببعض الكُتاب والصحف الغربية لنشر تقارير ومقالات، تتحدث عن تعرضهم للظلم، وهو ما شكّل نوعًا من الضغوط الإعلامية والسياسية على الدولة المصرية خلال السنوات الماضية.
وقال الغباشي: "في تقديري، فإن ما يحدث حاليًا في بعض الدول الغربية من توقيف أو ملاحقة لبعض عناصر الجماعة، سيظل مرتبطًا بالقوانين والدساتير السائدة هناك، وبطبيعة الأنظمة الديمقراطية الأوروبية.. ولذلك، لا أتوقع إجراءات أكثر حدة إلا إذا وقعت تطورات جديدة أو حوادث أمنية تدفع الحكومات، خاصة اليمينية منها، إلى اتخاذ خطوات أكثر تشددًا تجاه الجمعيات والتنظيمات الإسلامية الموجودة على أراضيها".









