الإثنين 13 يوليو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

بعد ساعات من إعلان استقالته من رئاسة الرقابة يتحدث فى ندوة لـروزاليوسف

عبدالرحيم كمال: الفن لا يضمر شراً.. وأتمنى إلغاء الرقابة

عبدالرحيم كمال
عبدالرحيم كمال

«الفن لا يضمر شرًا» جملة اقتبسها الكاتب «عبد الرحيم كمال» عن «ويليام شكسبير» للتأكيد على أن الفن لا يحتاج إلى مراجعة من زاوية كونه أخلاقيًا بقدر ما يحتاج إلى مراجعة من كونه فنيًا؛ مؤكدًا أنه إذا كان العمل فنيًا بحق، فإنه فى النهاية سيحمل فى داخله قيمًا أخلاقية بشكل طبيعى، وسيصل إلى غاية أو معنى إنساني. 

 

وفى أول لقاء له بعد ساعات من إعلانه الاستقالة من رئاسة الرقابة على المصنفات الفنية، عقدت مجلة «روزاليوسف» ندوة خاصة مع الكاتب الكبير، الذى من المقرر أن يعقد لقاء رسميًا مع وزيرة الثقافة غدًا الأحد، حسب تصريحاته.

وخلال الندوة التى أدارها رئيس التحرير وشارك فيها الناقد الكبير عصام زكريا والناقد طارق مرسى والزملاء فى قسم الفن بروزاليوسف ، كشف «كمال» العديد من التفاصيل من موقع المسئولية على رأس الرقابة على المصنفات الفنية، ليقدم شهادة مختلفة من قلب المؤسسة، إذ أوضح أن تجربته لم تكن مجرد منصب إدارى عابر، بل نافذة مفتوحة على أسئلة شائكة تتعلق بالحرية، والرقابة، وحدود الإبداع، وعلاقة الفن بالمجتمع والسياسة والدين. 

وبين كونه مبدعًا يكتب ويصنع الخيال، وكونه مسئولًا يطبق القانون على هذا الخيال نفسه، تتشكل منطقة رمادية مليئة بالمفارقات، يروى منها «عبد الرحيم كمال» ما يستحق التأمل والمراجعة.

بداية.. عادة ما يكره المبدع الرقابة، لأنه يميل إلى الحرية ولا يفضل التقييد؛ فكيف جمعت بين العملين ككاتب سيناريو ورئيس للرقابة؟

- كُلفت بمسئولية الرقابة فى 19 فبراير 2025، وبعد أن قبلت تلك المهمة، كان من الضرورى أن أؤدى مهامى على أكمل وجه.. فحين توليت هذا العمل كان ذلك قبل شهر رمضان، وكان لدى مسلسل يعرض فى نفس الوقت، كُتب وصُور قبل أن أتولى منصب الرقابة، وهو (قهوة المحطة). وكانت أول جملة تُحذف من المسلسل أنا من قمت بحذفها -وهو ما أفزعنى شخصيًا- عندما كنت أشاهد مشهدًا لشخصية فى حالة عصبية شديدة، ثم قالت جملة خارجة. وعلى هذا الأساس طلبت من مخرج المسلسل «إسلام خيري» حذفها، واستجاب. مع العلم أننى، لو كنت خارج موقع الرقابة، لكنت جادلت واحتددت من أجل إعادة تلك الجملة المحذوفة.. والغريب أن الرقابة لم تكن قد حذفت أى جملة فى أى عمل كتبته من قبل فكانت هذه الواقعة هى الأولى من نوعها وأنا من فعلتها بنفسي.. وهنا تكمن المفارقة؛ إذ من الممكن أن أكون أكثر تسامحًا مع زملائى وليس مع نفسى، أى أننى أكون أكثر تحفظًا وتشددًا على عملى الخاص.

وفى العام الماضى، لم أستطع الكتابة ولم أقدم أى مسلسل، وكان من الصعب على العمل، ليس لأمر قانونى، بل لأن الكتابة تستلزم وقتًا خاصًا وتفرغًا كاملًا.. فإذا تلقيت 6 مكالمات يوميًا تتضمن مناقشات وجدالاً، يصبح من المستحيل أن أكتب، خاصة أن الكتابة ليست عملًا لحظيًا، بل هى بناء متكامل يحتاج إلى تركيز وتفرغ. ولم يكن العام الذى توليت فيه رئاسة الرقابة سهلًا، لأن جميع صناع المسلسلات والأفلام هم أصدقائى، وأكن لهم احترامًا كبيرًا، فضلًا عن أننى لا أرى نفسى أفضل منهم حتى أحكم عليهم.. باختصار، كان الأمر شديد الحساسية، رغم ما فيه من متعة كبيرة، باعتبارى أكتشف –لأول مرة– عالم الرقيب، أى الموظف فى الدولة الملتزم بتطبيق القانون.. وفى هذا السياق، يُذكر أن الرقيب لا يحكم على المستوى الفني؛ فقد يصلنى سيناريو ردىء، لكن ليس من حقى أن أقول إنه ردىء، بل أحكم وفقًا لقوانين محددة.

لا يمكن أن نتحدث عن الرقابة دون أن نذكر الأزمة الأخيرة التى صاحبت فيلم (سفاح التجمع)؟

- ما أُثير حول فيلم (سفاح التجمع)، لم يكن متعلقًا بكون الفيلم جيدًا أم سيئًا، بل بوجود ملحوظات رقابية تم تسجيلها، كما يحدث مع جميع الأفلام الأخرى. وهذا ليس الفيلم الأول، ولن يكون الأخير. البرومو الذى وصل كان مختلفًا عما تم عرضه فعليًا. وهذه ليست الواقعة الأولى من نوعها، حيث سبقها إعلان لفيلم آخر لم يتضمن أغنية، ثم فوجئت بعد عرضه بأن البرومو يحتوى على أغنية، وكان هذا الجزء الذى لم يصل إلى الرقابة هو الأكثر احتواءً على ملحوظات رقابية.. كما أننى لا أعلم ما إذا كانت النسخة التى تُعرض فى السينما هى نفسها النسخة التى تم تدوين الملحوظات عليها أم لا. لدى ما بين 55 إلى 75 نسخة، وكان الأمر قابلًا للنقاش والتوضيح.

فى رأيك.. هل نحن فى حاجة لإعادة معالجة لنظام الرقابة نفسه؟

بالطبع.. العالم فى حالة تطور دائم، والرقابة جزء من العملية الفنية، ونحتاج لتطويره مثل أى شئ آخر، بداية من التصنيف العمرى وصولا لقانون الرقابة ذاته، سواء كنت موجودًا أو لا.

لو قُبلت استقالتك من رئاسة الرقابة، هل تتمنى أن تكون آخر رقيب؟

- لا توجد دولة فى العالم بلا رقابة، حتى فى أكثر البلدان تقدمًا توجد رقابة، وليس هذا دفاعًا عنها، أنا شخصيا أتمنى ألا تكون هناك رقابة. لكن المجتمع -حاليًا- ليس فى حاجة إلى الرقابة بقدر ما هو فى حاجة إلى شكل من الوعى، لأن نسبة الأمية عالية جدًا، وكذلك نسبة الادعاء الفنى عالية جدا.. وممارسة الفن، مثلها مثل مهنة الطبيب الجراح، لازم يكون لدى الفنان شيء لمزاولة المهنة ونشاطها لأنه يتعامل مع أخلاقيات إنسانية وأخلاقيات إنسانية شديدة التأثير فيجب أن يكون شخصا مسئولا وواعيا وليس أى شخص يصلح لها لمجرد أنه يشعر بأنه فنان. يجب أن يكون هناك وعى ومسئولية. ومع ذلك، لا تزال هناك مجتمعات مستوى الوعى فيها محدود، ولذلك لا يزال الطريق طويلًا. 

لماذا قبلت مسئولية الرقيب وأنت فى الأساس مبدع، هل كان ذلك بدافع الفضول أم لسبب آخر؟

- كان هناك تكليف بالوظيفة، وكان هناك تردد أيضًا، الأمران كانا موجودين. وأنا بطبيعتى أشعر بشيء من الحرج، فكان ذلك من العوامل التى دفعتنى للقبول. كذلك كان لدى فضول، فضول روائى تحديدًا، لأننى لم أمارس فكرة أن أكون موظفًا إلا فى أيام معدودة من حياتى، فكنت أريد أن أرى كيف تسير الأمور داخل هذا العالم.. كما أن هذا الموقع - مثلما يقال- فى (قلب الصنعة)، فرغم حساسيته وما قد يسببه من مشكلات، إلا أنك تظل داخل تفاصيل المهنة. كنت أريد أن أفهم كيف يتداخل القانون مع العمل الإبداعى، وكيف يتعامل الموظفون يوميًا داخل هذا الإطار. وخلال هذا العام، استفدت كثيرًا، إذ انفتح لى باب لم أكن أعلم عنه شيئًا على الإطلاق، بما له وما عليه.. فى هذا السياق، لم أر فى حياتى مبدعًا حقيقيًا ومتمكنًا من أدواته، سواء فى الكتابة أو الإخراج، ولديه مشكلة حقيقية مع الرقابة؛ لأنه يكون واعيًا بقواعد اللعبة. فعلى سبيل المثال، الأديب الراحل «نجيب محفوظ» كسر التابوهات الثلاثة، ومع ذلك لم يستطع أحد أن يهاجمه، لأنه كان بارعًا فى تناول الدين والسياسة والجنس، وفى النهاية كاتب متمكن.

هل مثلت جرأة السوشيال ميديا تحديا أمام الرقابة؟

- نعم، هذه معضلة كبيرة جدًا؛ فهناك سوشيال ميديا تتمتع بقدر عالٍ من الجرأة، فى مقابل مجتمع يميل إلى التحفظ ظاهريًا، رغم أنه ليس كذلك تمامًا. فى بعض اللحظات يبدو المجتمع ذا طابع متشدد دينيًا، وفى لحظات أخرى يُظهر حبًا كبيرًا للفن، وهو ما انعكس بدوره على صناعة الفن وأثّر فيها.. كما أن العالم يدفعك تدريجيًا إلى خفض سقف حريتك، سواء فى المجتمعات المتحررة أو غير المتحررة. الإنسان أصبح خائفًا ومنغلقًا داخل هاتفه، جالسًا فى غرفته ومعزولًا عن العالم. أظن أن الإنسان قبل 50 عامًا كان أكثر حيوية من الناحية الفكرية، ويتمتع بقدر أكبر من الحرية. هناك شيء ما يحدث يضغط ويُخيف، ويجعل الأمور أكثر تقييدًا.. فمثلا فى التسعينيات، كنا نشاهد عددًا كبيرًا من الأفلام المميزة، وليس فى «مصر» فقط، بل فى السينما العالمية عمومًا؛ كان من الممكن أن نشاهد سنويًا 5 أو 6 أفلام جيدة على الأقل. أما الآن، فأصبح العدد أقل. هناك تغيرات حدثت فى العالم؛ فالتكنولوجيا تتسارع بشكل هائل، والقوى الكبرى تفرض سيطرة أكبر، كما أن الأمور لم تعد عادلة كما كانت، وهذا كله يجعل الإنسان أقل شعورًا بالأمان، وبالتالى يقل مستوى التفكير والإبداع.

هل كانت لك -ككاتب سيناريست- معارك مع الرقابة فى أعمالك السابقة؟

- أبدًا. منذ أن بدأت الكتابة وحتى هذه اللحظة، لم يُحذف لى أى شيء رقابيًا. الحذف الوحيد الذى حدث كان قرارًا اتخذته بنفسى وكانت جملة مسلسل (قهوة المحطة) كما ذكرت.

كيف يستطيع المبدع أن يقول كل ما يريده دون الدخول فى مواجهات مباشرة مع الرقابة؟ أو كيف يمكنه التحايل عليها؟

- لا يوجد كاتب حقيقى يكون غير واعٍ تمامًا بالسياق الذى يعيش فيه، حتى بعيدًا عن السياسة. فبمجرد كونه كاتبًا، فهو يكتب عن زمنه، وهذا الزمن يشمل: المجتمع، والتاريخ، والسياسة، وكل ما يحيط به. وإذا لم يكن لديه وعى بالمكان الذى يعيش فيه، والسنة التى يكتب فيها، وما جرى منذ أسبوعين وما قد يحدث بعد أسبوع، فمن الأفضل ألا يكتب.. وكان «وحيد حامد» يحكى لنا أنه عندما كان يريد التحايل على الرقابة، كان يضع مشهدًا شديد الجرأة قبل المشهد الذى يحتوى على الفكرة المهمة؛ فتحدث أزمة حول المشهد الجريء، ثم يقرر حذفه، وينشغل الجميع به، بينما تمر الفكرة الأهم دون ملاحظة.. وهذا هو الذكاء؛ فالكتابة تقوم على الحرفية والوعى، بمعنى أن تدرك لمن تكتب، وأين تكتب، وفى أى زمن، لأن ذلك يتطلب وعيًا شديدًا.

 

كيف جاءت تجربتك مع غرفة صناعة السينما؟

- عندما ذهبت إلى غرفة صناعة السينما، فوجئت بوجود انتخابات، كما فوجئت بمحبة الناس لى، خاصة أن أعضاء الغرفة من المنتجين، ولديّ علاقة بهم تمتد إلى نحو 25 عامًا. وغرفة صناعة السينما هى الجهة المعنية بتنظيم حقوق السينمائيين والتعامل مع قضاياهم، ولذلك تم انتخابى بشكل مفاجئ كنائب.. وكنت أرغب فى خدمة السينما، سواء من خلال وجودى فى الرقابة أو من خلال هذا الدور، فقررت أن أُخصص هذا العام لذلك، حتى لو كان على حساب الكتابة. أردت أن أقترب من مشكلات زملائى وأفهمها بشكل مباشر، بدلًا من الاكتفاء بالحديث من الخارج دون تجربة حقيقية. وبالفعل، شاركنا فى اجتماعين أو ثلاثة، تناولنا خلالهم عددًا من القضايا المختلفة، وناقشنا بعض الشكاوى المرتبطة بصناعة السينما.

ما أكبر المشاكل التى تواجه السينما؟

- نحن فى بلد كبير، يضم نحو 100 مليون نسمة، وبالتالى نحن فى حاجة إلى عدد أكبر من دور العرض، وبناءً عليه نحتاج إلى عدد أكبر بكثير من الأفلام. إذا قارنا بين عدد السكان لدينا والدول الأخرى وعدد دور العرض، بغض النظر عن مسألة الغنى والفقر، فسنجد أننا فى حاجة إلى 100 سينما أو أكثر.. فصناعة الفن فى الأساس هى (صناعة، وتجارة، وفن)، وبالتالى يمكن أن نستفيد منها كدولة، لكننا نحتاج إلى ما يقارب 5 أضعاف عدد دور العرض الموجودة حاليًا.. والأسوأ من قلة دور العرض، وقلة عدد الأفلام، هو قلة التنوع؛ فهذه كارثة حقيقية. عندما يتم تقديم نحو 3 أو 4 أنواع فقط من الدراما فى رمضان ونوعين أو ثلاثة من الأشكال الفنية فى السينما إلى 110 ملايين شخص، فهذا يعنى أن هناك تضييقًا كبيرًا على تنوع الأذواق.

مع أن عدد الأعمال التى تدخل الرقابة كبير جدًا تتجاوز الـ2000 عمل، وهو ما يعكس وجود رغبة حقيقية لدى المصريين فى تقديم الفن حتى من طلاب صغار، لكن المشكلة تكمن فى الوصلة بين الإنتاج والتوزيع، أى فى (نهر الإبداع) نفسه، حيث توجد إشكالية فى الوصول إلى الجمهور.

هل يعنى ذلك أنه لا توجد أزمة إبداع؟ 

- لا، لا توجد أزمة إبداع، بل هناك أزمة مُفتعلة تهدف إلى ترسيخ نوع معين من الأفلام، وتثبيت نمط إنتاجى محدد يعمل باستمرار، إضافة إلى ترسيخ نوع من (الشِللية). لكن فى الحقيقة، أكثر مهنة فيها تنوع وإبداع هى الكتابة.

ككاتب سيناريست، إلى أى مدى تتمتع بمرونة فى أن يتدخل فنان أو مخرج فى النص الخاص بك؟

- هناك خطأ شائع بأن النص لا يجوز لأحد أن يتدخل فيه، أو أنه يكون مستباحًا بالكامل، لكن فى الحقيقة لا هذا يحدث ولا ذاك. العلاقة بينى وبين المخرج أو الممثل ليست قائمة على ما كتبته بشكل حرفى، وإنما على المنطق.. فإذا كنا متفقين على منطق العمل، فلا ينبغى أن يكون هناك خلاف، وإذا اختلف معى الطرف الآخر وأقنعنى بمنطق أفضل، فمن الطبيعى أن أغير فى النص. وهذا لا يقتصر على المخرج فقط، بل يمتد إلى كل المشاركين فى العمل، حتى لو كان دور الشخص صغيرًا.. أتذكر موقفًا حكاه لى الفنان الراحل «نور الشريف»، حيث شارك فى فيلم كان اسمه فى البداية (حطمت قيودي)، ثم بدأ التصوير، وكانت معه الفنانة «نبيلة السيد»، التى قالت: «يا جماعة إيه (حطمت قيودي)، فى حد هايدخل فيلم اسمه كده، هو (المنيل) البطل دا شغال إيه؟؛ قالوا (سواق أوتوبيس).. فقالت طيب ما تسموه «سواق الأوتوبيس» بدل (الفزلكة دي)»، فتم الاستجابة وأصبح اسم الفيلم (سواق الأتوبيس). وهذا أمر طبيعى، لأن من الصعب معاندة المنطق.

من أكثر الشخصيات التى تأثرت بها؟

- تأثرت بكثيرين. عند قراءة أعمال كتاب أجانب، سواء من تُرجم لهم أو حتى من كان لديهم أفكار مختلفة أو متطرفة، وكذلك عند قراءة أعمال لابن عربى، وابن الفارض، وقراءة الأدب الروسى، وأيضًا «ويليام شكسبير»، وغيرهم، فإن كل ذلك يدخل إلى الروح، لأن فى النهاية لعبة الفن والموهبة هى لعبة ذات طابع سماوي.

ما رأيك فى فكرة أن الجرائم سببها ما يقدمه المحتوى الفنى خلال السنوات الأخيرة؟

-  فكرة أن كل الجرائم سببها الفن الرديء هى فى الحقيقة تبسيط شديد، وكأننا نبحث عن طرف ضعيف نُلقى عليه التهمة..الأزمة ليست فى الفن الرديء بقدر ما هى فى الوعى الرديء، وفى بعض الأشخاص الذين يمارسون الفن دون أن يكونوا فنانين بالمعنى الحقيقي. لكن فى كل الأحوال، الفن لا يصنع الجريمة ولا يخلقها. فالجريمة -فى الأساس- تنبع من نفوس بشرية معقدة جدًا، وقد تقع سواء وُجد فن أو لم يوجد،وأنا مؤمن بمقولة شكسبير أن «الفن  لا يضمر شرًا».. على سبيل المثال، مسلسل (حكاية نرجس) تناول فكرة أن امرأة تقوم باختطاف الأطفال، وقد نجح العمل لأنه فى النهاية تم تقديمه بشكل جيد ومتماسك فنيًا. لكن من غير المنطقى افتراض أن المشاهد بعد مشاهدة العمل قد يخرج ليقوم باختطاف أطفال.

فيما يخص مسلسل (الحشاشين)، هل اضطلعت على كل النسخ التى كتبت عن هذا الأمر؟

- أنا كتبت عن أعمال فى التاريخ 3 مرات بشكل صريح، وهم: (شيخ العرب همام- والكنز- والحشاشين). فالتعامل مع التاريخ من أصعب ما يكون، لأننا فى بلادنا وفى المنطقة عمومًا، التاريخ والدين –غالبًا- ما يُتعامل معهما كشيء واحد، وهذا أمر شديد الحساسية.. وبالتالى، فإن أى طرح لا يرضى الجميع قد يدخلنى فى معركة كبيرة جدًا، لأن الكاتب الذى يكتب عن التاريخ يكون كمن يسير على حبل مشدود وتحته نار. وبالطبع، طالما هناك وجهة نظر، فهناك من سيقف معها وهناك من سيقف ضدها.. أما شخصية (حسن الصباح) فى (الحشاشين)، فهى من أكثر الشخصيات تعقيدًا فى هذا السياق الدينى والتاريخي. من الصعب جدًا التعامل معه بشكل سطحي؛ فلا يمكن تقديمه كشيطان بشكل مباشر، ولا يمكن –أيضًا- تجاهل أن لديه أفكارًا منحرفة وسلوكًا إشكاليًا، لأنه فى النهاية شخص يؤثر فى الآخرين.. وفى الوقت نفسه، هو ليس شخصية بسيطة؛ فهو رجل له تركيبة مختلفة، حتى إن بعض صفاته الظاهرة قد توحى بصورة إيجابية، لكنه فى الجوهر شخصية معقدة للغاية. والشخصيات الكاريزمية التى تؤثر فى الآخرين تمتلك دائمًا تركيبة خاصة، ولذلك لا بد أن تظهر بشكل يبدو فيه أحيانًا وكأنه ساحر أو بلا عيوب ظاهرة، وهذا ليس مدحًا له، بل هو تحليل لطبيعة الشخصية. فحتى من يدعى النبوة مثلًا، لا يمكن أن يكون ساذجًا أو غير مؤثر، وإلا لما استطاع جذب أتباعه.. وهنا.. تكمن الصعوبة، خاصة أن الجانب الظاهر فى الشخصية قد يجعل الجمهور يميل إليه، بينما داخله يحمل إشكاليات كبيرة، ويزيد الأمر تعقيدًا عندما يجسده ممثل محبوب مثل «كريم عبد العزيز»، ما يجعل التوازن أصعب.. لكنى فى النهاية، قدمت رؤيتى الخاصة لشخصية (حسن الصباح)، ولا يصح أن أكون فيها كاذبًا، أو مطلق الصدق؛ بل أكون صادقًا فنيًا فقط، لأن هذا هو منطق العمل الدرامى ورؤيتى له.

لكن هناك أطراف (على رأسها بطحة) مثلما يُقال، يظنون أن المسلسل تم تقديمه بهدف الإشارة إلى حركة الإخوان. وإذا كانوا يرون أنفسهم فى هذا التشابه، فهذه مسألة تخصهم. لكن فى النهاية، جوهر الفكرة يتمحور حول فكرة السيطرة على الآخرين من خلال عباءة الدين.

هل الإنتاج الأدبى الخاص بك يتمتع بحرية أكبر؟

- فى الأساس كنت أكتب أدبًا، وقصصًا قصيرة، ومحاولات للرواية، وكانت أول رواية لى بعنوان (المجنونة) عام 2000، وكنت أتصور أننى سأعيش من كتابة الأدب، لكن ذلك كان صعبًا جدًا، فلم يكن من الممكن الاعتماد عليه كمصدر للعيش. وهنا كرّمنى الله بالتعاون مع «نور الشريف»، الذى ساعدنى فى الانتقال من الكتابة الأدبية إلى الكتابة البصرية، أى تحويل ما أكتبه إلى صورة ودراما.. فى البداية كانت علاقتى بالصورة ضعيفة، لأننى جئت من ثقافة مكتوبة تقوم على الخيال والقراءة. ثم التحقت بمعهد السينما، وكانت تلك نقلة كبيرة فى حياتى، حيث شاهدنا أفلامًا كثيرة واكتشفنا وجود سينما أخرى غير السينما الأمريكية، فبدأت أحب السيناريو إلى جانب دراسته. وقدمت أول أعمالى السينمائية قبل الدراما، وهو فيلم (على جنب يا أسطى) الذى كتبته قبل مسلسل (الرحايا)، لكن الفيلم فى السينما ونجح لاحقًا فى العرض التلفزيونى، بينما نجح (الرحايا) أولًا، فازداد الطلب عليّ فى الدراما أكثر من السينما.

وبعدها أصبحت العودة للكتابة الأدبية أصعب، لكنها فى الوقت نفسه باتت تبدو أكثر حرية من السابق. وأنا أحب فكرة الكتابة الأدبية، وأحب فكرة أن أترك لبناتى إرثًا من الكتب. والآن لدى 6 روايات وقرابة 19 كتابًا.

فى النهاية.. لا تبدو تجربة «عبدالرحيم كمال» مجرد سيرة مهنية بين الأدب والدراما والرقابة، بل أقرب إلى رحلة داخل عقل صناعة كاملة تتواجه فيها الحرية مع القيود، والفن مع القانون، والخيال مع الواقع. فهو –ببساطة- لم يقدم نفسه كـ«حاكم على الإبداع»، ولا كخصم له، بل كشاهد من داخله؛ شاهد يرى أن الفن ليس فى صراع مع الرقابة بقدر ما هو فى صراع دائم مع الوعى، ومع الزمن، ومع المجتمع نفسه.

تم نسخ الرابط