الإثنين 13 يوليو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

وزير البترول السابق المهندس طارق الملا فى ندوة خاصة بصالون «روزاليوسف»:

لا توجد ضغوط على مصر بسبب «الغاز» و«ظهر» يخضع لتناقص طبيعى

م/طارق الملا رئيس
م/طارق الملا رئيس لجنة الطاقة والبيئة بمجلس النواب

أعد الندوة للنشر:  سمر العربى - نرمين ميلاد

تصوير: مايسة عزت - حسن جابر
 

 الولايات المتحدة المستفيد الوحيد من أزمة الطاقة العالمية
 

بدأنا حصاد العصر الذهبى لقطاع البترول

 

فى ندوة صحفية موسّعة، استضافت «روزاليوسف» المهندس طارق الملا، رئيس لجنة الطاقة والبيئة بمجلس النواب، وزير البترول السابق؛ لاستعراض ملامح الطفرة التى شهدها قطاع الطاقة خلال السنوات الماضية، ومناقشة الفرص والتحديات التى تواجه الثروة المعدنية فى مصر.
 

 

أدار الندوة رئيس التحرير، بحضور هبة صادق، رئيس مجلس إدارة مؤسَّسة روزاليوسف، ومشارَكة الكاتب الصحفى كمال عامر، والكاتبتين عزة نصر وألفت سعد، ومدير التحرير محمود سماحة ونخبة من قيادات التحرير والصحفيين بالمجلة.
 


تناولت الندوة كواليس ملف الاكتفاء الذاتى من الغاز، وتحولات مصر لمركز إقليمى للطاقة، كما شهدت الندوة نقاشًا مفتوحًا حول الرُّؤَى المستقبلية لتطوير الحقول المصرية وجذب الاستثمارات الأجنبية، وسط مداخلات ثرية من الحضور حول القضايا الراهنة المرتبطة بالقطاع.
 


استعرض المهندس طارق الملا الفترة بين عامىّ 2023 و2024، واصفًا إياها بأنها من أصعب الفترات الاقتصادية التى مرّت على مصر نتيجة أزمة النقد الأجنبى، كاشفًا عن أن الرئيس عبدالفتاح السيسي حرص على مبدأ الشفافية، ووجّه بضرورة توضيح الحقائق للرأى العام حول القرارات الصعبة التى تواجهها الدولة المصرية، ومنها أسباب اللجوء إلى تخفيف أحمال الكهرباء، وضرورة توفير العملة الصعبة لقطاعات ذات أولوية قصوى مثل الأدوية والغذاء، وشدّد «الملا» على أن حكمة الرئيس فى إدارة هذا الملف المعقد وتحديد الأولويات الوطنية، هى ما منعت تفاقم الأزمة وأعادت البلاد إلى بَرّ الأمان.
 


 كيف تُقيّم ملف الطاقة فى الوقت الحالى، فى ظل الحرب الإيرانية، مع ضرورة تأمين مصر احتياجاتها البترولية؟
 


- رغم الجهود المبذولة؛ فلا تزال مصر تستورد نحو 35 % من احتياجاتها من المنتجات البترولية (بنزين وسولار) بالإضافة إلى الغاز المسال، وهى فجوة تضع الموازنة العامة للدولة تحت ضغط مباشر مع كل ارتفاع فى الأسعار العالمية، ما دفع الحكومة لتحريك أسعار الوقود محليًا أكثر من مرّة لمواجهة تضخم فاتورة الاستيراد.
 


وأثبتت أزمة الطاقة الحالية أن الموقع الجغرافى لمصر ومنشآت الإسالة لديها قدرة عالية على المناورة. ففى ظل تعطل بعض الإمدادات الإقليمية، نجحت مصر فى إبرام تعاقدات متنوعة، شملت استيراد الغاز المسال من الولايات المتحدة الأمريكية، بالإضافة إلى العقود طويلة الأجل مع المملكة العربية السعودية، بينما يظل خيار النفط الليبى غير متاح فنيًا بسبب اختلاف مواصفاته عن متطلبات معامل التكرير المصرية.
 


وتستهدف الاستراتيجية الوطنية الوصول بنسبة الطاقة الجديدة والمتجــددة إلـى 42 % بحلول عام 2030 كحل جذرى لتقليل الاستيراد. كما تتبنى الدولة سياسة الترشيد وإحلال الوقود، من خلال التوسع فى تحويل السيارات للعمل بالغاز الطبيعى والكهرباء، وتعظيم دَور المشروعات القومية مثل المونوريل، مع تسريع تغطيته لمناطق أوسع لتقليل استهلاك الوقود فى النقل الخاص، بالإضافة إلى أهمية محطة الطاقة النووية المتوقع تشغيلها عام 2028، والتى ستساهم فى ترشيد استهلاك الكهرباء. كما يُقدَّر الفقد فى الشبكة القومية للكهرباء بنحو 20 %، وهو رقم يُشكل تحديًا كبيرًا وفق بيانات الشركة القابضة للكهرباء. 
 


 ما الحوافز والتشريعات التى يمكن توفيرها للتوسع فى استخدام الطاقة الجديدة والمتجددة؟
 


- بدأ حراك تشريعى وتنفيذى واسع يهدف إلى تغيير ثقافة استهلاك الطاقة فى مصر، مع التركيز على التوسع فى استخدام الألواح الشمسية المنزلية. وتُعقد حاليًا اجتماعات مكثفة وتنسيق رفيع المستوى بين لجنة الطاقة والبيئة بمجلس النواب ووزارة الكهرباء والطاقة المتجددة، وجهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك، وهيئة الطاقة الجديدة والمتجددة؛ بهدف وضع حزمة من الحوافز التى تشجع المواطنين على التحول من «مستهلكين» للكهرباء إلى «منتجين» لها، مع العمل على تذليل العقبات الإدارية والفنية عند تركيب الأنظمة الشمسية فوق أسطح المنازل والمنشآت الخاصة، ودراسة آليات ربط الفائض من الإنتاج المنزلى بالشبكة القومية، وتسهيل عمليات صافى القياس (Net Metering) لضمان استرداد قيمة الاستثمار عبر خفض فاتورة الكهرباء الشهرية.
 


وخلال السنوات الأخيرة، شهد قطاع الطاقة المصرى تحولات كبيرة، وكان حقل «ظهْر» فى البحر المتوسط مثالًا على تلك التحولات، بسبب بعض اللغط الفنى مع اختلاط التفسيرات غير الدقيقة مع البيانات الرسمية. 
 


وفى الفترة بين 2016 و2020 التى عُرفت بـ«العصر الذهبى» للطاقة المصرية، سُجلت اكتشافات كبرى وضعت مصر على خارطة الطاقة العالمية. تلك الاكتشافات رفعت إنتاج الغاز الطبيعى إلى ذروته التاريخية بمعدل 7.2 مليار قدم مكعب يوميًا، مع التأكيد على أن أى بئر غازية عرضة للتناقص الطبيعى، مما يستلزم استمرارية البحث والدراسات الجيولوجية وحفر آبار تعويضية للحفاظ على مستويات الإنتاج.
 


ولم تقتصر الجهود على الجانب الميدانى فقط؛ بل شملت المعركة القانونية لإنهاء ملفات قضايا التحكيم الدولى، والتى استنزفت وقتًا وجهدًا كبيرًا وكانت عائقًا أمام تنفيذ العديد من المشروعات والخطط التوسعية. ويُعد نجاح الدولة فى غلق تلك الملفات إعادة الثقة للاستثمار الأجنبى وربط فائض الإنتاج بالمشروعات القومية الكبرى، مثل إنشاء أكبر وأحدث محطات لتوليد الكهرباء فى العالم (محطات سيمنز الثلاث)، والتوسع فى شبكة توصيل الغاز للمنازل، ودعم مشروعات البنية التحتية المرتبطة برؤية مصر التنموية.
 


كما شهد قطاع توصيل الغاز الطبيعى طفرة غير مسبوقة، إذ ارتفع عدد الوحدات التى تصلها الخدمة إلى نحو 15 مليون وحدة سكنية، مع تحقيق معدل توصيل 1.2 مليون وحدة سنويًا، وهو رقم غير مسبوق. كما تم تنفيذ مشروعات التكرير الكبرى مثل مشروع أسيوط، ومشروعىّ «انوبك» و«مسطرد»وتوسعات «ميدور»، إلى جانب التوسع فى تحويل السيارات للعمل بالغاز الطبيعى.
 


كما تم التفاوض مع كبريات الشركات العالمية مثل «إكسون موبيل» و«شيفرون» لجذبها للعمل فى مصر، ما عكس الثقة فى قطاع الطاقة المصرى. أمّا اكتشاف حقل «نرجس» للغاز، فالإعلان لا يعنى بالضرورة بدء الإنتاج الفورى، إذ تتطلب الاكتشافات الكبرى سنوات من الدراسات الاقتصادية والفنية قبل التشغيل الفعلى.
 


وأعادت أزمة الطاقة العالمية؛ خصوصًا بعد الحرب «الروسية- الأوكرانية»، رسم خريطة الطاقة عالميًا؛ حيث اتجهت أوروبا إلى تقليل اعتمادها على الغاز الروسى وزيادة الاعتماد على الغاز الأمريكى وبدائل الطاقة المختلفة، ما خلق فرصًا مهمة لمصر لتصبح مركزًا إقليميًا للطاقة وتداول الغاز، مستفيدة من موقعها الجغرافى ومشروعاتها القومية المتنوعة.
 

 


بين مقتضيات الشراكة الاقتصادية وهواجس الأمن القومى.. إلى أى مدى تمنح صفقة غاز شرق المتوسط الجانب الإسرائيلى ورقة ضغط سياسية للتحكم فى تدفقات الطاقة إلى مصر؟
 


- يُؤكد الواقع أن مصر تمتلك بنية تحتية قوية تؤهلها لتكون منصة إقليمية للطاقة، بما فى ذلك منشآت الإسالة العملاقة فى إدكو ودمياط، وشبكة الأنابيب القومية. وتراجع إنتاج حقل «ظهر» أو غيره قد يقلل من الفائض المخصّص للتصدير المحلى، لكنه لا يعيق دور مصر كمنصة لتسييل الغاز فى شرق المتوسط، سواء من مصادر قبرص أو إسرائيل، وإعادة تصديره لأوروبا. ومع تعطل إمدادات الغاز والنفط من الخليج، تبرز قناة السويس وخط أنابيب «سوميد» كمسارات بديلة توفر أمانًا وموثوقية لتأمين احتياجات أوروبا، مما يعزز الثقل السياسى والتقنى لمصر كمركز آمن بعيدًا عن بؤر الصراع المباشر فى المنطقة.
 


ولا توجد أى علاقة سياسية بصفقة تصدير الغاز الإسرائيلى إلى مصر، فهى نتاج تفاوض بعد أن حصل الجانب الإسرائيلى على حكم تحكيم دولى ضد مصر بمقدار 2 مليار دولار نتيجة توقف تصدير الغاز المصرى أثناء ثورة 25 يناير 2011، وسط 20 قضية تحكيم دولى أخرى. ومع بداية إنتاج إسرائيل للغاز من حقلىّ ليفاثان وتمار، تم الاتفاق على توقيع الصفقة بسعر تنافسى لا يمكن تعويضه، ومن الناحية الفنية، الضغط ليس من طرف واحد؛ فإسرائيل تمتلك الغاز، لكنها لا تمتلك المسار، إذ تمثل البنية التحتية المصرية، بما فى ذلك محطات الإسالة فى إدكو ودمياط، النافذة الوحيدة والجاهزة لتصدير الغاز إلى الأسواق العالمية؛ خصوصًا أوروبا. وأى محاولة لاستخدام الغاز كأداة ضغط سياسى تعنى خسائر اقتصادية كبيرة للشركات المستثمرة، وحرمانًا للمنتجين من عوائدهم.
وأثبتت التحركات الأخيرة للدولة المصرية أن القاهرة لا تكتفى بمصدر واحد للاستيراد، فالتعاقد على شحنات الغاز المسال من الولايات المتحدة وتأجير سفينة إعادة التغويز يمثل ردًا استراتيجيًا عمليًا، يتيح لمصر تعويض أى نقص فى غاز الأنابيب عبر الاستيراد الفورى من السوق العالمية. 
 


وتاريخيًا؛ لم يحدث قَطّ أن توقفت إمدادات الغاز لأهداف سياسية تفاوضية؛ بل كانت الانقطاعات مرتبطة بظروف أمنية ميدانية، مثل تعطيل حقل تمار فى أكتوبر 2023، وتصنف هذه الحالات فى العقود الدولية كـ«قوة قهرية»، وليس كقرار سيادى بالمنع؛ حيث تدير هذه الصفقات شركات عالمية بإشراف حكومى.
 


هل يُعَد التعاون بين الشركات القابضة والقطاع الخاص، مدعومًا بالحوافز، كافيًا لدفع الاستثمار فى قطاع الطاقة الجديدة والمتجدّدة، وهل تتجه الدولة إلى إعفاءات ضريبية وجمركية لتوطين تلك الصناعة، أمْ أن هناك أدوات وآليات بديلة؟ وما أبرز التشريعات والإجراءات الجارى إعدادها لدعم القطاع خلال المرحلة المقبلة؟
 


- ملف الطاقة الجديدة والمتجدّدة لم يعد رفاهية؛ بل أصبح ضرورة حتمية فى ظل التحديات العالمية المتسارعة.
 

الدولة تتجه حاليًا نحو رفع مساهمة القطاع إلى نسب تتراوح بين 30 و40%، من خلال إشراك القطاع الخاص بصورة أوسع؛ تنفيذًا لقرارات المجلس الوزارى التى أتاحت للشركات القابضة التعاون مع المستثمرين، مع تقديم حوافز تشجيعية لإقامة محطات إنتاج الطاقة الجديدة والمتجددة.
 


والإعفاءات الضريبية والجمركية ليست بالضرورة الحل الوحيد؛ بل هناك أدوات وآليات بديلة تهدف إلى توفير مناخ استثمارى واضح ومشجع، يضمن للقطاع الخاص الاستقرار والعائد الاقتصادى المناسب، بما يمكنه من التوسع فى مشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة.
 


والدولة تدرك تمامًا أهمية إشراك القطاع الخاص؛ حيث أثبتت التجربة أن الدولة وحدها لا تستطيع تحمُّل أعباء الاستثمار الضخم المطلوب، كما يحدث فى قطاع البترول الذى تعتمد فيه مصر على شراكات مع شركات عالمية كبرى. 
 


وهناك عقبات تواجه هذا الملف أبرزها صعوبة تخصيص الأراضى وعدم السماح باستخدام الشبكة القومية لنقل الكهرباء، إلاّ أن الوضع تحسّن كثيرًا مؤخرًا، وأصبحت هناك مرونة أكبر فى التعامل مع المستثمرين لضمان جذبهم ودعم نمو القطاع بكفاءة.
 


 خلال توليكم وزارة البترول والثروة المعدنية، شهد القطاع طفرة كبيرة وحظى بزخم واضح على مستوى المشروعات والاستثمارات والاكتشافات، لكن البعض يرى أن قطاع الثروة المعدنية لم يحظ بنفس القدر من الاهتمام أو التطور. من وجهة نظركم؛ ما الأسباب وراء ذلك؟ وهل كانت هناك تحديات أو مشكلات تشريعية وإدارية عطّلت انطلاق قطاع التعدين بالشكل المأمول؟
 


- كثير من النجاحات التى تتحقق حاليًا هى امتداد لخطط ومشروعات بدأ العمل عليها منذ سنوات، سواء فى قطاع الغاز الطبيعى أو البترول أو التعدين.
 


وعلى سبيل المثال؛ فإن ملف توصيل الغاز الطبيعى للمنازل، شهد طفرة غير مسبوقة وصلت إلى نحو 15 مليون وحدة سكنية «كنت أتابع توصيل الخدمة إلى 1.2 مليون وحدة سكنية فى السنة الواحدة، وهو رقم لم يتحقق من قبل». إلى جانب تنفيذ عدد من مشروعات التكرير الكبرى مثل مشروع أسيوط، ومشروعى «نيدك» و«مسطرد»، فضلاً عن التوسع فى تحويل السيارات للعمل بالغاز الطبيعى، وتحقيق اكتشافات كبرى أبرزها حقل «ظهْر».
 


هذه الإنجازات تحققت رغم التحديات الكبيرة التى واجهت القطاع، وأن مصر كانت تواجه نحو 20 قضية تحكيم دولى، وهو ما تسبّب فى تعطيل العديد من الخطوات والمشروعات خلال تلك الفترة.
 


وأجريت مفاوضات بنفسى مع كبرى الشركات العالمية، وعلى رأسها شركتا «إكسون موبيل» و«شيفرون»؛ لجذبها للعمل فى مصر، ودخول تلك الشركات إلى السوق المصرية كانت خطوة غير مسبوقة، تعكس الثقة فى قطاع الطاقة المصرى.
 


وفيما يخص الإعلان عن الاكتشافات الكبرى، مثل كشف «نرجس» للغاز؛ فإن ذلك لا يعنى بالضرورة بدء الإنتاج الفورى، إذ يتطلب الأمر سنوات من الدراسات والتقييمات الاقتصادية والتجهيزات الفنية قبل بدء التشغيل الفعلى. 
كما أن أزمة الطاقة العالمية، بعد الحرب «الروسية- الأوكرانية»، أعادت رسم خريطة الطاقة عالميًا، وهو ما خَلق فرصًا مهمة لمصر لتصبح مركزًا إقليميًا للطاقة وتداوُل الغاز.
 


وفيما يخص قطاع التعدين فإن ملف التشريعات الخاصة به تم تطويره من خلال دراسة شاملة أعدّها واحد من أكبر المكاتب الاستشارية العالمية؛ لمقارنة وضع قطاع التعدين فى مصر بالنماذج الدولية الناجحة فى إفريقيا وأمريكا اللاتينية، بهدف وضع رؤية متكاملة لتطوير القطاع. وأكدت الدراسة أن نظام اقتسام الإنتاج المطبق فى البترول وبعض المشروعات التعدينية لا يصلح لقطاع التعدين، وأن النموذج العالمى الأنسب يعتمد على الضرائب والإتاوات، وكان هذا التوجه من أهم مَحاور الإصلاح التى تم العمل عليها.
 


وكان علينا الفصل بين مرحلتىّ الاستكشاف والإنتاج فى التعدين، مع ضرورة تبنّى استراتيجيات لصناعات القيمة المضافة للمعادن المصرية، والتركيز على الذهب وغيره من المعادن الواعدة؛ لضمان تحقيق أفضل عائد اقتصادى للدولة.
 


وكان أحد أكبر التحديات الهيكل الإدارى والتنظيمى لهيئة الثروة المعدنية، إذ كانت تُدار كهيئة خدمية تتبع القطاع العام، ما حَدّ من مرونتها وقدرتها على اتخاذ القرار، وكان العاملون بها يخضعون لنظام وظيفى تقليدى لا يتناسب مع طبيعة القطاع الاستثمارى. 
 


الهيئة لم تكن تستطيع تنفيذ توسعات أو حملات بحثية دون موافقات وزارة المالية، وكان الرد دائمًا: «لا توجد موازنة»، وهو ما أعاق حركة العمل ومنع الهيئة من التحرك بمرونة مثل الهيئات الاقتصادية الأخرى. وهو ما دفعنى لعرض ملف تطوير قطاع التعدين على مجلس الوزراء، وبدأت الحكومة بالفعل فى إعداد مشروع قانون جديد لتطوير القطاع. 
 


وشملت التعديلات تعديل قانون الثروة المعدنية لعام 2018، وفصل نشاط البحث والاستكشاف عن الإنتاج، بالإضافة إلى تطبيق نظام مالى جديد يعتمد على الضرائب والإتاوات بدلاً من نظام اقتسام الإنتاج التقليدى، بما يضمن جذب مزيد من الاستثمارات وزيادة الكفاءة فى القطاع.
 


تلك التعديلات ساهمت بشكل كبير فى إطلاق مزايدات عالمية عام 2020، والترويج للقطاع المصرى فى الخارج، وهو ما أسفر عن جذب ثلاث إلى أربع من أكبر شركات التعدين العالمية، والتى حصلت بالفعل على مناطق امتياز داخل مصر، وهو ما يعكس ثقة المستثمرين الدوليين فى الإمكانات التعدينية لمصر.
 


وأذكر أنه خلال المفاوضات ظهرت مقترحات لتحويل هيئة الثروة المعدنية إلى هيئة مستقلة، وهو ما تسبب فى تعطيل الملف لنحو عام كامل بسبب المناقشات المستمرة حول الشكل الإدارى الأمثل للهيئة. وبعد استكمال المناقشات تم الاستقرار على أن تحويل الهيئة إلى هيئة اقتصادية يمنحها مرونة أكبر فى الإدارة واتخاذ القرار، وعرض الأمر على الرئيس، وأصدر توجيهًا رئاسيًا بتحويل هيئة الثروة المعدنية إلى هيئة اقتصادية، وتم بالفعل الانتهاء من إعداد مشروع القانون الخاص بذلك قبل أن يحدث التعديل الوزارى لاحقًا.
 


 ما مدَى قدرة مصر على التعامل بمرونة مع أزمات الطاقة العالمية؟
 


- مصر تمتلك جميع المقومات التى تؤهلها لتأمين احتياجات المواطنين من الطاقة والحفاظ على الاستقرار الاقتصادى. والمقومات تشمل الموقع الجغرافى المتميز للبنية التحتية، ومحطات الإسالة العملاقة، وشبكات الربط الكهربائى، بالإضافة إلى الاستقرار السياسى والأمنى الذى يجعل مصر وجهة جذابة للاستثمارات الأجنبية، وهو ما يعزّز قدرتها على التعامل مع أى تحديات طارئة فى قطاع الطاقة.
 


والدولة المصرية استفادت من تجربة انقطاع الكهرباء خلال صيف 2024، وعملت على تأمين احتياجاتها من الوقود والطاقة بشكل يمنع تكرار الأزمة؛ لأن الانقطاع كان سيؤثر سلبًا على صورة مصر أمام المستثمرين والسياح، ويضع ضغوطًا إضافية على الاقتصاد الوطنى.
 


وأرى أهمية الاستمرار فى رفع الوعى المجتمعى بترشيد استهلاك الطاقة، والتوسع فى تنويع مصادرها، إلى جانب تحسين كفاءة الاستهلاك من خلال استخدام بدائل أقل استهلاكًا.
 


الدولة تعمل على الإسراع فى التوسع بمشروعات الطاقة الجديدة والمتجدّدة؛ لتحقيق هدف رفع مساهمة مزيج الطاقة الوطنى، بما يضمن استدامة الموارد وتقليل الاعتماد على الوقود التقليدى، ودعم التوسع فى استخدام الغاز الطبيعى كوقود للسيارات، ونجحت مصر فى إنشاء نحو ألف محطة لتموين السيارات بالغاز الطبيعى ضمن خطتها الاستراتيجية لتقليل الاعتماد على الوقود التقليدى، وخفض تكلفة النقل، وتحقيق استدامة بيئية واقتصادية، بالإضافة إلى تحسين الخدمات المقدمة للمواطنين فى مختلف أنحاء الجمهورية.
 


 ماذا عن الوضع العالمى للطاقة؟
 


ما يُثار إعلاميًا حول أزمات الطاقة العالمية يتسم أحيانًا بالمبالغة. أسعار النفط تتحرك فى نطاق طبيعى صعودًا وهبوطًا حول مستوى 100 دولار للبرميل، وهو رقم لا يُعَد مقلقًا فى حد ذاته. وبعض التطورات الجيوسياسية، مثل إغلاق أجزاء من الممرات البحرية فى الخليج لفترات ممتدة والتى تمثل نحو 20% من حركة الطاقة العالمية، لم تؤدِّ إلى أزمة حادة، وأظهرت السوق العالمية قدرة عالية على التكيف من خلال زيادة المعروض عبر سياسات الدول المنتجة، التى لجأت إلى ضخ عشرات الملايين من البراميل ضمن خطط التوازن الاستراتيجى للأسواق.
 


ومصر، بفضل بنيتها التحتية القوية وقدرتها على إدارة الأزمات، قادرة على التعامل مع أى تقلبات فى الأسواق العالمية، وتتبنى الحكومة استراتيجيات شاملة لضمان استقرار الطاقة، ودعم الاستثمارات، وتعزيز الأمن الاقتصادى للمواطنين، بما يعكس حرص الدولة على عدم تأثير أى توترات إقليمية أو أزمات عالمية على استقرار الطاقة داخليًا.
 


العديد من الدول اتجهت إلى ترشيد استهلاك الطاقة، وتوسيع الاعتماد على البدائل، مثل الطاقة الجديدة والمتجددة، إلا أن تلك السياسات قد تترك آثارًا اقتصادية على المدى المتوسط؛ خصوصًا عندما تلجأ بعض الدول إلى إغلاق صناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، وهو ما ينعكس على تحولات فى سلاسل الإمداد العالمية.
 


وما حدث بعد الحرب «الروسية- الأوكرانية» مثال واضح على ذلك؛ حيث أدت قرارات تقليل الاعتماد على الطاقة الروسية إلى ارتفاع كبير فى تكاليف سلاسل القيمة، نتيجة إغلاق أو نقل بعض المصانع إلى دول أخرى، وهو ما استفادت منه اقتصادات مثل الصين والهند. هذه السياسات قد تحقق استقرارًا على المدى القصير، لكنها قد تؤدى إلى ضغوط تضخمية وتحديات اقتصادية لاحقة، نتيجة إعادة توزيع مراكز الإنتاج عالميًا.
 


 كيف ترى التحالفات الإقليمية فى مجال الطاقة؟
 


- الاتفاقيات الموقعة مع إسرائيل وقبرص، على سبيل المثال، فإن دور مصر مرشح للتعاظم خلال الفترة المقبلة، باعتبارها مركزًا إقليميًا مُهمًا للطاقة والصناعة والخدمات اللوجستية والموانئ وإعادة التصدير.
 


وهناك توسعات تمّت فى الأرصفة والموانئ والبنية التحتية خلال السنوات الأخيرة، تعزّز من قدرة مصر على استيعاب مزيد من الأنشطة اللوجستية والتجارية، وسيكون هناك توجه متزايد من جانب الدول والشركاء الدوليين لإنشاء صوامع ومنشآت تخزين داخل مصر للسلع الاستراتيجية والحبوب والأسمدة، فضلاً عن مشروعات تخزين الطاقة، بما يعكس الثقة فى موقع مصر ودَورها كمركز إقليمى محورى.
 


الموقع الجغرافى المتميز لمصر، فى قلب حركة التجارة بين أسواق الشرق والغرب، يمنحها ميزة تنافسية واضحة؛ خصوصًا فى ظل التحولات العالمية فى سلاسل الإمداد وسعى الدول إلى تنويع مسارات التخزين والتوزيع. ومصر يُنظر إليها كدولة مستقرة تحظى بعلاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية، بما فى ذلك الدول الأوروبية والأمريكية وعدد من الدول الإقليمية، وهو ما يعزّز من مكانتها ويجعلها بيئة جاذبة للاستثمارات والشراكات.
 


هذه المقومات تفتح المجال أمام زيادة تدفق رؤوس الأموال الأجنبية وتعزيز الاستثمارات فى قطاعات متنوعة، إلى جانب دعم قطاع السياحة، بما يسهم فى دفع معدلات النمو الاقتصادى خلال المرحلة المقبلة.
 

 


 


 ماذا عن ملف الهيدروجين الأخضر؟
 


- لست متحمسًا للهيدروجين الأخضر لأنه يستهلك طاقة كبيرة، وبالتالى أستهلك أكثر، الأولوية الآن يجب أن تكون لتعظيم الاستفادة من الطاقة المتجدّدة داخل الشبكة المحلية، قبل التفكير فى تصدير الطاقة فى صورة هيدروجين أخضر.
 


مصر ستظل مركزًا إقليميًا مُهمًا للطاقة الجديدة والمتجدّدة، سواء من حيث الإنتاج المحلى أو التوسع فى التصدير، والمرحلة المقبلة ستشهد تسريع مشروعات الربط الكهربائى مع أوروبا، فى ظل احتياج القارة الأوروبية إلى مصادر إضافية للطاقة الشمسية عبر مسارات مثل قبرص واليونان.
 


وملف التخزين أصبح عنصرًا جاذبًا للدول؛ حيث باتت هناك طلبات متزايدة على تأجير الخزانات الاستراتيجية داخل مصر لتخزين الطاقة والسلع. وتوقيع اتفاق طويل الأجل فى ملف الغاز مع إسرائيل يمتد حتى عام 2050 يضمن التزامات توريد مستقرة، بما يعزّز من أمن الإمدادات ويحد من إمكانية توجيه تلك الكميات إلى أسواق أخرى خلال فترة التعاقد.
 


هذه إصلاحات ساهمت فى جذب كبرى شركات التعدين العالمية إلى السوق المصرية، إلى جانب مستثمرين مصريين كبار. الطريق لا يزال طويلاً، لكنه بدأ بالفعل بخطوات جادة نحو تطوير القطاع وتعزيز دوره الاستراتيجى على المستوى الإقليمى.
 


 إلى أى مدى يمكن لمصر تحقيق استفادة أكبر من الدخول فى شراكات أو مشروعات مشتركة مع دول مثل ليبيا، سواء عبر الاستثمار فى عمليات التجميع أو الإنتاج، بما يضمن حصول مصر على حصة عادلة من البترول ويحقق نموذجًا للمنفعة المتبادلة للطرفين؟
 


- خلال فترة عملى فى هيئة البترول، تم طرح أفكار ودراسات منذ سنوات للتعاون مع الجانب الليبى فى مجال البترول، وتم بالفعل تأسيس شركة مشتركة بنسبة 50% لكل طرف، إلا أن المشروع واجه صعوبات نتيجة الظروف السياسية التى مرّت بها ليبيا بعد الثورة وسقوط النظام السابق، ما حال دون استكماله بالشكل المخطط له.
 


هذه الرؤية من حيث المبدأ ما زالت صحيحة وقابلة للتطبيق، ويمكن أن تحقق منفعة متبادلة للطرفين، إلا أن توقيت إعادة تفعيلها يرتبط باستقرار الأوضاع وإتاحة بيئة مناسبة للتعاون، وهو ما لا يمكن تحديده بشكل دقيق فى الوقت الحالى.
 


 لماذا لا تمتلك مصر ما يكفى احتياجاتها من البترول؟ 
 


- فى ظل وجود احتياطيات الغاز الطبيعى فى البحر المتوسط، والتوجه نحو التوسع فى أعمال البحث والاستكشاف فى البحر الأحمر، يتم النظر إلى إمكانية الاعتماد على تقنيات التكسير الهيدروليكى لاستخراج البترول من الصخور، عبر استهداف جيوب صغيرة متعددة لزيادة معدلات الإنتاج، رغم ما يتطلبه ذلك من تكاليف مرتفعة وما يرتبط به من اشتراطات وتوافقات بيئية دقيقة.
 


ومصر تمتلك القدرة على تأمين احتياجاتها من الطاقة خلال السنوات المقبلة، سواء عبر زيادة الإنتاج المحلى أو من خلال الاستيراد وتوسيع قدرات التخزين، والتحدى الحقيقى يتمثل فى خفض التكلفة وتحسين الوضع الاقتصادى للمواطن، وهو ما لن يتحقق إلا عبر زيادة الإنتاج، ودعم الصناعة، وتحقيق معدلات نمو مرتفعة ومستدامة.

 

 

هبة صادق: «الملا» قدم جهودًا استثنائية فى قطاع البترول


رحّبت الأستاذة هبة صادق، رئيس مجلس إدارة مؤسّسة روزاليوسف، بالمهندس طارق الملا، رئيس لجنة الطاقة والبيئة بمجلس النواب ووزير البترول والثروة المعدنية السابق، واصفة إياه بأنه «أحد أبرز مَن تولوا حقيبة البترول».
 


وأشادت بمَسيرة الوزير السابق خلال فترة توليه الوزارة، مُثمّنة القيادة الوطنية الحكيمة التى انتهجها، والتى تميزت بالهدوء والعمل الدؤوب فى أصعب المنعطفات التاريخية التى مرّت بها البلاد.
 


كما أبرزت بصماته الواضحة فى إدارة الأزمات، مُعتبرة أداءَه نموذجًا للعمل الصامت والمُثابر فى توقيتات حرجة، مؤكدة أنه كان مثالاً على تحمُّل المسئولية بشجاعة غير مسبوقة.
 


واختتمت «صادق» حديثها بالتأكيد على أن مصر تفخر بأبنائها المخلصين الذين تحمّلوا المسئولية فى أصعب الظروف؛ ليظل عطاؤهم محفورًا فى سجلات الوطن، ومَصدر فخر للأجيال القادمة

 


 

 

كمال عامر: إدارة «الاكتشافات»  فى عهد الملا وفرت مليارات الدولارات


أشاد الأستاذ كمال عامر، مدير تحرير روزاليوسف، بالحقبة التى تولى فيها المهندس طارق الملا مسئولية وزارة البترول والثروة المعدنية، مؤكدًا أنها شهدت «طفرة غير مسبوقة» وتحقيق مجموعة من الإنجازات الاستراتيجية التى دعمت الاقتصاد الوطنى وأمّنت احتياجات البلاد من الطاقة.
 


وأوضح «عامر» أن قطاع البترول نجح خلال تلك الفترة فى تنفيذ رؤية الدولة المصرية للتحول إلى مركز إقليمى لتجارة وتداول الغاز والنفط، مستندًا إلى بنية تحتية قوية واكتشافات عملاقة، مؤكدًا أنه بفضل الإدارة الرشيدة لملف الاكتشافات؛ وفّر مليارات الدولارات للخزانة العامة.
 


وأشار «عامر» إلى أن المهندس الملا أطلق برنامجًا طموحًا لتطوير القطاع، شمل تنمية الكوادر البشرية، والتحول الرقمى، وجذب الاستثمارات الأجنبية، مما جعل قطاع البترول أكثر القطاعات جذبًا للاستثمار فى مصر.

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

 

 

 

 

 

تم نسخ الرابط