فى أول حوار بعد توليه منصب الأمين العام للمجلس الأعلى للآثارلـ"روزاليوسف"
د.هشام الليثي : المتحف المصرى بالتحرير سيعود بقوة فى ثوبه الجديد
فى قلب مصر، حيث تتنفس الحضارة عبق التاريخ، تواصل الدولة جهودها للحفاظ على إرثها الأثرى وإعادة صياغته بأحدث المعايير العالمية. وفى أول تصريح له بعد توليه منصب الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، يكشف الدكتور هشام الليثى، لـ«روزاليوسف»، أسرار خطة تطوير المتاحف والمواقع الأثرية فى كل محافظات مصر، مشروعات الترميم الكبرى فى الأقصر، ورؤية المجلس لإعادة تقديم المتحف المصرى بالتحرير بصورة جديدة تُواكب عظمته التاريخية، وتعيد له بريقه الذى يستحقه.
وفيما يلى نص الحوار:.
بعد افتتاح المتحف المصرى الكبير ما خطة المجلس الأعلى للآثار نحو المتحف المصرى بالتحرير؟
- فى الحقيقة، بعد الافتتاح العظيم للمتحف المصرى الكبير وما شهده من اهتمام عالمى وإقبال ضخم من الزوار، قد يظن البعض أن المتحف المصرى بالتحرير سوف يتراجع أو يفقد أهميته، لكن هذا غير صحيح تمامًا. الدولة المصرية تولى المتحف المصرى بالتحرير اهتمامًا بالغًا، بداية من القيادة السياسية ورئاسة مجلس الوزراء وحتى وزارة السياحة والآثار.
هناك خطة متكاملة لتطويره وإعادة تقديمه للعالم بشكل جديد. ونتمنى أن يتم افتتاحه فى صورته الجديدة خلال العام المقبل، خاصة أن نوفمبر 2027 سيوافق مرور 125 عامًا على افتتاحه، حيث افتتح لأول مرة عام 1902.
وستكون هذه مناسبة مهمة جدًا إذا نجحنا فى الانتهاء من أعمال التطوير والبنية التحتية والسيناريو العرضى الجديد للمتحف، ليصبح هدية جديدة من مصر للعالم.
فى السابق، كان المتحف يضم ما يقرب من 250 ألف قطعة أثرية، لكننا نستهدف الآن عرض نحو 5 آلاف قطعة فقط، يتم اختيارها بعناية شديدة لتكون من أهم وأروع القطع الفنية المعبرة عن الحضارة المصرية القديمة.
كما أن المبنى نفسه يُعد قيمة تاريخية وأثرية كبيرة، فهو مسجل ضمن الآثار الإسلامية، وعمره يتجاوز 124 عامًا، وسيحتفل العام المقبل بمرور 125 عامًا على افتتاحه.
بعد افتتاح الطاقة الشمسية فى المتحف المصرى الكبير بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائى (UNDP)، ليكون نموذجًا عالميًا للمتاحف الخضراء. هل توجد نيه فى استخدام هذه الطاقة الشمسية فى المتاحف والمناطق الأثرية؟
- نحن بالفعل بدأنا خطوات جادة فى ملف التحول للطاقة النظيفة داخل المواقع الأثرية والمتاحف، لأن الاهتمام بالطاقة المتجددة لم يعد رفاهية، لكنه أصبح ضرورة تفرضها متطلبات الحفاظ على البيئة والتراث معًا. ولدينا نموذج مهم جدًا سيتم افتتاحه قريبًا بمنطقة الأهرامات يعتمد على الطاقة الشمسية، وده يعكس توجه الدولة نحو دمج الاستدامة فى المشروعات الأثرية والسياحية.
وفى هذا الإطار، شهد المتحف المصرى الكبير تدشين محطة للطاقة الشمسية بحضور السيد شريف فتحى وزير السياحة والآثار، وبمشاركة الجانب اليابانى وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائى، فى خطوة مهمة تضع المتحف على خريطة المؤسسات الثقافية الخضراء عالميًا، وتعزز من صورة المقصد السياحى المصرى باعتباره مقصدًا مستدامًا وصديقًا للبيئة.

ما أبرز أعمال التطوير والترميم الجارية حاليًا فى معابد الكرنك والأقصر بالبر الشرقى، ومعبدى حتشبسوت وسيتى الأول بالبر الغربي؟
- إن خطة التطوير الحالية تشمل معابد الكرنك والأقصر بالبر الشرقى، ومعبدى حتشبسوت وسيتى الأول بالبر الغربى مؤكدا أن جميع الأعمال تُنفذ وفق جدول زمنى محدد يضمن الانتهاء منها قبل بدء الموسم السياحى، بما يسهم فى تحسين التجربة السياحية وتقديم خدمات متكاملة تليق بمكانة مصر الحضارية.
كيف يوازن المجلس الأعلى للآثار بين الحفاظ على القيمة الأثرية للمواقع التاريخية وبين تطوير الخدمات المقدمة للسائحين؟
- إن أعمال الترميم ينفذها مرممون من قطاع الترميم والمشروعات بالمجلس الأعلى للآثار، باستخدام أحدث الأساليب العلمية والتقنيات الحديثة المتبعة عالميًا فى مجال ترميم الآثار، بما يضمن الحفاظ على القيمة الأثرية والمعمارية للمواقع التاريخية، مشيرًا إلى أن استراتيجية المجلس تعتمد على الجمع بين الحفاظ على الأثر وتطوير الخدمات المقدمة للزائرين.
حدثنا عن مشروع ترميم وإحياء معبد إسنا، وكيف ساهم التعاون مع البعثة المصرية الألمانية والقطاع الخاص فى إظهار الألوان الأصلية للنقوش بعد قرون طويلة؟
- معبد إسنا يُعد واحدًا من النماذج المتميزة فى أعمال الترميم الحديثة، حيث شهد مشروعًا ضخمًا لتنظيف وترميم النقوش والأسقف والجدران، بالشراكة مع القطاع الخاص وبالتعاون مع البعثة المصرية الألمانية، وهو ما أسفر عن إعادة اكتشاف وإظهار الألوان الأصلية للنقوش بصورة مبهرة بعد أن ظلت مغطاة بطبقات كثيفة من السناج والاتساخات لأكثر من 400 عام.
هل هناك خطة لتعميم تجربة ترميم معبد إسنا الناجحة على مواقع أثرية أخرى فى مصر؟
- إن المجلس الأعلى للآثار يعمل حاليًا على تعميم هذه التجربة الناجحة فى مواقع أثرية أخرى، بما يسهم فى الحفاظ على الهوية الحضارية المصرية وإبراز جماليات الفن المصرى القديم بصورة تليق بقيمته التاريخية.
وماذا عن تفاصيل مشروع تطوير منظومة التأمين والمراقبة الإلكترونية داخل معابد الكرنك، وكيف تسهم التكنولوجيا الحديثة فى حماية المناطق الأثرية؟
- بالفعل نقوم بتنفيذ مشروع متكامل لتحديث منظومة المراقبة الإلكترونية داخل معابد الكرنك، حيث تم بالفعل تركيب نحو 200 كاميرا مراقبة داخل المنطقة الأثرية كمرحلة أولى، مع الإعداد حاليًا لتنفيذ المرحلة الثانية التى تستهدف تأمين الأسوار المحيطة بالكامل بأحدث وسائل التأمين التكنولوجى، إلى جانب تحديث مبنى التحكم الخاص بمنظومة المراقبة.
كيف ستسهم أعمال تطوير معبد الأقصر، خاصة توسعة صالة الدخول وزيادة البوابات الإلكترونية، فى تحسين تجربة الزائرين وتقليل التكدس؟
- المجلس الأعلى للآثار ينفذ مشروعًا ضخمًا لتوسعة صالة الدخول الرئيسية بمعبد الأقصر، حيث ستصل مساحتها إلى نحو 250 مترًا مربعًا بدلًا من 110 أمتار فقط، بما يسمح باستيعاب أعداد أكبر من الزائرين وتقليل التكدس أمام بوابات الدخول.

ما أبرز الخدمات الجديدة التى سيشهدها معبد الأقصر بعد انتهاء مشروع التطوير؟
- إن المشروع يتضمن زيادة عدد بوابات الدخول من 6 بوابات إلى 12 بوابة إلكترونية، إلى جانب زيادة أجهزة الفحص بالأشعة السينية (X-Ray)، وتطوير منظومة التذاكر من خلال إضافة ماكينات جديدة تسهم فى تسهيل وسرعة دخول السائحين، بالإضافة إلى إنشاء مظلات انتظار كبيرة أمام شبابيك التذاكر لحماية الزائرين من أشعة الشمس، وتطوير المنطقة الأمامية والواجهة الخاصة بالمعبد بما يتماشى مع الطابع الأثرى للموقع.
وماذا عن خطة تطوير مركز الزوار بمعبد حتشبسوت؟
- المشروع يشمل تطوير ورفع كفاءة مركز الزوار بالكامل، وتزويده بأجهزة حديثة لفحص الحقائب، وإنشاء بوابات دخول إلكترونية مزودة بأنظمة تعقيم، بالإضافة إلى تخصيص مساحة تضم 11 بوابة تذاكر إلكترونية لتسهيل حركة الزائرين.
هذا بالاضافة إلى أن أعمال التطوير تتضمن إنشاء صالة عرض حديثة مزودة بمقاعد وشاشة تفاعلية لعرض تاريخ المعبد والمنطقة المحيطة به، إلى جانب تحديث أنظمة الصوتيات والمراقبة وإنذار الحريق، بما يسهم فى تقديم تجربة ثقافية وسياحية أكثر تطورًا للزائرين.
ما طبيعة أعمال الترميم الجارية داخل معبد سيتى الأول؟
- إن أعمال الترميم تشمل إزالة الاتساخات وطبقات السناج وتنظيف بقايا فضلات الطيور من الجدران والأسقف، بما يساعد على إظهار الألوان الأصلية للنقوش والزخارف بصورة أوضح وأكثر دقة.
مشروع ترميم الرامسيوم: بدأت أعمال ترميم وإعادة تأهيل معبد الرامسيوم بالتعاون مع جامعة كوريا الوطنية للتراث الثقافي.. ما أهمية هذا المشروع فى إعادة إحياء أحد أهم معابد رمسيس الثانى، وما أبرز أعمال الترميم الجارية حاليًا؟
- بدأنا أعمال مشروع ترميم وإعادة تأهيل معيد الرامسيوم، وذلك بالتعاون مع جامعة كوريا الوطنية للتراث الثقافى، بتكلفة 7.7 مليون دولار فى المرحلة الأولى لمدة 5 سنوات تنتهى فى 2027، كان المعبد مهدما تماما إلى حد كبير نتيجة للزلزال الذى ضرب مصر فى العام 27 قبل الميلاد، إلا أن أطلاله تدل على أنه كان معبدًا عظيمًا يظهر عظمة ومكانة رمسيس الثانى بين الملوك، ويحيط بالمعبد سور ضخم من الطوب اللبن وطول المعبد يصل إلى 180 مترا وعرضه 66 مترا، ويضم المعبد تصويرا لأحد أهم المعارك التى قادها الملك رمسيس الثانى وهى معركة قادش.
كان الهدف من المشروع هو فك وإعادة تركيب الصرح الأول، ومدة المشروع الأولية كانت 10 سنوات مقسمة على مرحلتين كل مرحلة 5 سنوات، بدأت المرحلة الأولى عام 2022 تنتهى عام 2027.
شهدت الأقصر افتتاح المقبرتين الأثريتين TT416 وTT417 بعد سنوات من أعمال الحفائر والترميم الدقيقة.. ما الأهمية الأثرية والتاريخية لهاتين المقبرتين، وما الذى تضيفه لخريطة السياحة الثقافية بالبر الغربي؟
- تمثل المقبرتان TT416 وTT417 إضافة مهمة لمقابر طيبة بالبر الغربى، حيث تعودان إلى عصر الدولة الحديثة، وتحديدًا منتصف الأسرة الثامنة عشرة، وتتميزان بمناظر ونقوش فريدة توثق تفاصيل الحياة اليومية والطقوس الجنائزية للمصرى القديم، وعلى رأسها طقس «فتح الفم»، وقد خضعت المقبرتان لأعمال حفائر وترميم دقيقة بدأت منذ عام 2020، شملت إزالة كميات كبيرة من الرديم، ومعالجة الجدران والأسقف، وتنظيف الألوان الأصلية، إلى جانب تجهيز الموقع بأنظمة إضاءة وتأمين حديثة تضمن الحفاظ على الأثر وتحسين تجربة الزائر.
كيف ترى الوزارة دور القطاع الخاص فى إدارة وتشغيل المواقع الأثرية؟
- أن الشراكة مع القطاع الخاص أصبحت عنصرًا مهمًا فى دعم إدارة وتشغيل المواقع الأثرية بصورة أكثر كفاءة، بما يسهم فى تحسين تجربة السائح وفى الوقت نفسه الحفاظ على التراث، وهذا يقوم بإشراك المجتمعات المحلية المحيطة بالمواقع الأثرية فى عملية التنمية السياحية، من خلال خلق فرص اقتصادية وتنموية لأهالى هذه المناطق، بما يعزز من استفادتهم المباشرة من النشاط السياحي.

كيف يمكن إعادة تنظيم الأسواق والأنشطة التجارية المحيطة بالمواقع الأثرية بصورة أكثر احترافية؟
- بالتأكيد تكرار المنتجات المعروضة يفقد التجربة السياحية جزءًا كبيرًا من تميزها، لذلك لا بد من ضرورة إعادة تنظيم الأسواق والأنشطة التجارية المحيطة بالمواقع الأثرية، موضحًا أن بينما يسهم التنوع والتخصص فى تقديم تجربة أكثر احترافية وجاذبية للزائرين.
بعد النجاح الكبير لمعرضى «رمسيس وذهب الفراعنة» فى لندن و«كنوز الفراعنة» فى روما.. كيف ترون دور هذه المعارض فى تعزيز القوة الناعمة المصرية عالميًا؟
- شهدت معارض الآثار المصرية بالخارج إقبالًا كبيرًا منذ افتتاحها؛ إذ استقبل معرض «رمسيس وذهب الفراعنة» فى لندن نحو 68 ألف زائر منذ فبراير الماضى، فيما استقطب معرض «كنوز الفراعنة» فى روما قرابة 322 ألف زائر منذ أكتوبر، بينما جذب معرض «مصر القديمة تكشف عن أسرارها: كنوز من المتاحف المصرية» فى هونج كونج نحو 345 ألف زائر منذ نوفمبر، وهو ما يعكس تنامى الاهتمام العالمى بالحضارة المصرية.
لذلك قمنا بمدّ جولة معرض «كنوز الفراعنة» لتشمل عددًا من المتاحف فى الولايات المتحدة، إلى جانب تنظيم معرض جديد عن كنوز مصر الغارقة تحت الماء خلال العام المقبل فى متحف فيليد فى شيكاغو، فضلا عن أنه ولأول مرة سوف يكون هناك معرض بورتريهات الفيوم فى إيطاليا.
فى نهاية حوارنا.. أخيرا ما وجه الاستفادة من التحول الرقمى والذكاء الاصطناعى فى مجال الآثار؟
- التحول الرقمى والذكاء الاصطناعى أصبحا من الأدوات المهمة فى دعم العمل الأثرى، سواء فى التوثيق أو الترميم أو إدارة المواقع والمتاحف. نحن نعمل على تحويل الأرشيف إلى رقمى وانتهينا من 60 % من الأرشيف العلمى وعدد كبير من السجلات والقطع الأثرية، بما يسهم فى الحفاظ على البيانات وتسهيل وصول الباحثين والمتخصصين إليها.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



