الجمعة 10 يوليو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

كنت أرى حماسا لا حدود له في عينيها ... تتحدث عن الأمر وكأنها سنتجزه في سويعات قليلة.. تتسارع بداخلها أفكار كثيرة وخطة واضحة كالشمس وطاقة توحي بأنها ستبدأ على الفور.. كنت اسألها بهدوء: "متى موعد التسليم؟" لتجيب بثقة: "لا يزال أمامي وقت".. ابتسمت، وقلت لها محذرة: "انتبهي.. هذا فخ.. فخ التسويف.

 

حاولت تنبيهها بأن تدرك مبكرًا ما قد يحدث، وأن تبدأ بخطوة صغيرة على الأقل حتى تنجز المهمة على أكمل وجه وفي الوقت المناسب، لكنها مثل كثيرين، أقنعت نفسها بأن الوقت ما زال طويلًا .. ومرت الأيام، ثم جاء ذلك الشعور المتعارف عليه، توتر مفاجئ، وضغط تزداد وتيرته، ووقت يضيق بسرعة غير مفهومة، ومحاولة لإنجاز كل شيء في اللحظة الأخيرة .. حينها فقط تذكرت تحذيري .. لكن الحقيقة أنها ليست وحدها، ربما أنا أيضًا وقعت في هذا الفخ من قبل وربما أنت وربما غيرنا كثيرون.

 

السؤال هنا لا ينبغي أن يكون لماذا نؤجل؟ بل لماذا نقع في الفخ نفسه رغم أننا نراه بكل وضوح؟ رغم أننا نحذر غيرنا منه، بل ونحاول أيضاً أن نحمي أنفسنا؟ .. لماذا نقنع أنفسنا في كل مرة بأن "الوقت لا يزال متاحًا"، ثم نستيقظ فجأة على ضغط اللحظة الأخيرة؟

 

الأمر لا يتعلق بالكسل كما نعتقد.. ولا بسوء تنظيم الوقت، لكن القصة أعمق من ذلك بكثير.

 

إذا كان من السهل أن نرجع التسويف إلى الكسل، فإن علم النفس يقدم تفسيرًا مختلفًا تمامًا، فالتسويف، كما يعرفه علم النفس، ليس عجزًا عن العمل بقدر ما هو محاولة للهروب من مشاعر غير مريحة، حين نواجه مهمة ثقيلة، أو معقدة، أو حتى مملة، لا يكون رد الفعل الحقيقي هو عدم الرغبة في الإنجاز، بل الرغبة في تنجنب ما تثيره هذه المهمة من قلق أو ضغط أو خوف من الفشل ..هنا يلجأ العقل إلى حل سريع، ألا وهو التأجيل.

 

وفي هذا السياق، يرتبط التسويف بكيفية تعامل الإنسان مع مشاعره، فبدلًا من مواجهة الشعور غير المريح، يختار الفرد الهروب إلى أنشطة تمنحه راحة فورية، مثل تصفح الهاتف أو مواقع التواصل الاجتماعي، وهنا تلعب كيمياء الدماغ دورًا مهمًا، فكل إشعار، أو مقطع فيديو، أو تفاعل على الهاتف، يحفز إفراز الدوبامين أو هرمون السعادة المرتبط بالشعور بالمكافأة، ومع تكرار هذا النمط، يصبح الدماغ أكثر ميلًا لاختيار المتعة السريعة، بدلًا من بذل جهد في مهمة نتائجها قد تكون مؤجلة.
 

ويدعم هذا التفسير عدد من الدراسات الحديثة؛ إذ تشير أبحاث علم النفس إلى أن التسويف يرتبط بشكل وثيق بالاندفاعية وتنظيم المشاعر، وليس فقط بإدارة الوقت، كما أكدت دراسات أخرى إلى أن الأفراد الذين يعانون من صعوبة في التعامل مع مشاعر القلق أو الضغط، هم أكثر عرضة للتسويف، في حين تشير أبحاث أحدث إلى أن الاستخدام المفرط للهواتف الذكية يعزز هذا النمط، من خلال تقديم بدائل سهلة وسريعة للهروب من المهام المطلوبة.

 

قد يبدو للوهلة الأولى أن الأشخاص الذين يقعون في فخ التسويف لديهم نمط شخصة واحد، لكن الواقع ليس كما يبدو ذلك، فالتسويف لا يرتبط بنمط واحد من الشخصيات، بقدر ما يرتبط بمجموعة من السمات النفسية التي قد تجتمع بدرجات متفاوتة، أول هذه السمات هو الحساسية تجاه المشاعر السلبية؛ فالشخص الذي يجد صعوبة في تحمل القلق أو الضغط، يميل إلى تجنب المهام التي تثير هذه المشاعر، حتى وإن كانت ضرورية.

 

كما تلعب الاندفاعية دورًا مهمًا، حيث يفضل البعض الشعور بالراحة الفورية على حساب الإنجاز المؤجل، فينصرف بكل سهولة إلى ما يمنحه متعة سريعة، ويؤجل ما يتطلب جهدًا وتركيزًا، ومن المفارقات أيضًا أن المثالية تعد من أبرز العوامل المرتبطة بالتسويف، فالشخص الذي يضع معايير عالية جدًا لنفسه، قد يتردد في البدء خوفًا من ألا يقدم عملًا متكاملًا، فيؤجل المهمة بدلًا من المخاطرة بنتيجة قد لا ترضيه.

 

إلى جانب ذلك، يظهر التسويف بشكل أوضح لأولئك الذين يربطون تقديرهم لذواتهم بالإنجاز، فهؤلاء لا يخافون من تأجيل المهمة، بقدر ما يخشون ما قد تعكسه نتائجها على صورتهم الذاتية، مما يدفعهم إلى تجنبها ولو بشكل مؤقت.

 

كذلك يواجه بعض الأشخاص صعوبة في التعامل مع المهام الكبيرة أو غير الواضحة، إذ يشعرون بفقدان السيطرة أمامها، فيلجأون إلى التأجيل كوسيلة للهروب من هذا الشعور.

 

وأخيرًا، هناك من ينتظر المزاج المناسب أو الدافع الداخلي للبدء، وكأن الإنجاز مرهون بالحالة النفسية، لا بالفعل نفسه، ومع تأخر هذا الدافع، يتأخر معه كل شيء.

 

في النهاية، لا يمكن اختزال التسويف في صفة واحدة، لكنه غالبًا ما يكون انعكاسًا لطريقة تعامل الإنسان مع مشاعره، ومع توقعاته، أكثر مما هو مجرد عادة سيئة أو كسل عابر.

 

في المرة التالية التي رأيتها فيها تحاول إنجاز ما تأجل، لم أعد أكتفي بالتحذير من "الفخ"، بل فكرت أن السؤال الأهم ليس كيف نحذر منه، بل كيف نتجنبه أصلًا.

 

الحقيقة أن التخلص من التسويف لا يبدأ بجلد الذات أو توجيه اللوم لها، ولا بقرارات حاسمة من نوع "لن أؤجل مرة أخرى"، لأن المشكلة أعمق من ذلك، بل يبدأ بفهم بسيط، وهو أننا لا نهرب من المهام، بل نهرب من الشعور الذي يصاحبها.

 

من هنا يصبح الحل أقرب مما نتصور، أن نبدأ بخطوة صغيرة جدًا، وهي أن نقسم المهمة إلى أجزاء صغيرة يمكن التعامل معها، وأن نتقبّل أن الإنجاز لا يشترط المثالية أو الكمال، وأن نعي جيدًا أن انتظار "المزاج المناسب" قد يكون مجرد شكل آخر من أشكال التأجيل.

 

كما يمكننا أن نعيد ترتيب علاقتنا بالهاتف، ليس بمنعه تمامًا، بل بتقليل حضوره في لحظات العمل، حتى لا يظل الباب مفتوحًا للهروب والتأجيل، والأهم من ذلك كله، أن نتعامل مع أنفسنا بقدر من التفهم، لا القسوة، لأن الضغط الزائد لا يدفعنا للعمل، بل يدفعنا غالبًا إلى مزيد من الهروب.

 

ربما لن ننجح في تجنب "الفخ" في كل مرة، لكننا بالتأكيد نستطيع أن نقلل من مرات الوقوع فيه، وحينها لن نحتاج أن نقول: "لقد وقعنا في الفخ".. بل ربما نقول بثقة أكبر: "هذه المرة، انتبهنا قبل أن نسقط".

 

تم نسخ الرابط