رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

في مساء مبهج بأكاديمية الفنون شاهدت حفل إطلاق مسرح المايكروتياتر الثلاثاء، الثالث والعشرين من يونيو 2026.

وكانت منذ سنوات مضت قد وضعت أ. د. نبيلة حسن في يدي كتابها المايكروتياتر الذي تحدثت فيه عن هذا النوع المسرحي الذي نشأ في مدريد وانتشر في عدد من دول أوروبا وأمريكا اللاتينية.

ففي عام 2009 ظهر المصطلح على يد المخرج المسرحي والتليفزيوني مايكل ألكانتود بمسرحيته "من أجل المال".

 

ومرت السنون ولا تزال فكرتها عن إمكانية تقديم هذا النوع المسرحي في مصر حاضرة في ذهنها، إلى أن تمكنت وهي رئيس أكاديمية الفنون من تحويل مبنى داخل الأكاديمية مسرح الميكروتياتر.

 

وبحضور ماجدالينا كروث المستشار الثقافي للسفارة الإسبانية بالقاهرة تم إطلاق المسرح، وليس مجرد مهرجان أو مجموعة عروض قصيرة، لقد أضافت د. نبيلة حسن إلى مسارح وقاعات عرض أكاديمية الفنون مبنى ومسرحاً جديداً، لا مثيل له في اختلافه عن كل المسارح والمباني المسرحية المصرية، وذلك لاختلاف النوع المسرحي الذي يقدم فيه.

 

فالمبنى الذي كان معزولاً كمبنى إداري إضافي لمدرسة التكنولوجيا بالأكاديمية، بدا في إعادة صياغته وإعداده وكأنه قد صمم هندسياً لهذا النوع المسرحي، ممر طويل يفضي على قاعة واسعة وبه عدد من الغرف، وفي هذه الغرف يتم تقديم المسرحيات القصيرة.

 

وفي كلمتها قالت د. نبيلة حسن إن هذا النوع المسرحي يقوم على قاعدة 15 × 15 بمعنى خمسة عشر متراً في المساحة وربع الساعة مدة العرض، وكذلك لا يزيد عدد المتفرجين على خمسة عشر متفرجاً.

وفي محاولة لظهور هذا النوع المسرحي كنت قد كتبت مع صدور الكتاب عنه بمجلة روز اليوسف في 26 يناير 2019، محاولاً إدماجه وتفسيره في سياق ظاهرة تبسيط الفنون الجماهيرية المركبة كي يمكن استخدامها عبر الأفراد، هذا ما حدث في مجال الغناء والتصوير السينمائي ويحدث الآن في المسرح، ليصبح في متناول الأفراد تقديم فنونهم بأيديهم دون الحاجة إلى إنتاج كبير.

وتبقى مثل تلك التبسيطات كمحاولة للإفلات من سطوة المال وقدرته على التحكم في إبداع الفنون التعبيرية المركبة، كي يحصل المبدع على حرية تماثل حرية الكتابة على الورق الأبيض.

 

تبدو تلك التبسيطات حرة ومناسبة للجدد والشباب والهواة والطلاب المتدربين أو عشاق المهنة الذين يمارسونها كما يتنفس الإنسان، لكنها تبقى كوسيلة لمقدرة الهامش على التعبير عن نفسه.

 

ولا يصبح الهامش يحمل قدرته على الدهشة ويجعل حضوره مؤثراً بالتأكيد إلا بوجود تلك الفنون التعبيرية كصناعات إبداعية كبرى ومحترفة.

 

ولذلك وبالتأكيد ليس الميكروتياتر أو المسرح المصغر بديلاً عن مسرح الغرفة أو مسرح المائة كرسي أو المسرح الكبير بكل مساحاته وتنوع عدد مقاعده.

 

ولكن بالتأكيد هو مساحة عمل متاحة بالإمكانيات الزهيدة جداً تتيح للممثل والمخرج والفنان المسرحي الاعتماد على ذاته والقدرة على قديم عروضه في مقهى من المقاهي الجديدة التي تقسم نفسها إلى غرف، في مكان متاح لمبنى قديم، لمساحة فارغة من الأرض الفضاء، ورغم أن التجربة تبدو غير واقعية للوهلة الأولى إلا أن تحولها إلى مسرح يشير إلى مبناها ومعناها في أكاديمية الفنون لهو بداية ملموسة لإمكانية تحققها على أرض الواقع.

 

ويبدو حقاً تفكير د. نبيلة حسن وتفكير الأكاديمية في مبادرة الثقافة حياة، التي ذهبت بالفنون للشارع، هو تفكير يتبنى فكرة الإتاحة الحرة للموهوبين الجدد للتواصل مع الجمهور، وهي محاولة لاستعادة فضاء الشارع كمساحة حرة للفن والبهجة.

 

تفكر د. نبيلة حسن من وسط جيل جديد وطلاب وموهوبين كُثرٌ، وحقاً وصدقاً تقدم لنا مصر الملايين من الموهوبين وعددهم الكبير ورغبتهم العارمة في التعبير عن أنفسهم هي ما تشغل الفراغ الكبير الذي تركه تراجع إنتاج الفنون التعبيرية المحترفة.

 

ولكن يصبح السؤال المنطقي: هل يمكننا حقاً إطلاق التجربة للجمهور العام كي يخرج المسرح الصغير أو الميكروتياتر إلى الشارع؟

لاحظت بعد سؤال بالغ الذكاء من أ. د. حمدي الجابري أستاذ الدراما ليلتها:

هل يأتي الجمهور العام؟ أن هناك بابا خارجيا يفتح على الشارع بجوار مبنى مسرح المايكروتياتر، سألني السؤال وأشار بيده نحو الباب.

كان الباب مغلقاً والأمن منتبهاً للدخول والخروج، وقد حرصت على أن أخرج من هذا الباب فوجدت نفسي في ضجة الشارع وقلت كم هي المسافة بين المبادرة الحلم والجمهور العام، وقدرة المجتمع على تبنيها وتفهمها والاستفادة منها.

 

تذكرت فنون الشارع المصري التي كانت بالفعل مهن حرة يعيش منها أربابها مثل خيال الظل والأراجوز والسامر، بل وتذكرت النهضة المصرية المسرحية التي صنعها أهل مصر عبر المجتمع المصري المدني عندما قدموا المسرحيات والغناء في المقاهي والكازينوهات، وعندما أنشأ هؤلاء تلك المسارح الأنيقة في الأحياء، تلك المسارح صغيرة الحجم بالغة الجمال مثل مسرح الريحاني بشارع عماد الدين.

 

قلت في نفسي لعل هذا الاختيار تحركه مبادرة رسمية من طرح الفن في الشارع ومن تأسيس مسرح بسيط الإنتاج والكلفة المالية، لكنها حقاً مبادرة تنتظر القدرة على تحفيز المجتمع الأهلي لتكرارها وتنفيذها.

 

في تقديري أن الميكروتياتر إشارة جديدة للمواهب الكبرى في فن التميل والمسرح، ولذلك أدعو مسرح المايكروتياتر لفتح الباب المجاور على الشارع المصري لدخول الجمهور العام، لكنها وبالتدريج ستخرج معه إلى الشارع وستحفز المجتمع على صنع مثل تلك المبادرات.

 

شاهدت أعمالاً مسرحية مبدعة لجيل مبدع ذكي مغامر، هي المسرحيات المصغرة أزمة شرف لمحمد السوري ومن فضلك لتغريد حسن والسؤال الأخير لشادي عليوة وفوبيا المستقل لعلاء حسني الذي يعمل مديراً لمسرح الميكروتياتر، والذي أدعوه لتفح الباب على الشارع والخروج بالمسرحيات للفضاء العام المشابه، وتصويرها بعد انتهاء عرضها وموسمها الأول وإتاحتها على موقع أو منصة محترفة كي يراها الجمهور العام، وكي يتصل الهامش بالمشهد المحترف حرصاً على قدرة الهامش في الدفع بنجوم زاهرة نحو المتن الاحترافي، كي يصبح الهامش حياً ومبرراً ومنطقة إنارة للمواهب الكبرى التي شاهدتها، وكي يستفيد المتن من حيوية تجديد ذاته حتى لا يقع في فخ التكرار.

 

كي نصنع نجوماً جديدة، وكي نستعيد الاحتراف والبدايات جنباً إلى جنب في الفنون التعبيرية المصرية.

تم نسخ الرابط