كل من يحب هذا الوطن يشعر بسعادة غامرة عندما يشاهد عملًا من الأعمال العظيمة على أرض الواقع، تملكنى شعور عميق بالفخر والاعتزاز حين رأيت إنجازًا يضاف إلى سجل الجمهورية الجديدة التى تؤكد أن مصر لا تزال قادرة على صنع المستقبل.
نقرأ عبر التاريخ الممتد لقرون طويلة، أن مصر وجيشها العظيم يعى جيدًا أن القوة تأتى مع الصبر والاجتهاد، وأن العقل يسيطر على هذه القوة، فلا تظهر فى غير موضعها للحفاظ على الأرض والعرض.
لذلك لم يكن افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية الجديدة مجرد تدشين لمنشأة عسكرية، بل كان إعلانًا عن اكتمال فصل مهم فى مشروع بناء الدولة المصرية القوية الحديثة، هذا المشروع الذى بدأ فى 2014 على أسس تقوم على إعادة بناء البنية التحتية للدولة بالتوازى مع إعادة بناء قدرتها الشاملة فى كل القطاعات والوزارات، وفى القلب منها قدرتها العسكرية، وهذا هو المعنى الحقيقى لحديث النبى صلى الله عليه وسلم: «إذا فتح الله عليكم مصر فاتخذوا فيها جندًا كثيفًا، فإنهم خير أجناد الأرض»، حديث سيظل حاضرًا فى الوجدان المصري، لا باعتباره مدعاة للفخر فحسب، وإنما تذكيرًا بمسئولية تاريخية حملها الجندى المصرى عبر العصور، دفاعًا عن وطنه، وحمايةً لأرضه وعرضه.
من ينظر إلى «الأوكتاجون» باعتباره مبنى إداريًا ضخمًا، يفوته إدراك الجوهر الحقيقى لرؤية مصر المستقبل، فالدول الكبرى لا تقيس قوتها بعدد المبانى وإنما بكفاءة منظومات القيادة والسيطرة، وسرعة اتخاذ القرار والقدرة على إدارة جميع أفرع القوات المسلحة من مركز واحد، وفق أحدث النظم التكنولوجية المتطورة فى العالم، لذلك جاء «الأوكتاجون» الممتد على مساحة تقارب اثنين وعشرين ألف فدان، يجسد فلسفة عسكرية حديثة ترى أن الحروب لم تعد تُدار بالسلاح وحده، بل بالمعلومة والاتصال والقرار والتنسيق، والتكنولوجيا.
هذا المشروع رغم حجمه الاستثنائي، ظل يُبنى بعيدًا عن الأضواء لسنوات، وهنا تتجلى أحد أهم سمات الدولة المصرية خلال العقد الأخير وهى العمل فى صمت، فى الوقت الذى كانت فيه الأنظار تتجه إلى شبكة الطرق، والمدن الجديدة ومشروعات التنمية والزراعة، كانت هناك مشروعات سيادية أخرى تُنجز دون ضجيج لأن طبيعتها تفرض ذلك، ولأن الدول لا تكشف أوراق قوتها إلا عندما تكتمل.
والجدل الذى أثير قبل سنوات حول ما عُرف إعلاميًا بـ«قائد خط الجمبري» يقدم مثالًا واضحًا على ذلك، فقد انشغل كثيرون آنذاك بالسخرية أو الجدل السياسي، بينما كانت هناك فرق أخرى من الضباط والمهندسين والخبراء والعلماء وقادة الأجهزة السيادية تعمل ليلًا ونهارًا لإنجاز مشروع سيصبح لاحقًا أحد أكبر مراكز القيادة والسيطرة العسكرية فى العالم وبالطبع كانت المتابعة الدقيقة من القيادة السياسية.
ليس غريبًا على جيش ارتبط ميلاده بميلاد الدولة نفسها، فمنذ أن وحّد الملك مينا أرض مصر مرورًا بملوك مصر العظام على مر التاريخ لم يكن الجيش مجرد مؤسسة قتالية، بل كان أحد أهم أعمدة بناء الدولة.
وعلى امتداد التاريخ ظل انتقال المسئولية من جيل إلى جيل هو سر بقاء الدولة المصرية، وهى الفكرة التى عبّر عنها الفيلم التسجيلى المصاحب للافتتاح، عندما استعرض مسيرة الجمهورية الأولى من الرئيس محمد نجيب إلى جمال عبدالناصر، ثم الرئيس أنور السادات، فالرئيس حسنى مبارك، وصولًا إلى الرئيس عبدالفتاح السيسي، فى تأكيد على أن الدولة باقية، وأن مؤسساتها هى الضامن الحقيقى لاستمرارها.
المنطقة العربية والشرق الأوسط مرا خلال السنوات الأخيرة بتحولات عاصفة، سقطت دول واهتزت جيوش، وتبدلت خرائط النفوذ، وفى خضم هذا المشهد المضطرب، حافظت مصر على تماسكها، ليس لأن الأخطار لم تكن موجودة، بل لأنها اختارت أن تستثمر فى بناء القوة قبل أن تُفرض عليها المواجهة.
القوة فى المفهوم الحديث ليست دعوة إلى الحرب، بل هى الضمانة الأولى للسلام وكلما ازدادت قدرة الدولة على الردع، تراجعت احتمالات الصدام لأن احترام الدول يبدأ من احترام قدرتها على حماية مصالحها والدفاع عن أمنها القومي.
مركز «الأوكتاجون» ليس مجرد مبنى، ولا مجرد مشروع هندسى ضخم، هو عنوان لمرحلة كاملة من تاريخ الدولة المصرية.. مرحلة آمنت بأن بناء الإنسان لا ينفصل عن بناء المؤسسة، وأن التنمية لا تستقيم بلا أمن، وأن السلام لا يحميه إلا وطن يمتلك القوة، ويعرف متى يستخدمها، ومتى يكتفى بأن تكون حاضرة فى خلفية المشهد، لتقول للعالم إن لهذه الأرض جيشًا يحمى الحدود وشرطة تحمى الأمن الداخلى للبلاد، ومؤسسات قادرة على مواجهة التحديات، وللوطن إرادة لا تعرف الانكسار..
تحيا مصر.
نقلًا عن جريدة روزاليوسف



