بنت «روزا» سماح زيدان تروى من المونديال:
حكايات وراء الكاميرا
فى قلب المونديال، لم تكن ابنة «روزاليوسف» سماح زيدان مجرد مصورة صحفية؛ بل كانت «عين مصر» التى التقطت أدق تفاصيل البطولة ببراعة فائقة، لتحفر اسمها بحروف من نور فى ذاكرة التاريخ الرياضى؛ حيث استطاعت بعدستها نقل نبض الملاعب إلى العالم، وجعلت من اللحظات العابرة أيقونات بصرية، بأسلوبها الفريد وإرادتها التى لا تلين، فضلًا عن أنها لم تكتفِ بتوثيق المباريات؛ بل جسدت روح التحدى وعظمة الإبداع، لتصبح نموذجًا ملهمًا لكل طموح يسعى للعالمية، ناهيك عن أنها قصة نجاح تتجاوز حدود الكاميرا؛ حيث جعلت العالم يرى جمال المونديال بعيونها.
سماح زيدان تحدثت لـ «روزاليوسف»، عن بداية مشوارها وكيف حولت الأزمات لقصص نجاح ملهمة، إذ تقول:«كنت فى الثالثة عشرة وأنا بامتحانات الإعدادية عام 2006، وقد اشتريت وقتها مُلصقًا يحمل صورة منتخب مصر لتزيين الغرفة البسيطة التى بها كُرسى وترابيزة للمُذاكرة، فقد كنت أسهر حتى الصباح أذاكر وكان النظر لصورة منتخب مصر هى أكبر حافز لى؛ خصوصًا بعد الإنجاز التاريخى الذى حققناه باقتناص أمم إفريقيا.. فلم أكن أفهم فنيات الكرة، لكننى كنت أقفز فرحًا مع كل هجمة وكل هدف لمنتخبنا، حتى كبرت وكبرت داخلى تلك الحالة تجاه المنتخب؛ حيث ترتبط صورتهم فى ذهنى بالإنجازات التاريخية، وكان ذلك يلهمنى كثيرًا، رغم أننى لم أكن من عشاق الساحرة المستديرة؛ بل كنت أتابع منتخبنا فقط».
صورة المنتخب.. حافز طفلة على الحلم والإنجاز
وأضافت: «إلى وقتنا هذا لم يختفِ شعور تلك الطفلة بهذه الأيام، ربما لوجود جدتى فيها وصوتها الحنون حيث كانت تستيقظ ليلًا من حين لآخر قائلة: «كفاية مذاكرة عينك اتمققت فى الكتب.. قومى نامى وكمّلى بكرة».. فكنت أنظر للصورة التى كانت تملؤنى بالحماس والشغف والرغبة فى الإنجاز وأرفض طلبها وأكمل ما حددته لنفسى من أجزاء يجب إنهاؤها».
وتابعت:«تخرجت فى جامعة عين شمس عام 2013 وانطلقت رحلتى فى بلاط صاحبة الجلالة دون وسائط، حاولت اقتناص الفرصة لنفسى وبنفسى، لا أملك سوى الاجتهاد والحِلم والثقة فى الله وترتيبات قدره وحسن الظن به.. لم يجذبنى أثناء دراستى بالجامعة سوى اسم «روزاليوسف» فى إحدى المحاضرات التى كانت محتواها عن المؤسّسات الصحفية المصرية فصرت أبحث وأقرأ عنها وأتمنى العمل بهذا المكان.. وتحقق حلمى وصرت فردًا من عائلة روزاليوسف».
من قاعات المحاضرات بالجامعة إلى عائلة «روزاليوسف»
واستطردت:«مشاركتى بالمونديال هذا العام كمصورة صحفية لم تكن وليدة تلك اللحظة؛ بل أتت نتاجًا لمحاولات وتراكمات من العمل المتواصل باجتهاد والتواجد الدائم فى الشارع، ومع انتشار صحافة الفيديو وقتها كنت شغوفة بها بفكرة الصحفى الشامل كما درستها بالجامعة فى الكثير من المحاضرات للدكتورة دينا يحيى رحمة الله عليها والدكتورة رشا قمحاوى التى كانت دائمًا ما تؤكد على نفس الفكرة بأشكال عديدة».
واستكملت: «بدأت الانطلاق فى شتى ربوع المحروسة بعين تعشق ترابها وترصد كفاح أهلها الطيبين، وكانت النتيجة حصولى على أول جائزة تم استحداثها بنقابة الصحفيين فى فرع صحافة الڤيديو وبموجبها تم الاعتراف بهذا اللون الصحفى».
وأضافت زيدان: «بدأت التغطيات الرياضية بالدورى المصرى عام 2019 وكانت مصر تستضيف بطولة أمم إفريقيا فى العام نفسه، فسارعت للحصول على تصريح التواجد بالبطولة من الاتحاد الإفريقى لكرة القدم CAF، ولم أكن أملك معدات التصوير التى تساعدنى فى تغطية هذا الحدث المهم بشكل سليم، لكنى حاولت تدبير الأموال قبلها لشراء أهم عدسة تمكننى بشكل مقبول من محاولة التقاط صور جيدة.. فكانت أهم ما اقتنيت هى العدسة إل 70/200 وأسميتها حياة.. وكانت الكاميرا اسمها الثابت روزا .. فهذه ليست مجرد آلات أو معدات للتصوير بالنسبة لى».
وأوضحت: «بدأت تلك الطفلة المتعلقة بصورة المنتخب على الحائط عام 2006 فى الحضور والتخطيط معى لتغطية البطولة وقررت أن أترك بصمة مختلفة فى التغطية.. فكنت أرصد أغرب الاحتفالات وطقوس المشجعين وأحاورهم لأتعرف على طقوسهم فى التشجع وأرصد الألوان المختلفة للبشر وملابسهم وطريقتهم فى التعبير».
ووفقًا لسماح: «فى يناير عام 2022 ومع أواخر أيام الكورونا حصلت على اعتماد الاتحاد الدولى لكرة القدم FIFA لتغطية كأس العالم للأندية فحزمت حقائبى وذهبت بما أملك من أموال قمت بادخارها وقررت الانتقال من الإطار المحلى للتواجد بالأحداث العالمية، وتوالت التغطيات للأحداث الدولية حتى وصلت إلى كأس العالم فى نسخته الحالية».
رحلة الحصول على موافقة لتغطية كأس العالم.. وتوفير تكاليف السفر
وأكدت: «حصولى على اعتماد كأس العالم كان صعبًا للغاية بسبب العدد القليل للأكواد ووجود عدد كبير من الزملاء يرغب فى الذهاب للتغطية.. ورغم الصعوبة والتكلفة الكبيرة، قررت المحاولة وتمسكت بالأمل وقررت مراسلة وكالة الأناضول للحصول على جواب وإرساله للفيفا للحصول على التصريح ولكن لم يأتِ الرد».
وتابعت: «تواصلت مع الأستاذ مجدى إبراهيم رئيس شعبة المصورين الصحفيين وطلبت منه وضعى على قائمة الانتظار إذا اعتذر أحد الزملاء ، وكنت قد راسلت الزميل أحمد إسماعيل أحد مديرى الاتصالات الإعلامية باتحاد الكرة، وجاءنى الرد قبل مباراة مصر الأولى بثلاثة أيام، فوعدنى بالمحاولة».
وقالت زيدان: «قمت بالتقديم على التصريح على موقع الفيفا ثم أتتنى الموافقة فى اليوم التالى ثم قررت حجز الطيران فورًا، وطلبت بطاقة الائتمان الخاصة بأصدقائى ولم تكن تلك المرة الأولى لى فى استخدام هذه البطاقة وسدادها بشكل دورى فكنت أستخدمها فى شراء معدات التصوير بالتقسيط على مدار 4 سنوات وأسعار المعدات مرتفعة للغاية فالعدسة الواحدة يتخطى سعرها 140 ألف جنيه وكذلك الكاميرات».
وتابعت: «نظرًا لمحدودية المبلغ الموجود ببطاقة الائتمان فهى لا تتعدى 2800 دولار بالإضافة لمبلغ كان موجودًا فى حسابى استخدمته بالكامل، ولجأت لأحد الأصدقاء لدعم حسابى بمبلغ إضافى لحين عودتى لأن البطاقة لن تكن كافية وأوشكت على النفاد.. تلك هى الخطوط العريضة لرحلتى بملخص سريع ولكن توجد الكثير من التفاصيل الجميلة فى الرحلة.. فقد تم ترتيبها من الله بشكل أعجز عن التعبير عنه».
مواقف داعمة
واستكملت: «مثلًا من المواقف الجميلة التى حدثت معى بعد انتقالى لدالاس فوجئت بعدم وجود مواصلات عامة وهذا شىء مزعج بالنسبة لى لأننى وضعت ميزانية معينة للسكن والانتقال بهذه المدينة ولا أريد أن أتخطاها ووجودى بهذا المكان سيفسد ما رتبته.. على عكس تواجدى فى سياتل الذى كان ممَهدًا بوجود المواصلات العامة فى كل مكان وكنت أقطع مسافات مشيًا على الأقدام ولكن الطقس كان يساعدنى على ذلك.. وعبّرت عن غضبى عبر صفحتى على فيس بوك من عدم وجود مواصلات عامة فى دالاس وكيف هذا مع وجود بطولة ككأس العالم وفوجئت برسالة من زميلى المصور الصحفى روچيه أنيس، ولم يكن بيننا أى مراسلات من قبل يقول فيها «سماح لو محتاجة حاجة فى دالاس عرّفينى أنا عندى أصدقاء كتير عندك».. وأرسل لى رقم مريم التى حاولت أن تساعدنى قدر المستطاع .. ثم أرسل لى رقم مينا الذى لم يهدأ حين تواصلت معه حتى وجد لى حلًا جذريًا يناسبنى لأقيم قرب الاستاد.. حتى إننى أقمت مجانًا فى منزل صديقه مايكل القريب من الاستاد فى دالاس.. وهو بيت لا يسكن فيه أحد وفارغ تمامًا من العفش.. ولكن مايكل اقترح شراء مرتبة سفارى يتم نفخها فوافقت على الفور».
أزمة تأشيرة كندا لحضور مباراة مصر
وأضافت: «فى المحطة التالية لسياتل كانت ڤانكوڤر بكندا حيث مباراة مصر أمام نيوزيلندا وهى قريبة لسياتل مما جعل الزملاء يتفقون على الذهاب إليها بسيارة نشترك جميعًا فى إيجارها، ولكن المشكلة أننى ليس لدى تأشيرة كندا وفجأة قبل المباراة بـ48 ساعة تيسر الأمر حيث نصحنى الزميل محمد طه مراسل أون سبورت بالتقديم على تأشيرة كندا فى أسرع وقت ممكن، وساعدنى الزميل حسن غنيمة مراسل mbc فى التواصل مع مكتب ينجز لى استمارة التقديم فى نفس اليوم. فجلست على أحد الأرصفة لأننى كنت فى الشارع فى هذا الوقت، وأرسلت البيانات المطلوبة وإيميل لقنصلية كندا فى سياتل أطلب فيه معالجة تأشيرتى بشكل عاجل ولكن لم يتم الرد.. مرت ساعتان وباقٍ على المباراة يوم واحد ففوجئت بالزميل حسن غنيمة يرسل لى عنوان القنصلية فى سياتل لأذهب لإنهاء إجراءات التأشيرة بعد أن أعلنوا عن توفير استثناء للميديا.. فتوجهت للقنصلية وجاءت الاستجابة السريعة وبعد عدة أسئلة تمّت معالجة تأشيرتى فى نفس الوقت وذهبت إلى تغطية مباراة مصر الثانية فى كندا».
قصة الصورة الأشهَر لسماح تبكى أثناء التصوير
وذكرت: «بعد مباراة مصر الثالثة مع إيران توجهت مباشرة إلى دالاس فى نفس اليوم مع عدم نوم لمدة 48 ساعة بعد أن اكتشفت أن حجزى للغرفة فى سياتل انتهى يوم 25 بالخطأ، وظللت جالسة حتى العاشرة صباحًا بلا نوم فى لوبى الفندق لأننى كنت مرهقة بعد العودة من تدريب المنتخب قبل المباراة بيوم، وبعدها انتقلت إلى دالاس حيث مباراة مصر وأستراليا وحدث ما لم أكن أتوقع من تتويج الله لجهدى بصورة التقطها ريكليڤ المصور البرازيلى الذى رصد تأثرى وفرحتى بتأهل منتخبنا الوطنى لدور الـ 16 فلم أكن أستطيع السيطرة على دموعى وأنا ممسكة بالكاميرا لرصد فرحة منتخبنا الوطنى بالتأهل .. فهى صور للحظة تاريخية يجب تخليدها».
مباراة مصر والأرجنتين
وتابعت: «كان التحدى التالى مباراة مصر والأرجنتين فى أتلانتا وكيفية الذهاب وسعر حجز الطيران لا يناسبنى.. فوجدت زميلىّ العزيزين وليد زين وأيمن عارف يخططان للذهاب بالسيارة وتقسيم التكلفة التى كانت مناسبة جدًا لى من دالاس إلى سياتل وقطعنا مسافة 14 ساعة قيادة تحملها الزميل العزيز وليد زين.. وصلنا بالفعل قبل المباراة بخمس ساعات.. وبدأت المباراة وفرحنا بتقدم منتخبنا الوطنى بشكل يدعو للفخر وبعد أن انقلبت النتائج ضدنا فى وقت حرج من المباراة اهتزت قلوبنا ولكننا خرجنا مرفوعى الرأس.. ظللت أرصد ردود الأفعال بلقطات مختلفة حتى بدأ منتخبنا فى الخروج من الملعب فوقفت بمكان الخروج لالتقاط صور لمنتخبنا وهو يخرج مرفوع الرأس بشكل مشرف ولكننى فوجئت بغضب كابتن حسام حسن الشديد لأن عناصر من جمهور الأرچنتين قرروا استفزازه برفع علم دولة الاحتلال فى وجهه بسبب موقفه المعلن بدعم فلسطين خلال البطولة.. ولكن رد الكابتن حسام حسن جاء مُعبرًا عما بداخل كل مصرى شريف وكان منفعلًا.. فوجدتنى أربت على كتفه بشكل تلقائى.. ففى قناعتى كان الأداء والموقف مشرفًا وفخرًا لنا الخروج بهذا الشكل»
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



