تكرر جمع الزكاة والصلاة اثنين وثمانين مرة، منها ما جاء في قوله تعالى: (وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ) البقرة 43، وفي القرآن تأتي الزكاة بمعنى تزكية النفس وتطهيرها والسمو بها.
الزكاة في اللغة تعني الزيادة والنماء والبركة، وتطلق الزكاة على ما ينفقه المتصدق من مال، وزكاة المال تجب على المؤمنين في أموالهم وممتلكاتهم سنوياً، ويتم دفعها للمستحقين.
والإسلام هو تزكية النفس بالعقيدة الصحيحة، ومن مهام النبي عليه الصلاة والسلام أن يزكي الناس ويهديهم بآيات القرآن: (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ) البقرة 151.
لقد خلق تعالى النفس الإنسانية على أساس الفجور والتقوى، والإنسان يختار بين تزكية نفسه أي تطهيرها والسمو بها، أو الهبوط بنفسه إلى الماديات والشهوات: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) الشمس 7.
والجنة هي ثواب من تزكى وتطهر في الدنيا: (جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء مَن تَزَكَّى) طه 76.
ومن إيتاء الزكاة إعطاء المال، فالمؤمن هو: (الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى) الليل 18، ولذلك أمر تعالى النبي عليه الصلاة والسلام بأن يأخذ صدقة من المؤمنين ليتطهروا ويتزكوا: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا) التوبة 103.
أما عن الصدقة في القرآن فلم تأتي مرتبطة بكلمة الزكاة، وإنما جاءت مرتبطة بكلمات الإنفاق وإيتاء الأموال.
والزكاة واجبة بمجرد أن يأتي رزق من الله، عندها يجب إخراج حق الله تعالى فيه: (وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) الأنعام 141، فالحصاد ليس فقط في الزرع وإنما يشمل مجيء الرزق من مرتب أو مكسب تجارى أو ثمن بيع عقار وغيره.
ووصف القرآن الكريم المتقين بالأنفاق باستمرار سراً وعلانية: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) البقرة 274، وأنهم ينفقون من أحب ما يملكون: (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ) البقرة 177.
ولا ينفقون إلا من المكسب الحلال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ) البقرة 267.
وعلى المتصدق وهو يعطي صدقته أن يتذكر إنما يعطى المحتاج حقه، فليس له أن يمتن عليه أو أن يجرح شعوره: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ) البقرة 264.
وفي قول تعالى: (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا) الإسراء 26 ، لم يحدد تعالى نسبة معينة لإخراج الصدقة، لأن الأساس فيها هو التنافس في الخير والسعي لتزكية النفس.
ومع ذلك فإن الله تعالى جعل للمؤمن مقياساً يتصرف على أساسه هو الاعتدال: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) الفرقان 67.
وفي كل الأحوال فالمؤمن هو الذي يجعل في ماله حقاً محدداً معلوماً لديه للصدقة يلتزم بإخراجه: (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ. لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) المعارج 24-25.
إن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة تنتجان التعامل بالخير والمعروف في المجتمع، حيث تسود فيه الفضائل من مكارم الأخلاق، وهذا ما كان عليه مجتمع المدينة في عهد النبي محمد عليه الصلاة والسلام، حين كانت إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة تظهران في تعامل الناس.



