"خطاب إلى نوعا".. معضلة المرأة الإسرائيلية بين الحب والحرب
كتب - مصطفى سيف
المختص بالشأن الإسرائيلي يعلم جيّدًا كيف أن المرأة الإسرائيلية ليس لها الحق في أي شيء بالنسبة للميراث أو غيره، وهي بالنسبة للتوراة "كائن نجس"، إلا أنَّها استطاعت في العقود الأخيرة في الحصول على مناصب مهمة في الدولة المُحتّلة، أتت بها على رأس الخارجية الإسرائيلية كـ"تسيبي ليفني".
تقول الدكتور مروة وهدان مدرس الأدب العبري الحديث بكلية الألسن جامعة عين شمس- في مقدمتها لمسرحية "خطاب إلى نوعا" للكاتبة المسرحية الإسرائيلية، جورن أجمون، التي ترجمتها ونُشرت عن دار "أوزريس"- تقول: "فعقب حرب 1948 كان المسرح العبري موجهًا لخدمة أهداف الصهيونية وجذب اليهود من كل أنحاء العالم إلى فلسطين بوصفها الوطن المزعوم، ولكن هذا الاتجاه تغيّر في المسرح بعد حربي 1967، و1973، وبدأت تظهر أصوات مغايرة للاتجاه السائد آنذاك تنتقد الحرب".
وتضيف عن المرأة في المسرح الإسرائيلي: "وإذا كان الأدب العبري، خاصة المسرح، قد عرض نماذج للمرأة الإسرائيلية في إطار عرضي؛ فإنه لم يولِ المشاكل التي تعاني منها المرأة داخل المجتمع الإسرائيلي الأهمية التي تتسق مع حجم هذه المشاكل، فلم يتم التركيز على المرأة كبطلة ولكنها كانت في معظم الأحيان تظهر كانعكاس لبطولة الرجل أو كمساعد له".
الحدث الرئيسي المعالج هو المرأة الإسرائيلية بين الحب والحرب، ومن الممكن القول بأنانية الأولاد أيضا، لذلك تجد نوعا نفسها في مأزق في الاختيار بين أبناءها، وذكرى أبيهم، والاختيار بين أمنون الذي ظهر فجأة ليقلب حياتها رأسًا على عقب، ويدخلها في أزمات كثيرة مع أبنائها.
أحداث المسرحية تدور حول تلك المرأة التي قُتل عنها زوجها (نوعا) في حرب لبنان منذ 15 عامًا، ومن بعده أغلقت الباب عن قلبها، ولم تفتح لأحد، حتى أنّها لم تخرج للتنزه ذات مرة، وكل ما يشغلها هو "الكاراتيه"، وتسير بملابسه في الشوارع كالمجذوبين!
لديها ولدان "يوتام وأوري" الأكبر هو أوري، الأصغر هو يوتام، يوتام متعاطف إلى حدٍ ما مع أمه، حتى بعد ظهور "أمنون"، أوري يرى أنَّها خذلت أباه، ولم تعد تحبه بعد موته بعد تعرُّفها على أمنون، تحاول التحرر من ذكرى هذا الرجل، بالدخول في علاقات عديدة إلا أنَّها لم ترغب أو تعطي جسدها إلا لأمنون وهو ما أغضب أوري، حين دخل ذات مرةٍ ليلًا ووجده في فراش أبيه.
تأخذك الكاتبة الإسرائيلية في مسرحيتها إلى البُعد النفسي لامرأة إسرائيلية تعاني الأمرّين بين زوجها الذي مات في حرب لبنان عن طريق الخطأ، وبين الحب الذي تقع فيه، فلا تجد مفرًا من الهروب من أبنائها إلا الذهاب دون عودة.
تترك الكاتبة الطريق مفتوحًا أمام مخيّلة القارئ ليستكشف إذا ما كانت ستقرر العودة بعد هجرانها لأبنائها والذهاب إلى أمنون أمَّ أنها ستظل في أفريقيا معه، ولكن من وجهة نظري أنَّها ستعود لأبنائها وتحاول إقناعهم بضرورة وجود أمنون في حياتهم.
يوتام في المسرحية يمثل صوت الفلسفة والعقل والتروي في الحكم على الأشياء والأمور بطبيعة قراءته لكم هائل من الكُتُب، ويظهر ذلك في كلامه كثيرًا، من خلال الاستشهاد بآيات من العهد القديم، وعلى الرغم من ذلك إلا أنَّه يرى أنّ الحب للبالغين "سخافة وتفاهة" حتى أنّه لا يريد أن يرى أمه في موقف "المراهقة".
الحديث على لسان أوري (وهو ضابط بالطيران الإسرائيلي ويواجه مشاكل نفسية) حديث جاف لا يحتوي على مشاعر إلا لأبيه الذي رحل، وهو دائم التعنيف لأمه ما يبرز أنانيته في أن يمتلك أمه امتلاكًا كاملًا، علاوة على ممارسة لفكرة السُلطة الأبوية التي تريد فرض سيطرتها على الجميع وأنَّه الآمر الناهي لكل شيء في منزل "نوعا".
الحوار قائم على تقنية "فلاش باك" فبداية المسرحية تبدأ بأنّ يوتام يتحدث إلى الجمهور (بوصفه الراوي والمشارك في الأحداث في آنٍ واحد) ويقول إنّه سيكتب خطاب يحكي فيه كل ما جرى مع أمه التي تغيب عن البيت منذ أسبوعين ويقول إنّه افتقدها جدًا، فطوال المسرحية يحكي ما حدث وكأنّه يكتب الخطاب، وفي النهاية يُعاد المكتوب في بداية المسرحية نصًا، ليُترك الجمهور في حيرة (نهاية مفتوحة) ليتخيّل هل الأم ستعود أم لا؟
ولكن ما يستدعي التساؤل هو أنَّه لماذا اختارت "أجمون" يوتام ليكون هو الراوي وليس أي شخصٍ آخر؟، وأغلب الظن أن يوتام هو الأصغر، وهو الموجود في البيت دائمًا بوصفه لا زال طفلًا في المدرسة لذلك سيكون حكيه للقصة من أولها لآخرها يغلب عليه الصدق والحياد؛ علاوة على أنَّ العاطفة ستكون غالبة للأم؛ وذلك هو ما حاولت "أجمون" توصيله للقارئ وهو التعاطف مع نوعا.
سبب آخر لاختيار يوتام ليكون الراوي وهو فكرة مكان الراوي وإطاره داخل المسرحية؛ فيوتام هو الأكثر مكوثًا في البيت من نوعا، ودانة (سكرتيرة الأم في دار النشر التي تمتلكها) وأوري الموجود دائمًا في وحدته العسكرية ولا يعود إلا في يومي (الجمعة والسبت)، فما يحدث في المسرحية أغلبه يدور داخل المنزل وليس في مكان غيره.
أمَّا عن الترجمة فواجهت "وهدان" مشكلة وهي أنَّ المسرحية مكتوبة بلغة الحديث اليومي في اللغة العبرية- على حد قول المترجمة- فتقول: "قد كان الاختيار بالنسبة لي إما أنّ أقوم بترجمتها إلى اللغة العامية أو الفصحى، وقد اخترتُ أنْ أترجمها للفصحى ولكن بشكل بسيط نظرًا لطبيعة المسرح الذي يقوم على الحوار بشكل أساسي، ولذلك لابد أن تكون اللغة سهلة سلسلة غير مقعرة".
ونطالب الدكتورة مروة وهدان بوصفها مختصة في الأدب العبري الحديث، بمزيد من الترجمات التي تثري المكتبة العربية بما يُطلعنا أكثر وأكثر على خبايا المجتمع الإسرائيلي (المُهمل من الجانب المصري تحديدًا) ولفت انتباهي مسرحية "علما روت" التي تدور حول فتاة (متدينة) تريد نشر كتابها وتحكي فيها تعرُّضها للاعتداء على يد أحد الحاخامات، لذلك أطالبها- وبشدة- بسرعة ترجمة هذه المسرحية التي تهد أنقاض المجتمع الإسرائيلي (المتدين بطبعه) بشأن الهالة المصنوعة حول الحاخامات!



