الثلاثاء 18 فبراير 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

ستيف بيكو.. ماذا يفعل السود إذا استعبدوا البيض؟

ستيف بيكو.. ماذا يفعل السود إذا استعبدوا البيض؟
ستيف بيكو.. ماذا يفعل السود إذا استعبدوا البيض؟

كتب - حماده حسين

" لو كانت الآية مقلوبة، وكان السود استعبدوا البيض لفعلوا نفس الأشياء وربما أكثر"



هذا ماقاله دونالد وودز لمرشده  ستيف بيكو بعد جولة تفقدية في أحياء السود، وتعليق ستيف " هنا عادي جدا أن يقتل طفل لمجرد أنه يحمل ثلاثة قروش، لكم القصور والتعليم  والمرسيدس، ولنا المهن الوضيعة وخدمة العبيد.

رد دونالد ينضح إحساسا بالمرارة والعار من البؤس الذي آل إليه حال السود تحت وطأة الحكم العنصري.

 

الجولة التفقدية غير القانونية هدت كل حسابات دونالد وودز الذي يلتقي ستيف بيكو بعد إجراءات أمنية طويلة ومعقدة رغم أنه الصحفي الأشهر ورئيس تحرير أكبر صحيفة يومية في جنوب إفريقيا ، وودز ضمن الـ 4% البيض الذين يستعبدون  96% سود ومنزعج جدا من تواصل حراك الشارع رفضا للحكم العنصري، ويريد أن ينهيه بأي طريقة ولا سبيل لذلك إلا بترويض ستيف بيكو تميمة جنوب إفريقيا الأكثر بريقا الآن، فهو المحرك الرئيسي والوحيد للشارع، هو متعاطف مع السود لكن ليس لدرجة اعتبارهم مواطنين، فقط يطالب بتخفيف قبضة الحكم العنصري، ذلك أن إلغائه يمنح السود فرصة لانتقام رهيب من البيض، وهذا يرعبه بالطبع.

وودز كان مصدوما من لحظة دخول الكوخ البشع الذي  ينفذ فيه ستيف حكما بخمس سنين حظر،  ممنوع عليه  مخاطبة أو مخالطة أكثر من شخص في وقت واحد، ومخالفة الحظر تعرضه للسجن مدى الحياة إذا كان القاضي رحيما، او الإعدام وهذا ما يتمناه البيض وربما منهم وودز ، ومع ذلك تسلل ستيف رفقة وودز إلى أحياء السود، ستيف كان بارعا في التسلل من الحبس، كان يفعل ذلك لمجرد لعب بيسبول – حوكشة- في إحدى الخرابات.

كان من الممكن أن ينتهي الأمر عند هذا اللقاء ويعود وودز إلي ما كان عليه لولا أن فضوله الصحفي  انبهر بحكمة ستيف بيكو، من أين له بها وهو مجرد شاب – 26 سنة- متعثر في دراسة الطب لدواع  سياسية، رهين دائم للاعتقال، ولد ديسمبر 1946 أي قبل عام ونصف  من تطبيق الحكم العنصري، وهذا الحكم لا يسمح للسود بالتعليم إلا فيما يرفع مستوي خدمتهم للبيض، من اين إذن أتى  بكل هذه البلاغة، ثم كيف وهو في هذه السن الصغيرة أعاد إحياء حركة "الوعي الأسود"؟

يسأل "دوناد وودز" رفقاء وأصدقاء ستيف والذهول بادٍ في صوتة ومحياه، ويأخذه البحث عن إجابة لسؤاله إلى تجربة عمره، سيكون صاحب الانفراد بعرض مأساة ستيف التي  ستلعب الدور الرئيسي في إنهاء الحكم العنصري، تجربة سجلها في كتابة " biko" وتحولت لفيلم سينمائي تسجيلي " cry freedom " أدى فيه " كيفن كيني" " شخصية وودز، فيما يجسد دينزل واشنطن شخصية ستيف بيكو، أو جيفارا الأسود كما يطلق عليه في جنوب أفريقيا.

 

هذا المشهد من فيلم  " Django Unchained ربما يعد الأعنف في تاريخ سينما العبودية، فيه يخرج ليوناردو دي كابريو جمجمة من حقيبتة ويقول للحاضرين: هذه جمجمة العبد الذي ربي والدي وجدي، لقد ظل 50 سنة يحلق ذقن والدي، ولم يفكر مرة في ذبحه اعتراضا على عبوديتة ولو كنت أنا مكانه لفعلتها عند المرة الثالثة .

يواصل:

 في خلفية الرأس يوجد ثلاثة فصوص، الفص الثالث هو ما يميز بين البشر، فهو عند البيض خاص بالابتكار والإبداع كما هو حال جاليليو ونيوتن وعند الأسود خاص بالخضوع والخنوع، ثم هشم دي كابريو الجمجمة بشاكوش".

إن مجرد التفكير في احتمالية أن تكون عبودية السود قدر أو لعنة أبدية شيء جارح ومهين وفوق الاحتمال، لكن كثيرين - يأسا وجهلا- يصدقون، ليس من بينهم  ستيف بيكو الذي يرفض هذا الطرح، معتبرا إياه جهلا مخيفا ومحفزا على الضياع، هذا الجهل هو أقوى سلاح يمتلكه من يستعبدوننا، إنه منحة القاهرين.

ستيف يؤمن أن الرجل الأبيض لطمع اقتصادي نجح عبر إرساليات التبشير في تأصيل الإحساس بالدونية لدى السود، مؤكدا – حسب دراسة في فكره للباحثة عبير الفقي-   أن الرجل الأبيض أشاع نمطا ثقافيا يخالف ما كان سائداً في المجتمعات الأفريقية، بدعوى أن الثقافة الأفريقية ساكنة لا تتحرك، بينما هي على الحقيقة تحتوى على قيم الجماعة ولا تتسم بالأنانية وتلعب الروحانيات دوراً في تشكيل قيمها، كما أنها تهتم بالإنسان.

نجح ستيف في إحياء حركة الوعي الأسود وكان أول رئيس منتخب لها بعد 12 سنة من إلغائها ضمن تداعيات " مذبحة شريفيل 1960 "- اليوم العالمي للقضاء علي التمييز العنصري-  حيث تظاهر 5 آلاف أسود  ضد قوانين الاحتجاز ومنع السود من دخول المدن، فأطلقت عليهم الشرطة الرصاص الحي ، وقتلت   289 بينهم 29 طفلا، البقية تعانى إصابات بالظهر، حيث طاردهم الرصاص وهم يحاولون الهرب، كما اعتقلت قادتها  ومنهم مانديلا، أحياها ستيف على أصلها كما تأسست بين زنوج أمريكا، لا كما حدثها مانيلا، لن يناضل من أجل المساواة، وإنما لفتح المجال العام أمام السود للتفوق، التفوق لا المساواة  هو السبيل الوحيد للخروج من كهف العبودية والعنصرية، لأنه دون تفوق لن تكون هناك مساواة، فقط مجرد دمج بين اللونين بما يضمن ويحافظ على ترسيخ دونية السود.

منهج ستيف يتحفظ على المقاومة السلبية وتصدير الخد الأيسر بعد صفع الأيمن،  مثلا  كانت الطريقة  الأكثر رواجا في مناهضة العنصرية،  إنه عندما يثبت مجموعة من البيض شخصا أسود ويشكلون عليه إهانات ضرب، فإن السود الموجودين يلقون بأنفسهم فوق هذا الشاب ويتركون ظهورهم للبيض يضربون حتى ترهق أياديهم، ستيف صفع قائد الشرطة حين صفعه.

  هناك من اتهم رؤية ستيف بيكو لحركة "الوعي الأسود " بأنها دعوة لعنصرية السود، في مواجهة عنصرية البيض، وهو نفى ذلك بالتأكيد علي أن التفوق الذي يدعو له متعدد المجالات وليس من بينها أي دعوة أو اتجاة للعنف.

وماذا إن تفوق السود، كيف يتعاملون وقتها مع البيض ؟

يجيب ستيف: لن ننتقم، فقط سنتجاهلهم .

ينجح ستيف بيكو – كالعادة – في التسلل من  الحظر للسفر إلى مدينة "سويتو" حيث انتفض الطلبة  طليعة حركة الوعي الأسود، -1977- ضد إجبارهم على التعليم باللغة الأفريكانية، الأوراق المزورة جاهزة لتهريب ستيف من كمائن الشرطة التي تغلق مداخل المدينة منعا للتوافد، يستوقفه أحدها للتحقق، فينطق ستيف اسمه الحقيقي، استنكف يقول الاسم المزيف  

في السجن، لم يكن هناك بال أو خطط لتعذيب ستيف، السجانة اتجننوا عليه، مستوي مبهر من الغل، حرموه من أي حقوق ، ضربوه حتي نزف مخه، الأطباء تركوه ينزف حتى الموت، وقالوا إنه مات بسبب الإضراب عن الطعام ، وتغنى البيض بعدالة الحكم العنصري الذي سمح لـ"ستيف" بالإضراب عن الطعام .

قتل ستيف بيكو -29 سنة -، وطالب وودز بإلغاء الحكم العنصري، محذرا من غرق جنوب أفريقيا في دوامة دم بلا نهاية كرد على موت ستيف، حيث لمعت فكرة الثأر، البيض اتهموا وودز بالخيانة وعايروه  بالانجذاب لأفكار ستيف، ويرد: لو أن السود يمتلكون حكمتة ونضجه ماخفت على جنوب أفريقيا من انفجار الأبانوس.

وعندما قرر وودز توثيق ماحدث لـ "ستيف" في كتاب ونشره للعالم، حكموا عليه بالحظر ، أرسلوا لأطفاله تيشرتات هدايا عليها صورة ستيف منقوعة في مواد كاوية، أغلقوا المداخل والمجال الجوي  لكنه هرب بمعجزة ونشر  الكتاب، وراجت القصة سينما ومسرح، وانهار الحكم العنصري، وأصبحت الأجواء مهيأة وجاهزة لخروج مانديلا، ليقدم بتجربته إجابة عملية عن السؤال:

 ماذا لو تفوق السود؟

لن ننتقم، سنتجاهلم ونسامح، تماما كما قال ستيف بيكو.