الأربعاء 14 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

نبذة عن عقيلة بني هاشم يوم مولدها

ميلاد السيدة زينب رضي الله عنها واحتفاء أهل مصر به

مقام السيدة زينب
مقام السيدة زينب رضي الله عنها

في الخامس من جمادى الأولى في السنة الخامسة للهجرة تأتي الذكرى العطرة لميلاد السيدة زينب بنت الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، فتتجدد فينا أنوار الكمال الإنساني، وتنبعث في القلوب معاني التزكية، والوصال الروحي؛ حيث تتلاقى المحبة والاقتداء بأهل بيت النُّبوة. 
 

السيدة زينب .. في حضرة التعلق الروحي، والتزكية النفسية
 

السيدة زينب .. سر التسمية، ونورانية النشأة
 

ألقاب السيدة زينب - رضي الله عنها –، ودلالاتها
 

السيدة زينب - رضي الله عنها - في أرض الكِنانة بين حفاوة الاستقبال واستمرارية الاحتفال
 

السيدة زينب والتخلق الروحي، والوصال العملي - مسلك التزكية والعِمارة

 

السيدة زينب .. في حضرة التعلق الروحي، والتزكية النفسية
 

تتوق النفوس وتطمح، والأرواح تشتاق وتتعلق بأحوال أهل الكمال، وفي طليعة هؤلاء النجوم تبرز سيدتنا العَقِيلة السيدة زينب بنت سيدنا الإمام علي بن أبي طالب، وابنة سيدتنا فاطمة الزهراء - رضي الله عنهم أجمعين - في ذكرى ميلادها الشريف الذي وافق الخامس من جُمادَى الأولى.

 

والاحتفال بموالد أهل البيت الكرام في جوهره مسلك من مسالك (التزكية والعِمارة)، إنه تجديد للعهد بالكمال الإنساني، ودعوة للناس كافة إلى (التخلق بأخلاق أهل الكمال)، فمحبة آل البيت ليست خيارًا أو تفضلًا، بل هي واجب شرعي، وعلامة إيمانية، كما علَّمنا صاحب الجَنَاب النبوي سيدنا محمد  - صلى الله عليه وسلم -  حين قال: «أَحِبُّوا اللَّهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ بِهِ مِنْ نِعْمَةٍ، وَأَحِبُّونِي لِحُبِّ اللَّهِ، وَأَحِبُّوا أَهْلَ بَيْتِي لِحُبِّي» [فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل رقم (١٩٥٢)]، هذه المحبة هي التي توفر المناخ الروحي؛ لاستقبال أنوار هذه السيدة الجليلة.  

وقد أبصرت السيدة العَقِيلة زينب - رضي الله عنها - النور في المدينة المنورة في بيت يمثل التقاء النُّبوة بالإمامة والولاية، نشأت في كَنَف الجود والكمال، بين الأب المرتضى الإمام علي  - رضي الله عنه - والأم الزهراء السيدة فاطمة - رضي الله عنها - والأخوين السِّبْطَين الإمامين سيدنا الحسن وسيدنا الحسين - رضي الله عنهما-، فكانت مهدًا للأنوار، ومُسْتَودعًا للأسرار.

وفي استعراض سيرتها ومناقبها يظهر لنا بوضوح أن الإجلال الذي نوليه لميلادها هو مدخل للوصول إلى مقام التعلق والتخلق الذي ندعو الله - جل جلاله - أن يجعله معمورًا في بواطننا.


السيدة زينب .. سر التسمية، ونورانية النشأة
في الخامس من جمادى الأولى في السنة الخامسة للهجرة عندما أشرقت الدنيا بولادة الطاهرة السيدة زينب - رضي الله عنها – تجلَّى فيها أدب الاصطفاء الإلهي عبر جدِّها الحبيب المصطفى - صلى الله عليه وسلم، فقد تولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تسميتها بـ(زينب)، تبركًا وتيمنًا باسم خالتها الكُبرى السيدة زينب بنت سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم.

إن هذا الاختيار النبوي للاسم يحمل في طياته دلالة على عظيم دورها، ومكانتها المُرتَقَبَة في مسيرة الحِفاظ على الدين، فالحبيب المصطفى- صلى الله عليه وسلم-  كان يرى بسبق بصيرته النورانية ما سيؤول إليه حال هذه السيدة من الصبر والثبات والقيام بدور الحَوراء المُجَاهِدة.  

وقد نشأت السيدة زينب - رضي الله عنها - في بيت طاهر، وتلقت تربية إلهية مثلت أرقى مستويات الكمال، وقد ارتقت حالتها الروحية والفكرية منذ نعومة أظفارها، وتلقّت في ذلك البيت النبوي أساس قيم الحنان والإحسان، وعلى رأسها قيمة الشفقة، وقد عبرت السيدة زينب بنفسها عن هذا النوع من الحب الوالدي بـ(الشفقة)، وهي (منزلة خاصة من المحبة) تنبعث من العاطفة والحنان والرأفة، هذا الجود الروحي، والكرم العاطفي الذي تربت عليه هو الأساس الذي مكَّنها لاحقًا من القيام بدورها التاريخي في الجود بالصبر، وتحمل الأعباء، إن حالها في النشأة يذكرنا بأن أساس الكمالات الإنسانية يُبنى على الإحسان في التعامل مع القريب والبعيد، وأن النفس التي تُزكَّى بالشفقة تكون أقدر على حمل رسالة النور والرحمة للعالمين.


ألقاب السيدة زينب - رضي الله عنها – ودلالاتها
 

لا تُعرف السيدة زينب - رضي الله عنها - بعظيم تاريخها، وشرف نسبها فحسب، بل بألقابها التي رسمت معالم شخصيتها القيادية والروحية، وهي ألقاب تمثل مرجعية حقيقية في مسلك التزكية، ومنها:

العَقِيلة (مرجعية الحكمة والرأي):
 

أبرز ألقابها هو (العَقِيلة) هذا اللقب يحمل في طياته معنى عميقًا؛ لكونها السيدة المُهَابة في قومها التي تُستشار في الأمور العظام فتُؤتمن، وتكون مرجعية لا يُستغنى عن رأيها.  

ولم يكن لقب العَقِيلة مجرد اسم تشريف، بل كان حالًا عمليًّا شهد به الأكابر، فالإمام علي بن أبي طالب -رضي الله عنه - وهو أمير المؤمنين، وباب مدينة علم حضرة النبي الأعظم - صلى الله عليه وسلم - كان لا يقدم على أمر من الأمور إلا بعد مشورتها، هذه المرجعية العقلية والإيمانية للسيدة زينب - رضي الله عنها -  تؤكد أن مقام المرأة في الإسلام يسمو؛ ليصبح محلًا لاستقاء الحكمة، والرأي السديد.  

كما أن هذا اللَّقب اكتسب اعترافًا علميًّا غير مسبوق؛ فقد كان سيدنا عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - يروي عنها الحديث، وهذا المقام يذكرنا بمقولة الشاعر التي ترفع مقامها:

 

لو كانت النساء كمثل هذه *** لفُضِّلت النساء على الرجال
فَمَا التَّأْنِيثُ لِاسْمِ الشَّمْسِ عَيْبٌ *** وَلَا التَّذْكِيرُ فَخْرٌ لِلْهِلَالِ
 

العالمة غير المُعلَّمة (صاحبة فيض العلم اللَّدني): 
 

من الألقاب الفائقة التي تطلق عليها – أيضًا – (العالمة غير المُعلَّمة)، وهذا اللقب لا يعني أنها لم تدرس أو تتلق العلم، ولكن يشير إلى أن مصدر علمها الحقيقي هو فيض رباني لَدُنِّيِّ، منحها الله إياه ببركة صلتها بأهل البيت الكرام، ووراثتها لباطن النبوة.  

 

إن حصولها على هذا العلم اللَّدني هو ثمرة التعلق، والتخلق بالأنبياء، عندما يعمر الباطن بالتعلق بأحوال أهل الكمال، يتخلق الظاهر بأدبهم، وتهتدي الروح بالعلم الرباني، هذا المقام الرفيع يثبت أن السيدة زينب ورثت ليس فقط العِلم المُنقول، بل الحكمة والنور الكاشف الذي يضيء لها ظلمات الحياة، وهو ما مكنها من القيام بدورها الفعَّال في كشف مثالب بني أمية، والحفاظ على حرارة مقتل الإمام الحسين رضي الله عنه.  

ماما الكريمة:
 

شاع هذا اللقب على ألسنة روادها، وأحبابها؛ نظرًا لما يجده المترددون على مسجدها ومقامها من الإكرام، فكما أنها امتدادً لنسل جدها المصطفى – صلى الله عليه وآله وسلم - فمسجدها ومقامها امتدادً للمسجد النبوي الذي كان مأوى لأهل الصُّفة في حياة جدها الحبيب النبي - صلى الله عليه وسلم، فمسجدها في حياتها وبعد مماتها ملاذًا للفقراء والمحتاجين، يأتونه ملتمسين كرمها في حياتها، وكرم أحبابها بعد مماتها، فأحبابها يطعمون الطعام، ويتصدقون على الفقراء والمساكين والأيتام الذين ينزلون ضيوفًا حول المقام، وما ذلك إلا من أجل رضا الله – عزو جل - الذي قال في كتابه الكريم: {وَيُطۡعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ مِسۡكِينٗا وَيَتِيمٗا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطۡعِمُكُمۡ لِوَجۡهِ ٱللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمۡ جَزَآءٗ وَلَا شُكُورًا} [الإنسان: ٨-٩]، ومحبة لرسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم – ومودة لآل بيته الطاهرين الذين قال فيهم القرآن على لسان خاتم النبين - صلى الله عليه وآله وسلم: {قُل لَّآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ أَجۡرًا إِلَّا ٱلۡمَوَدَّةَ فِي ٱلۡقُرۡبَىٰۗ وَمَن يَقۡتَرِفۡ حَسَنَةٗ نَّزِدۡ لَهُۥ فِيهَا حُسۡنًاۚ} [الشورى: ٢٣]؛ فلذلك كثيرًا ما تسمع هتافًا يخرج من أبنائها المحبين تعبيرًا صادقًا، واعترافًا وعرفانًا لها قائلين: (كريمة يا ست).

أم هاشم:
 

فقد حملت السيدة زينب - رضي الله عنها - راية الهاشميين بعد شقيقها الحسين- رضي الله عنه-، وسارت على دَرْبِ جدها هاشم في الكرم والجود، فكانت تطعِم الجائع، وتؤوي المُشَرَّد، وتجير المُستجِير، فكان بيتها ملاذًا للمحتاجين، ومسجدها ومقامها مأوى للمحرومين.

أم العزائم:
 

على قدر أهل العَزْم تأتي العزائم، وقد كانت مثالًا للعزيمة الصادقة، والإرادة القوية، تحملت ما لا يتحمله الجبال الراسيات.

أم المصائب:
 

حملت السيدة زينب لقب (أم المصائب) بحق، فقد شهدت رحيل جدها: الرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ وأمها: فاطمة الزهراء - رضي الله عنها-، ثم استشهاد أبيها الإمام علي - رضي الله عنه -، وأخيها الحسن - رضي الله عنه – ومن أعظم ما لاقته كذلك كانت في كَرْبِلاء؛ حيث شهدت استشهاد أخيها الحسين - رضي الله عنه - وولديها عَوْن ومحمد - رضي الله عنهما - ثم أُخذت هي وبقية النساء والأطفال ودخلت على ابن زياد في الكوفة، ويزيد في الشام، وهي صامدة ثابتة كالجبل الأَشَم تروي بدماء أهل بيتها أعظم مَلْحَمَة صبر وإباء في التاريخ الإسلامي.

فهي بنورها مِشْكَاة تستمد من مِشْكَاة النُّبوة، وبحكمتها بحر زاخر يستقي منه العارفون، وبكرمها سحابة تمطر الخير على القاصدين .. سلامًا عليها مقامًا وروحًا، وحفيدةً طاهرة من آل بيت النُّبوة.


السيدة زينب - رضي الله عنها - في أرض الكِنانة بين حفاوة الاستقبال واستمرارية الاحتفال
حفاوة الاستقبال:


عندما وصلت السيدة زينب - رضي الله عنها – إلى الديار المصرية في شعبان سنة ٦١ للهجرة خرج لاستقبالها أمير مصر مَسْلَمَة بن مَخْلَدِ بن الصَّامِت الأنصاري، وحشود المسلمين في مدينة "بُلْبَيس" التي تقع اليوم بمحافظة الشرقية، فكان استقبالًا يليق بمقامها، ودليلًا على عظيم محبة أهل مصر لها، ولأبيها وأمها، ومن قبلهم جدها الحبيب النبي – صلى الله عليه وآله وسلم-، وعندما رأت حفاوة التكريم، رفعت دعاءها الخالد: "يا أهل مصر، نصرتمونا نصركم الله، وآويتمونا آواكم الله، وأعنتمونا أعانكم الله، جعل الله لكم من كل ضيق مخرجًا، ومن كل هم فرجًا"، فكان هذا الدعاء بركة على مصر وأهلها إلى يوم القيامة.

استمرارية الاحتفال بمولد السيدة زينب 

يُعد الاحتفال بمولد السيدة زينب رضي الله عنها واحدًا من أعمق المظاهر الدينية والاجتماعية التي تجذّرت في الوجدان المصري عبر العصور، بوصفه تعبيرًا عن المحبة الصادقة لآل بيت النبي ﷺ، وامتدادًا لثقافة التدين الشعبي التي تداخل فيها الروحي بالاجتماعي، والعبادي بالعمراني. 

ولم يكن هذا الاحتفاء طارئًا أو محدودًا بزمن بعينه، بل شهدته مصر في مختلف عصورها الإسلامية، مع اختلاف الأشكال وثبات المعنى.

تشير المصادر التاريخية إلى أن مشهد السيدة زينب رضي الله عنها في القاهرة كان منذ وقت مبكر مقصدًا للزيارة والتبرك، وأن المصريين اعتادوا الاجتماع عنده في مواسم محددة، يتلون القرآن، ويقيمون الذكر، ويتصدقون على الفقراء. وقد ذكر تقي الدين المقريزي (ت ٨٤٥هـ) في الخطط والآثار أن مشاهد آل البيت في القاهرة، وعلى رأسها مشهد السيدة زينب، كانت عامرة بالزائرين، ومحل عناية من العامة والخاصة، تُقام عندها المواسم، وتُوقف لها الأوقاف، ويُعرف لها يوم مخصوص يجتمع فيه الناس على الدعاء والصدقات (المقريزي، المواعظ والاعتبار، ج ٢).

 

وفي العصر الأيوبي، ورغم ما عُرف عنه من ضبط رسمي للشعائر، لم ينقطع الاحتفاء الشعبي بمشاهد آل البيت، بل استمر بصورة اجتماعية ودينية واضحة، وهو ما يذكره ابن شداد (ت ٦٣٢هـ) في سياق حديثه عن عادات أهل مصر في الزيارات الدينية الجامعة، حيث يشير إلى مواسم يتوافد فيها الناس إلى المشاهد المعروفة، ومنها مشهد السيدة زينب، دون إنكار أو منع (ابن شداد، الأعلاق الخطيرة).

 

أما في العصر المملوكي، فقد اتسعت ظاهرة الموالد والاحتفالات الدينية اتساعًا كبيرًا، وأصبحت جزءًا من النسيج العام للحياة المصرية. ويذكر السخاوي (ت ٩٠٢هـ) في الضوء اللامع أن أهل القاهرة اعتادوا إقامة مواسم سنوية عند قبور الأولياء وآل البيت، تتخللها أعمال البر والذكر، وأن هذه المواسم كانت تحظى بإقبال واسع من الناس على اختلاف طبقاتهم. كما أشار المقريزي في مواضع متعددة إلى كثافة الحضور الشعبي في هذه المواسم، وما كان يصاحبها من تنظيمات عرفية وخدمات موقوفة.


وفي العصر العثماني، استمر الاحتفاء بمولد السيدة زينب ضمن منظومة الموالد الكبرى في مصر، وأخذ طابعًا أكثر انتظامًا، حيث أصبحت بعض المواسم تُحدد بأيام معلومة، وتُدار بالتنسيق بين شيوخ الطرق الصوفية وأعيان الأحياء. ويؤكد عبد الرحمن الجبرتي (ت ١٢٣٧هـ) في عجائب الآثار أن الموالد، ومنها مولد السيدة زينب، كانت من أبرز المناسبات الدينية التي تشهدها القاهرة، ويشارك فيها الناس بالزيارة والإنشاد والصدقات، دون أن يربطها بسلطة سياسية بعينها، بل يعدّها من عادات المصريين الراسخة.

 

ومع دخول العصر الحديث، حافظ المصريون على هذا الاحتفاء، وإن دخلت عليه تنظيمات إدارية بحكم تطور الدولة الحديثة. وتشير الدراسات المعاصرة إلى أن موعد الاحتفال بمولد السيدة زينب ظل مرتبطًا بشهر ربيع الأول لقرون طويلة، قبل أن يصدر قرار إداري في ستينيات القرن العشرين بنقل موعده إلى آخر ثلاثاء من شهر رجب، وهو قرار تنظيمي موثق لا يمس أصل الاحتفال ولا دلالته الدينية، كما تؤكد ذلك الوثائق الرسمية والدراسات الاجتماعية اللاحقة (محمد عبد الجواد، تأريخ الموالد المصرية؛ سعاد ماهر، مساجد مصر وأولياؤها الصالحون).

 

وتؤكد دار الإفتاء المصرية في فتاوى متعددة أن هذه الموالد، بما فيها مولد السيدة زينب، هي من قبيل العادات الجارية التي يعبر بها الناس عن المحبة والتكريم، وأن تنظيم مواعيدها يخضع للمصلحة العامة، دون أن يؤثر ذلك في مكانة السيدة زينب الروحية أو في عمق حضورها في الوجدان الشعبي.

 

وهكذا يتبين أن احتفاء المصريين بمولد السيدة زينب رضي الله عنها لم يكن ظاهرة عابرة ولا مرتبطة بعصر واحد، بل هو تقليد ممتد عبر القرون، حافظ على جوهره الروحي رغم تغير الأشكال والظروف، وظل شاهدًا على العلاقة الخاصة التي نسجها المصريون مع آل بيت النبي ﷺ، علاقة قوامها المحبة، والتوقير، والبحث عن السكينة في رحابهم.

السيدة زينب والتخلق الروحي، والوصال العملي - مسلك التزكية والعِمارة
 

سيرة العَقِيلة - رضي الله عنها - نموذجًا لا يضاهى في الوفاء والتفاني، وهي قيم أساسية في مسلك الصدق، ومن أعمق صور هذا التفاني ما روته السيرة من أنها- رضي الله عنها - تتفرغ لخدمة إخوتها، هذا السلوك ليس مجرد جود عاطفي، بل هو تضحية بالحق الشخصي في سبيل إعلاء شأن الواجب الأسري والروحي، وهو تجسيد لغاية التخلي عن حُظُوظ النفس من أجل خدمة أهل الكمال.  

وفي خِضَم الفتن والمِحن التي مرت بها الأمة خاصة بعد واقعة كَرْبِلاء تجلت شخصيتها كبطلة الفداء، إن ثباتها، وصبرها المطلق، ودورها في كشف حقيقة الظلم يمثل التطبيق العملي للثقة واليقين الذي ينبغي أن يتحلى به المؤمن.

لقد جسَّدت - رضي الله عنها- رسالة عدم اليأس في أَحْلَك الظروف، مُردِّدةً بصمتٍ حال الغار النبوي: {لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ} [التوبة: ٤٠]، فسيرتها تُعلمنا أن الثقة في الله حتى عندما يحيط الكرب كلمة عليا، وأن العبد مطالب بأن يكون عظيم الثقة واليقين والأمل في الله.  

إن مسلك التخلق بالكمالات الزينبية له أثر مباشر، فالأنوار التي حملتها السيدة زينب يجب أن تكون مشعل هداية لـ"تنوير ربوع الوطن"، وملء وعي المصريين جميعًا.  

الخِطاب الذي يُبنى على هذه السيرة الطاهرة يجب أن يتحلى بالحكمة والنور، ويجب أن يكون مظهرًا حسنًا، وحكمة منيرة، كما يجب أن ينزل هذا الخِطاب على قلوب الناس رحمة وراحة، بعيدًا عن الجُمود أو التشدد، مجسدًا جوهر الرحمة التي ورثتها السيدة زينب - رضي الله عنها - عن جدها سيدنا المصطفى - صلى الله عليه وسلم- هذا التجديد الأخلاقي والقيمي هو مهمتنا، ومواريث النبوة التي نتشرف بخدمتها، وتقديمها للمسلمين والعالم.  


ميلاد السيدة زينب العَقِيلة - رضي الله عنها - ليس مجرد تاريخ يُحتفى به، بل هو ميلاد لروح العطاء والصبر الذي لا يْنْضَب، ومفتاحٌ لفهم مدرسة التعلُّق والتزكية التي تتجسد في آل البيت الطاهرين، فمن بيت النُّبوة والإمامة، أشرقت حياتها كنورٍ متوهج، ولقد امتد فيضها إلى أرض الكِنَانة؛ حيث صار مقامها مرجعًا روحيًّا يُقصد طلبًا للبركة، وتصفية للنفوس من الأوزار، مُذكِّرةً الأمة بأن الكمال الإنساني يُبنى على الإحسان والتضحية والثبات حتى في أحلك المصائب، وهي مدرسة الإيمان واليقين التي ينبغي أن تُنير واقعنا المعاصر.

تم نسخ الرابط