تصعيد إسرائيلي ومكاسب أمريكية.. استعدادات عسكرية حدودية وانقسامات داخل الكيان
يشهد الداخل الإسرائيلي حالة من الانقسامات ما بين مؤيد ومعارض للهجمات الإسرائيلية -الأمريكية المشتركة على إيران، وحالة من الاستنفار والاستعدادات العسكرية الإسرائيلية، خارجيا، وعلى كافة الجبهات الحدودية مع لبنان وسوريا والعراق، في ظل مكاسب أمريكية محتملة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
فبعد أن وجّه جيش الاحتلال الإسرائيلي الضربة الأولى لمنظومة الصواريخ الإيرانية، كضربة "استباقية"، انضمت الولايات المتحدة بعدها بفترة وجيزة لتحافظ إسرائيل على عنصر المفاجأة، حيث انطلقت عملياتهم في البداية بشكل رئيسي من حاملة الطائرات "لينكولن"، مركزين على جنوب غرب إيران، وعلى قوات الحرس الثوري البحرية والقوات البحرية عموماً، وميناء بندر عباس، بهدف منع حصار مضيق هرمز.
وجاءت الاستعدادات العسكرية على الحدود تحسبًا لأي هجوم في الشمال، وربما أيضًا من الحدود الأردنية، وكان الهدف بحسب الصحفي الإسرائيلي ب"يديعوت أحرونوت"، عيناف شيف، من الهجوم الاستباقي في لبنان هو "تعمية" أعين الإيرانيين بالقرب من إسرائيل.
ووفقا لما أفاد به موقع صحيفة "يديعوت أحرونوت"، كان الهدف من الهجوم الاستباقي على أهداف حزب الله في لبنان، أمس، هو تعطيل أجهزة الرصد التي يمتلكها التنظيم الإرهابي، والتي كان يعتزم من خلالها إبلاغ الإيرانيين بمغادرة القوات الجوية لشنّ ضربة استباقية.
ويشبه الصحفي الإسرائيلي يوسي يهوشواع، نمط العمليات المشتركة، الحالية، بالهجوم الأمريكي على "فوردو" وأهداف أخرى في يونيو الماضي، حيث زعم بأن إسرائيل تقوم بتطهير نفسها والأمريكان من خطرالتهديدات - بما في ذلك تهديدات الجبهة الداخلية الإسرائيلية والقواعد الأمريكية في المنطقة - أولا ثم تتدخل الولايات المتحدة بكامل قوتها.
الضربة الاستباقية و"تعمية" طهران
بدأت العملية العسكرية المشتركة على إيران، بهجوم استباقي استهدف مواقع تابعة لتنظيم حزب الله في لبنان، بهدف "تعمية" و"إرباك" أجهزة الرصد التابعة للتنظيم، ومنعها من إبلاغ طهران بتحركات القوات الجوية الإسرائيلية، وفي الداخل الإيراني، تركزت الضربات المشتركة على تدمير القدرات الدفاعية، خاصة منظومات الصواريخ الباليستية، ومواقع تخصيب اليورانيوم في "أصفهان" و"فوردو"، تزامناً مع انتشار مكثف للطائرات الأمريكية (F-22) المنطلقة من حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن".
رشقات صاروخية وحالة هلع
وبينما سمع في إسرائيل، بحسب الصحف العبرية، دوي مئات صفارات الإنذار في مختلف أنحاء البلاد إثر إطلاق رشقات صاروخية غير محددة المصدر، أفادت التقارير الميدانية الإسرائيلية بأنه تم رصد إصابات طفيفة جراء سقوط شظايا وصواريخ في "الخليل"، "أم الفحم"، وبلدات شمالية، وسقوط بقايا صواريخ اعتراضية وشظايا في القدس، بيت شيمش، وقرية مندا.
تأهب على الحدود
وعلى صعيد الاستعدادات العسكرية، صرح اللواء رافي ميلو قائد المنطقة الشمالية، في وقت سابق للضربة العسكرية، قائلا : "نحن نستعد أيضاً لاحتمال انضمام حزب الله إلى القتال، إذا ارتكبوا هذا الخطأ، فسنتحرك بقوة، وسنعرف كيف نوجه لهم ضربة قوية ومؤثرة"، وذلك استعدادا لأي رد عسكري إيراني استباقي.
وطالبت القيادة المركزية المستوطنين بالبقاء قرب المناطق المحمية، واستخدمت تقنيات التحذير المباشر عبر الهواتف المحمولة.
وبناء على تقييم استخباراتي إسرائيلي، يعزز الجيش الإسرائيلي حاليًا قواته في المناطق الحدودية مع لبنان وسوريا، مع مراقبة حذرة للحدود الأردنية، حيث تتخوف الاستخبارات من محاولات تسلل أو هجمات بسيارات مفخخة قد تنفذها أيا من قوة الرضوان التابعة لحزب الله من جنوب لبنان على حدود الجولان، أوالميليشيات الشيعية من العراق عبر الحدود السورية، أو الحوثيون من اليمن عبر هجمات بعيدة المدى، أو أية خلايا لتنظيم داعش في منطقة درعا جنوب سوريا.
استراتيجية "تغيير النظام"
يرى محللون عسكريون إسرئيليون، من بينهم المحلل العسكري وضابط الاستخبارات، آفي كالو، أن هذه الحملة العسكرية تختلف عن سابقاتها؛ فهي لا تستهدف فقط شل البرنامج النووي، بل تهدف إلى "تقويض ميزان القوى" وتسريع انهيار النظام الإيراني من الداخل.
وتأتي هذه العملية في ظل تناغم كامل بين إدارة الرئيس ترامب وحكومة نتنياهو، حيث يسعى الطرفان لتحقيق "انتصار سريع وحاسم" يغير وجه الشرق الأوسط.
انقسام داخلي: "جنون الحرب"
في الوقت الذي وصف فيه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو العملية بأنها "إزالة لتهديد وجودي مباشر"، تعالت أصوات نقدية حادة من داخل المجتمع الإسرائيلي.
فمن ناحيتها، أبدت فيه المعارضة الإسرائيلية تأييدها المبدئي لضرب النظام الإيراني، بقيادة "يائير لابيد"، إلا أنها حذرت أيضا من تكرار إخفاقات الماضي.
وعلى النقيض، عبّر الصحفي "عيناف شيف"، عن مخاوف شريحة واسعة من الإسرائيليين الذين يشعرون بأنهم كال"دمى" في يد حكومة لم تحاسب على إخفاقات سابقة، واصفاً الاحتفالات بهذه العملية بـ"جنون الحرب" الذي قد يؤدي إلى انهيار ما تبقى من الحياة الطبيعية.
أزمة ثقة "وهم الوعود"
وفتحت وطأة صافرات الإنذار وصخب التصعيد العسكري،النار على حكومة الاحتلال، وبرزت تساؤلات حادة حول جدوى "الانتصارات التاريخية" التي يتم الترويج لها، في حين وصف الصحفي عيناف، المشهد في الداخلي في إسرائيل، قائلا: "بينما يندفع الملايين فجرًا إلى الملاجئ، تعود إلى الواجهة أزمة الثقة بين الجمهور والقيادة السياسية والأمنية التي اعتادت "تدوير" الوعود ذاتها".
كما انتقد المحلل العسكري والصحفي الإسرائيلي، عيناف شيف، تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، صباح اليوم قائلا: "لم يمر أكثر من 250 يوماً على إعلان نتنياهو، في ختام عملية "عام كالافي" عن "نصر تاريخي سيدوم لأجيال" وإزالة كاملة لتهديدات وجودية.. وحاليا، يجد الجمهور نفسه أمام الخطاب ذاته؛ فما وُصف بـ"النصر الذي لا يزول" تهاوى أمام واقع القذائف والصواريخ، ليعود شعار "إزالة التهديد الوجودي" كذريعة لعملية جديدة، في حلقة مفرغة تفقد فيها اللغة كل منطق وعقلانية".
التناغم الأمريكي-الإسرائيلي: تدمير "ما دُمّر"
وفي سياق آخر، يبرز المشهد الأمريكي في حالة من "التكرار العبثي"؛ حيث يُعلن البيت الأبيض مجدداً عن تدمير المشروع النووي الإيراني، رغم ادعاءات سابقة بتدميره في يونيو 2025، هذا التضارب في التصريحات يعكس حالة من الانفصال عن الواقع، حيث يتم سحق "الحياة الطبيعية" في الداخل،على حد قول عيناف، تحت مسميات "سحق العدو"، بينما كانت القيادة الإسرائيلية، بحسب مراقبين، تنغمس في "إجازات استجمام" بعيداً عن تداعيات قراراتها.
الشعارات الدينية وازدواجية المعايير
ويؤكد عيناف، على أنه في لحظات الحرب، يتلاشى الفارق بين الائتلاف والمعارضة، وتُقبر الأسئلة الجوهرية تحت ركام "الإجماع الوطني"، فتستخدم الحكومة المناخ "التاريخي" المشبع بالنصوص الدينية مثل "تذكروا ما فعله بكم عماليق" كأداة لطمس شرعية التشكيك، و استغلال حالة الخوف لضمان صمت المعارضة والإعلام، واستخدام البروباغندا العسكرية كنظام أمني يتفاخر بإنجازات وهمية انكشفت هشاشتها أمام أول اختبار ميداني، وبروز حالة من ازدواجية المعايير كظاهرة مثيرة للاهتمام ترى "الأبرياء" في طهران بينما تنفيهم في غزة، لتغذية دوافع الاستمرار في القتال.
رفض "الجنون"
وأكد المحلل العسكري بصحيفة "يديعوت أحرونوت"، عيناف شيف، على أن الشعور بأن المواطن مجرد "دمية" في يد قيادة غير مسؤولة هو شعور مبرر ولا يدعو للخجل، وأن المطالبة بإجابات واضحة حول الإخفاقات السابقة، ورفض الانصياع لـ"قطيع الأغنام" الذي يُقاد نحو المجهول، هي حقوق أساسية لممارسة المواطنة الحقيقية، قائلا: "بدون التشكيك والمحاسبة، لا يبقى المواطن حتى بصفة (رعية)، بل يصبح مجرد رقم في معادلة خسائر يجهل هوية من يدفع بها نحو الهاوية."
"هندسة النظام العالمي الجديد": مكاسب استراتيجية لواشنطن
ويرى الرئيس السابق لقسم الأسرى والمفقودين في الاستخبارات العسكرية، المقدم (احتياط) آفي كالو، في مقال له نشر اليوم على موقع صحيفة "يديعوت أحرونوت"، أن الضربة الجوية المشتركة على إيران تمثل "ذروة التحول" في ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حيث تتجاوز الأهداف العسكرية التقليدية لتصيغ واقعاً جيوسياسياً جديداً يصب في مصلحة واشنطن وحلفائها، ومثلها فيما يلي:
١. إعادة صياغة ميزان القوى العالمي والإقليمي
تعد هذه الحملة "معركة تاريخية حاسمة" تهدف إلى تحطيم النموذج الإيراني الجمهوري الذي استمر منذ عام 1979، ويتمثل المكسب الأمريكي الأكبر هنا في تقويض ميزان القوى الذي يعتمد عليه نظام آيات الله، والانتقال من "احتواء" التهديد إلى "تغيير قواعد اللعبة" بالكامل، مما يمنح واشنطن اليد العليا في تشكيل مستقبل الشرق الأوسط بعيداً عن أروقة مفاوضات جنيف العقيمة.
٢. تدمير التهديد النووي بـ"غطاء شرعي"
حققت واشنطن مكسباً استخباراتياً وسياسياً عبر "تبييض" المعلومات الاستخباراتية من خلال تقارير وكالة الطاقة الذرية، كما حدث في موقع أصفهان، مما يمنح الضربة العسكرية غطاءً قانونياً دولياً لتصفية ما تبقى من البرنامج النووي الإيراني نهائياً، دون الحاجة لتقديم تنازلات سياسية في اتفاقيات جديدة.
٣. حرية الملاحة وحماية المصالح الحيوية
بما أن النظام الإيراني كان يلحق أضراراً جسيمة بالمصالح الأمريكية وحرية الملاحة الدولية، فإن تدمير القدرات البحرية ومنظومات الصواريخ الباليستية يضمن لواشنطن تأمين تدفق التجارة العالمية عبر مضيق هرمز، وحماية القواعد الأمريكية في المنطقة من التهديدات المباشرة، وإنهاء "وهم الإرهاب" الذي يحتمي بمظلة دولة ذات سيادة.
٤. المحافظة على الشعبية
نجح التخطيط الأمريكي في فرض نمط عسكري يتماشى مع "الخطوط الحمراء" للجمهورين؛ وهو حملة محدودة الزمان والمكان تعتمد على القوة الجوية النارية والبحرية الساحقة ( طائرات F-22 والسيطرة الكهرومغناطيسية)، حيث يمكن اعتبار المكسب هنا هو تحقيق نتائج "تغيير النظام" دون الانجرار إلى حروب برية استنزافية مثلما حدث في العراق وأفغانستان، مما يحافظ على شعبية ترامب الداخلية.
٥. السيطرة على الانتخابات
وأخيرا، يعتقد آفي كالون، أنه بامتلاك زمام المبادرة العسكرية، يملك ترامب الآن القدرة على التحكم في الخطاب السياسي والانتخابي، وفرض شروطه على شكل النظام الإقليمي الجديد، لم تعد المسألة "كيف تدخل الحرب"، بل أصبحت كيف تخرج منها بانتصار تاريخي ينهي حقبة وبداية حقبة أمريكية خالصة في المنطقة.





