مع اقتراب امتحانات الثانوية العامة، تدخل آلاف الأسر المصرية فى حالة استنفار غير معلنة. يتغير إيقاع البيت، وتختفى الإجازات والخروجات، وتتحول معظم الأحاديث إلى سؤال واحد: «ذاكرت كام؟» أو «هتجيب كام؟». وفى هذه الأجواء المشحونة يصبح الامتحان أكثر من مجرد اختبار دراسى، ويتحول فى أذهان بعض الطلاب إلى معركة مصيرية تحدد قيمة الإنسان ومستقبله.
ومن الناحية النفسية، فإن الطالب لا يدخل لجنة الامتحان بورقة أسئلة فقط، بل يدخل محملًا بأحلام أسرته، ومخاوفه الشخصية، وتوقعات المجتمع من حوله. ولهذا فإن كثيرًا من الطلاب لا يعانون من صعوبة المناهج بقدر ما يعانون من الضغط النفسى المصاحب لها.
فى العيادات النفسية نلاحظ أن المشكلة الحقيقية ليست الخوف من الامتحان، بل الخوف مما بعد الامتحان. الخوف من الفشل، أو المقارنة بالآخرين، أو خيبة أمل الأسرة، أو ضياع حلم ظل الطالب يخطط له سنوات طويلة. وهنا يبدأ العقل فى صناعة سيناريوهات كارثية تستنزف الطاقة النفسية أكثر مما تستنزفها المذاكرة نفسها.
والحقيقة العلمية أن قدرًا معينًا من القلق أمر طبيعى ومفيد، لأنه يساعد على التركيز والانتباه. لكن عندما يزيد القلق عن حده يتحول إلى عدو للطالب، حيث يؤدى إلى اضطراب النوم، وضعف التركيز، وصعوبة استرجاع المعلومات داخل اللجنة.
كما أن التفكير المفرط أصبح أحد أكبر أعداء طلاب الثانوية العامة. فبعض الطلاب يقضون ساعات طويلة يفكرون فى الامتحان أكثر مما يقضونها فى الاستعداد له. ومع انتشار مواقع التواصل الاجتماعى أصبح الطالب محاصرًا بالمقارنات المستمرة، وصور المتفوقين، والشائعات المتعلقة بصعوبة الامتحانات أو نماذج الإجابات، مما يزيد من مستويات التوتر والضغط النفسى.
ومن هنا تأتى أهمية بعض القواعد النفسية البسيطة التى تساعد الطالب على الحفاظ على توازنه خلال هذه الفترة.
أولًا: تنظيم النوم. فالسهر الطويل لا يعنى بالضرورة مذاكرة أفضل. المخ يحتاج إلى النوم الكافى لتثبيت المعلومات واسترجاعها، ولذلك فإن النوم المنتظم جزء من خطة النجاح وليس رفاهية يمكن الاستغناء عنها.
ثانيًا: تجنب المقارنات. لكل طالب ظروفه وقدراته وسرعته الخاصة فى التعلم. مقارنة النفس بالآخرين لا تزيد التحصيل، لكنها تزيد القلق فقط.
ثالثًا: تقسيم المذاكرة إلى فترات قصيرة تتخللها فترات راحة. فالعقل البشرى ليس آلة تعمل بلا توقف، والإجهاد المستمر يؤدى إلى انخفاض الكفاءة الذهنية مع الوقت.
رابعًا: الابتعاد عن الشائعات ومصادر التوتر غير الضرورية، خاصة فى الأيام الأخيرة قبل الامتحان. فبعض الطلاب يستهلكون طاقتهم النفسية فى متابعة الأخبار والتوقعات أكثر من استهلاكها فى المراجعة الفعلية.
أما بالنسبة للأسرة، فأود أن أوجه رسالة مهمة: ابنك أو ابنتك لا يحتاجان فى هذه الأيام إلى مزيد من الضغوط، بل إلى مزيد من الاحتواء. فالكلمة الطيبة قد ترفع الثقة بالنفس أكثر مما ترفعه ساعات طويلة من المذاكرة تحت التهديد أو المقارنة.
ومن الأخطاء الشائعة أن يربط بعض الآباء حبهم أو رضاهم بالدرجات. هذه الرسالة قد تصل إلى الطالب بشكل غير مباشر، فيشعر أن قيمته الإنسانية كلها معلقة بالمجموع النهائى. والحقيقة أن الدرجات تقيس مستوى التحصيل الدراسى فى فترة محددة، لكنها لا تقيس الذكاء الإنسانى، ولا القدرة على النجاح فى الحياة، ولا قوة الشخصية.
وأود أن أقول لكل طالب: لا تحاول التخلص من الخوف بالكامل، لأن الخوف الطبيعى جزء من التجربة الإنسانية. لكن لا تسمح له بأن يقودك. اجعل القلق دافعًا للاستعداد، لا سببًا للاستسلام. فالثانوية العامة محطة مهمة، لكنها ليست نهاية الطريق، وليست المعيار الوحيد لقيمة الإنسان أو مستقبله.
وفى النهاية، فإن الطالب لا يرسب عادة بسبب صعوبة الامتحان فقط، بل أحيانًا بسبب صعوبة القلق. ولذلك فإن النجاح فى الثانوية العامة لا يحتاج إلى المذاكرة وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى إدارة المشاعر، والحفاظ على التوازن النفسى، والإيمان بأن المستقبل أكبر من امتحان، وأن الإنسان أكبر من مجموع.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



