تبدأ الكارثة الإنسانية عندما تتحول الأفكار البشرية القابلة للنقد، إلى يقين مغلق، ثم إلى هوية إقصائية، لتستقر فى النهاية كمعبد وثنى صلب لا يجوز الاقتراب من أركانه.
فى هذه المرحلة الحرجة، تسقط الحاجة إلى الفلاسفة والمجددين، ويصبح التنظيم بحاجة فقط إلى «سدنة» غلاظ، يحرسون الجمود، ويقدسون الطقوس، ويعيدون إنتاج الكراهية جيلًا بعد جيل.
ولعل أخطر ما رسخه الفكر القطبى فى وعى مريديه، ليس مجرد تقديم تصور تكفيرى للعالم، بل صناعة جدار نفسيّ سميك من «الاستعلاء الوهمى» و«العزلة الشعورية».
فى هذا المختبر النفسى المشوه، لم يعد الآخر شريكًا فى الوطن أو الإنسانية، بل تحول إلى مجرد «موضوع» مؤجل للحكم والتمكين.
ومن مستنقع الاستعلاء الإخوانى المظلم تبدأ المأساة، وتتشكل الشخصيات التنظيمية التى تدير هذا الكيان الإرهابى.
فلم يكن القيادى الإخوانى محمد أحمد البحيرى يومًا من الوجوه الصاخبة التى تملأ شاشات الفضائيات الإخوانية، أو تتصدر العناوين؛ بل كان يمثل «العقل الصامت» الذى يعمل فى عتمة الظل بعيدًا عن الضجيج.
غير أن قوة التأثير داخل هذه الكيانات العقائدية لا تقاس بحجم الظهور، بل بالقدرة الرهيبة على إعادة إنتاج الفكر المتطرف، وصياغة عقول الناشئة، ونقل الفيروس التنظيمى من جيل تنظيم 1965 القديم، وصولًا إلى صراعات الغنائم والاستحواذ على أموال وأملاك الجماعة فى لندن اليوم.
خادم الفكر القطبى
فى كواليس عام 1965، حيث كانت القاهرة تموج بأخطر تحول تنظيمى فى تاريخ جماعة الإخوان المتأسلمين، لم يكن الشاب محمد أحمد البحيرى يجلس فى مقاعد المتفرجين؛ بل كان يخطو خطوته الأولى داخل المختبر السرى الذى صاغ فيه «سيد قطب» قراءته الأكثر تطرفًا للعالم.
لم يكن البحيرى مجرد شاب استهوته العبارات الرنانة أو متعاطف عابر هزته أدبيات «المعالم»، بل كان عجينة لينة تشكل وعيها بالكامل داخل تلك اللحظة الحرجة.
هناك، بين ظلال التحقيقات الأمنية، تشرب أفكار الحاكمية، والمجتمع الجاهلى، والعزلة الشعورية، حتى تحولت من حبر مكتوب إلى عقيدة نفسية لا تقبل الشك.
كان الفكر القطبى بحاجة إلى «أنابيب اختبار بشرية» حية، تحمل الفيروس الأيديولوجى فى صدورها، وتعبر به الحدود، وكان البحيرى هو ذلك الناقل التاريخى.
حمل تلك الظلال الثقيلة معه، ونقلها بصبر وتؤدة إلى دوائر تنظيمية جديدة، وزرعها فى جغرافيات بعيدة لم تطأها أقدام قطب نفسه.
وتنسب له ولأقرانه من السدنة، ولادة أجيال إخوانية جديدة فى عواصم الضباب والغرب؛ أجيال لم تر سيد قطب، ولم تعاصر لحظة إعدامه، لكنها وُلدت، ونشأت، وتربت داخل زنزانته اللغوية، وتغذت على مفاهيمه الإقصائية، واستعارت نظارته السوداء لتكفير المجتمعات والحكم عليها من خلف الشاشات.
كيف عولم البحيرى عزلة قطب من اليمن؟
فى سبعينيات القرن الماضى، حزم محمد أحمد البحيرى حقائبه ومضى صوب اليمن.
على متن تلك الرحلة، لم يكن البحيرى مجرد مدرس مغترب، بل كان حاملًا للفتيل القطبى، يسافر ومعه أرشيف كامل من أدبيات «الحاكمية» و«التمكين».
لم تعد سنوات اليمن مجرد إقامة خارجية، بل تحولت إلى «مختبر إقليمى» لإعادة هندسة الكوادر وصناعة الأتباع.
الخطورة الفائقة لهذه المحطة اليمانية، أنها نزعت عن الفكر القطبى جلبابه المحلى المحدود، ومنحته جواز سفر دولى.
لقد تلوّث الفضاء الفكرى هناك بخطاب عابر للحدود، نجح البحيرى من خلاله فى استنساخ طليعة جديدة من الأتباع، يحملون نفس الملامح النفسية المشوهة، ونفس «العزلة الشعورية» عن مجتمعاتهم.
عندما التقت القطبية بالجهادية فى السودان
مع مطلع التسعينيات، انفتحت فى السودان بوابات زمن التحولات العاصفة، حيث كانت الجغرافيا السياسية للمنطقة بأكملها تُعاد صياغتها على وقع طموحات أيديولوجية جامحة.
لم تعد الخرطوم مجرد عاصمة لدولة عربية أفريقية، بل تحولت بقرار سياسى من نظام «الجبهة الإسلامية» إلى «مغناطيس جيوسياسى» وملاذ آمن لكل التيارات الراديكالية العابرة للحدود، ومسرح مفتوح لاختبار أدبيات «التمكين» وإقامة الدولة التكفيرية فى واقع إقليمى مضطرب.
تحول السودان إلى «سوق عكاظ» للأيديولوجيا المسلحة والتنظيمات السرية؛ حيث التقت على أرضه شبكات متباينة فى المظهر لكنها متطابقة فى الجوهر القطبى.
فى هذا المناخ، برز اسم أسامة بن لادن الذى اتخذ من السودان قاعدة لوجستية واستثمارية لسنوات، إلى جوار قادة الحركات المسلحة والتنظيمات الأممية.
والربط هنا ليس ربطًا جنائيًا أو تنظيميًا مباشرًا بين الأشخاص، بل هو رصد ومكاشفة لطبيعة «البيئة الحاضنة»؛ فقد كان السودان يمثل معمل تكرير أيديولوجى، تلاشت فيه الحدود الفاصلة بين الحركية الإخوانية والسلفية الجهادية.
لندن: صراع السدنة على إرث الغنائم
حطت الرحلة الطويلة لقطار التنظيم السرى أوزارها فى عاصمة الضباب، لندن.
هناك، فى أروقة المكاتب الفاخرة وخلف أرصدة الحسابات البنكية المغلقة، تبخرت شعارات «التجرد» و«الزهد»،لتفسح المجال أمام واحدة من أبشع معارك «صراع الورثة» فى التاريخ الحديث، بعد أن ضربت الانقسامات الهيكلية رأس الكيان الإخوانى وعصفت بمرتكزاته.
لم يعد الخلاف فى دهاليز لندن يدور حول استراتيجيات الدعوة أو الرؤى السياسية المقارنة، بل هبطت لغة الحوار إلى قاع النفوذ، والتمثيل، والاستحواذ على الموارد المليارية.
وفى خضم هذه الحرب الباردة بين أجنحة التنظيم المتصارعة، صعد اسم «سادن الظل» محمد أحمد البحيرى إلى السطح مجددًا، لكنه هذه المرة لم يصعد كمهندس للعقول الضالة فقط، بل كهدف لسهام الاتهامات المتبادلة بالاستيلاء والسيطرة على أصول وممتلكات الجماعة فى الخارج؛ وهى اتهامات لم يصغها خصوم التنظيم، بل سربتها ونشرتها منصات ومجموعات إلكترونية رسمية محسوبة على الإخوان أنفسهم.
لقد تعرى المعبدالفكرى تمامًا أمام مريديه، وتبين أن «الطليعة المستعلية» التى نظّر لها سيد قطب، لم تكن فى نهايتها سوى شركة استثمارية مغلقة، يتصارع شيوخها الثمانينيون علنًا على الغنائم والشركات والأموال السائلة، مما يكتب الفصل الأخير لأسطورة «الإنقاذ الأخلاقى» على يد سدنة لم يحرسوا فى النهاية سوى خزائنهم الخاصة.
الانحياز للذات أم للمعبد؟
حين بلغت الحرب الباردة ذروتها بين جبهتى «لندن» و«إسطنبول»، وانقسم المعبدالإخوانى على نفسه بشكل غير مسبوق، لم يملك «السادن القطبى» ترف البقاء فى المنطقة الرمادية.
اختار البحيرى الاصطفاف بوضوح إلى جانب جبهة لندن.
فى القاموس اللغوى للجماعة، صِيغ هذا الموقف بعناية، ودُبّجت الأدبيات لتظهره فى لبوس «الدفاع عن الشرعية واستقرار الكيان»، وحماية الإرث من التفتت، بينما رفعت جبهة إسطنبول شعار اللوائح !!
غير أن التفكيك النقدى لهذا الخيار يكشف عن وجه آخر أكثر براجماتية؛ وجه يبتعد تمامًا عن النقاء الأيديولوجى المزعوم.
هنا يبرز السؤال الوجودى العارى، الذى يطارد كل أجنحة الجماعة عند مفاصل الانكسار: هل كانت المعركة حقًا ذودًا عن حياض الفكرة وسياج العقيدة؟ أم أنها لم تكن سوى معركة غريزية للدفاع عن «المواقع»، وحراسة الكراسى، وتأمين الحصص داخل شركة استثمارية كبرى أوشكت على الإفلاس الأخلاقى والتنظيمي؟ لقد اختار السادن فى النهاية الانحياز لنفسه، مستخدمًا «الفكرة» القطبية كآخر جدار نفسى يختبئ خلفه قبل سقوط الهيكل بالكامل، فلطالما حلم بمقعد المرشد العام للإخوان، ولعل إصابة صلاح عبدالحق بالزهايمر - كما تؤكد الروايات الإخوانية – هى طريقه لتحقيق حلمه القديم.
ثم يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: إذا كانت رحلة هذا الإرث قد بدأت بشعارات الطليعة والجاهلية والحاكمية، وانتهت إلى انقسامات وصراعات داخلية واتهامات متبادلة، فهل كانت الأزمة فى الرجال، أم فى الفكرة التى جعلت التنظيم أعلى من الوطن، واليقين الأعمى أعلى من المراجعات، والطاعة الجاهلة أعلى من الحقيقة؟
والإجابة هى أن المأساة ولدت من ذلك «المختبر العقائدى» الذى صمم فكرة متعالية، تمنح الأتباع صكًا وهميًا باحتكار الحقيقة وتكفير مجتمعاتهم تحت لافتة «الحاكمية»، وتدربهم على تقديم «الطاعة المطلقة» لسراديب التنظيم على حساب ضمائرهم الحية.



