رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

يظل فنان الكاريكاتير حالة وجدانية خاصة يدرك حجم المعاناة ويسخر أفكارًا تظل تحفر فى وجدان المتلقى وسيلة تعينه على إدراك مفردات الواقع ومهما حاول فن الكاريكاتير يظل فنا تحريفيا يدرك المعاناة ويعبر عنها فهو لسان حال مجتمع.. وعندما بدأت الشرارة الأولى لهذا الفن حاول الفنان المصرى القديم تقديم صورة واقعية مختومة بالسخرية والمرارة على جدران المعابد وفى برديات ساخرة تعبر عن الأوضاع المقلوبة التى يعانى منها السواد الأعظم وتجمعت خيوط هذا الفن ليغزل الفنان على «نول» من المعاناة بعد ذلك الأفكار والرسوم ذات الدلالات التعبيرية القاسية الجانبية التى تضىء ظلمة العتمة.. ومع توالى الأجيال ظهر جيل ثورة يوليو جيلاً متفقاً مع مبادئ وأفكار الثورة، عاش الحلم والواقع معا.. كان جيل فنانى الكاريكاتير على صفحات الوليد الصغير الكبير الشاب «صباح الخير» يمثلون حالة فنية خاصة.. جيل وضع قواعد جديدة لهذا الفن الذى بدأ سياسيا وتراجعت الأفكار الاجتماعية بعض الشىء.. أدركت مجلة صباح الخير أن فن الكاريكاتير أصبح ضرورة ملحة لتوصيل الأفكار والمعانى لجيل يستنشق عبير الديمقراطية ويسعى لتأكيد معانى ومبادئ جديدة فكان الإنتاج الكاريكاتيرى غزيرا جدًا.. وبرزت أسماء كبيرة مثل صلاح جاهين.. بهجورى. رجائى.. حتى كان عام 1958 الذى يحمل ريشة مصرية صميمة ريشة الفنان دياب ابن الشرقية.. كانت ريشة دياب بلسما شافيا وسط كوكبة من فنانى الكاريكاتير يضع كل منهم أسلوبا خاصا به، كان دائما يدرك أنه لا بد من وجود قضية ليعيش الكاريكاتير فهو ينشأ فى مناخ حافل بالقضايا الكثيرة.. يظل دياب ببساطة الفلاح وسخرية الفيلسوف وعبقرية الفنان وشاعرية الشاعر آلة وجدانية فى ضمير الوطن فالصفاء والحميمية والتلقائية الساخرة فى ريشته تصل دائما إلى المتلقى دون حاجز.. لا يحتاج دياب إلى موصل فهو قادر على كسر كل الحواجز بريشته البارعة.. تربى داخل وسط علمى لأب هو الدكتور محمود دياب وعمه المفكر توفيق دياب، ذهب إلى كتاب القرية ترك الشيخ يقرأ للأولاد وانهمك فى رسمه بصورة ساخرة لينال علقة ساخنة على هذا التصوير الساخر وكانت هذه العلقة فاتحة الخير ليحمل ريشته ويحارب على صفحات المجلات والجرائد، يسافر خارج الوطن لمدة طويلة يرسم فى دول أخرى ذات ثقافات مختلفة وتظل ريشته ثابتة قادرة على مواجهة الواقع.. وفى بداية عمله بالكاريكاتير ابتكر شخصيته الوحيدة «محمود بك عبدالماضى» ليمثل طبقة تعيش على أفكار بالية رافضة الواقع، فقد كانت مستفيدة من الأوضاع السابقة وقد تميزت الشخصية بالتعبير الحقيقى عن هذه الطبقة وكشفت زيف وخداع هؤلاء. 

 

 ظهرت شخصية محمود بك عبد الماضى بريشة الفنان دياب على صفحات مجلة صباح الخير 1958 كرمز لرجل مازال يعيش أحلام باشوات ما قبل الثورة كتعبير عن رفض فئة المنتفعين من الأفكار المتخلفة فهو مازال متمسكا بأفكار خاصة به وحده رافضا التغيير الذى حدث فى الشارع المصرى بعد الثورة... وقد ابتكرها الفنان دياب بتكليف من الأستاذ حسن فؤاد ويتذكر الفنان دياب هذه الشخصية قائلاً: عندما طلب منى ابتكار شخصية تظهر على صفحات صباح الخير ظل هذا مشهدا عالقا بذهنى ... وهو أن أحد الباشوات فرض على أهالى البلدة عدم ركوب الحمير عندما يكون فى شرفة منزله وفى أحد الأيام ركب أحد الفلاحين الحمار ومر أمام منزل الباشا وتأكد من عدم وجوده فلم ينزل من فوق الحمار.. فما كان من الباشا إلا وأمر بجلد هذا الفلاح مائة جلدة لأنه لم ينزل من على الحمار عندما رأى كلب الباشا أمام المنزل!! وقد نجحت الشخصية وتألق الفنان بأفكار جميلة وخطوط معبرة واضعاً مدرسة جديدة ضمت كوكبة جيل رائع أثرى فن الكاريكاتير. 

والمتابع لأعمال الفنان دياب يحس بمدى التعبير عن الواقع ومصرية أعماله بصورة كبيرة فرغم دراسته وتأثره فى البداية برسوم الفنان الفرنسى «ريمون» فى أخبار اليوم عندما رسم صورة تعبر عن تفشى مرض «السل» إلا أنه عندما بدأ يرسم كانت رسوم المصرى القديم دليله للدخول لهذا العالم العجيب، إنها سلسلة متوازنة للأجيال رفض دياب التغريب فى الفن ولكنه لم يرفض التجريب وظل يجرب حتى وصل إلى بر الأمان فى أسلوب سلس اعتمد على الخط السميك الأسود فى تعبير راق وألوان جذابة وفكرة بسيطة مختصرة عميقة الأثر.. وظل قلمه الأسود السميك لا يتغير، صاحب مواقف ثابتة يستمد مداده من دواية أعماق فنان مصرى شديد المصرية، ملامحه لا تختلف عن أشخاص مصر العاديين.. ابن بلد شهم أصيل عندما تجلس معه يظل يتذكر أستاذه إبراهيم حسين الذى كان يشجعه ويتذكر مصطفى متولى الذى دفعه إلى كلية الفنون الجميلة.

اختارت ريشة القديس أن تستريح تاركاً محرابه الإنسانى إلى عالمه الرحب بأخلاقة التى تعلمنا منها الصدق قبل الفن والعمق بداية الوصول الى المتلقى .. سكنت الريشة وبقى الأثر الطيب للفنان الطيب. 

 


نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط