بعض القضايا تنتهى عند أبواب المحاكم، وبعضها يبدأ منها. فالحكم القضائى أو نتيجة التحقيق قد يغلق ملف الواقعة، لكنه لا يغلق بالضرورة الأسئلة التى كشفتها، بل إن أخطر ما فى بعض الأزمات ليس ما يقال عنها، وإنما ما تفضحه من فراغات فى الوعى والقانون والإجراءات.
ومن هذا الباب يمكن النظر إلى الجدل الذى أثارته قضية مستشفى الشاطبى الجامعى للنساء والولادة بالإسكندرية. فبعيدًا عن الاتهامات التى جرى تداولها، وبعيدًا عن الروايات المتناقضة وما انتهت إليه التحقيقات من نتائج، يبقى السؤال الأهم،هل يعرف المواطن المصرى حقوقه كاملة داخل المنظومة الطبية؟ وهل يعرف فى المقابل حدود تلك الحقوق؟ وهل توجد آليات واضحة ومعلنة تضمن للمريض الحماية وتضمن للطبيب العدالة فى آن واحد؟
لقد انشغل كثيرون بالقصة، وانقسمت مواقع التواصل بين مصدق ومكذب، وبين مدافع ومهاجم، لكن قليلين فقط توقفوا أمام حقيقة أكثر أهمية، أن العلاقة بين المريض والطبيب ليست علاقة عادية يمكن أن تدار بمنطق الانطباعات أو الشائعات أو المنشورات الإلكترونية.
فهى من أكثر العلاقات الإنسانية حساسية وتعقيدا، علاقة يدخل فيها المريض إلى غرفة الكشف محملاً بالخوف والألم والقلق، ويضع بين يدى الطبيب جسده وأسراره وأحيانا حياته كلها. ولذلك لم تترك الحضارات الحديثة هذه العلاقة للأهواء أو الاجتهادات الشخصية، بل أحاطتها بسياج من القوانين والبروتوكولات والأعراف المهنية الصارمة.
ومن هنا يبرز سؤال مشروع يجب أن يطرح بهدوء ومسئولية، هل يعرف المرضى فى مصر حقوقهم الطبية كما ينبغى؟ وهل تُعلن هذه الحقوق بصورة واضحة داخل المستشفيات العامة والخاصة والجامعية والمراكز الطبية؟ وهل يعلم المواطن إلى أى جهة يتوجه إذا شعر بوجود تجاوز مهنى أو أخلاقى؟ وما هى الخطوات والإجراءات التى تضمن له حق الشكوى والتحقيق والإنصاف؟
وفى المقابل، هل يدرك المجتمع حجم الضرر الذى يمكن أن يقع على طبيب أو مؤسسة طبية بأكملها جراء اتهامات يتم تداولها على نطاق واسع قبل أن تقول جهات التحقيق كلمتها؟ وهل أصبح من المقبول أن تتحول منصات التواصل الاجتماعى إلى ساحات لإصدار الأحكام النهائية دون دليل أو تحقيق أو مواجهة؟
الحقيقة أن حماية المريض لا تكون بالتشهير، كما أن حماية الطبيب لا تكون بالتستر، حماية الاثنين معاً تبدأ من وجود قواعد واضحة يعرفها الجميع وتطبق على الجميع دون استثناء.
فإذا كان من حق المريض أن يشعر بالأمان والاحترام والخصوصية أثناء تلقى العلاج، فمن حقه أيضًا أن يعرف الضوابط المنظمة للكشف الطبى فى الحالات الحساسة، والظروف التى تستوجب وجود مرافق أو طرف ثالث، وآليات الاعتراض والتوثيق والشكوى.
وإذا كان من حق المجتمع أن يطمئن إلى سلامة الممارسة الطبية، فمن واجبه أيضًا أن يمنح الطبيب حق الدفاع عن نفسه وألا يدينه قبل ظهور الحقائق.
ولا يجوز كذلك أن تتحول الوقائع الفردية، أيا كانت، إلى منصة للطعن فى الطب المصرى أو التشكيك فى آلاف الأطباء الذين يحملون سمعة علمية ومهنية مشرفة داخل مصر وخارجها.
فالأمم القوية لا تهدم مؤسساتها بسبب خطأ فردى، وإنما تعالج الخطأ وتحاسب مرتكبه وتحافظ فى الوقت نفسه على المؤسسة.
والأخطر أن بعض التيارات المتشددة وجدت فى مثل هذه الوقائع فرصة لإعادة إنتاج خطاب قديم ينظر إلى العلاقة الطبية بمنظار الشبهة لا بمنظار العلم، ويختزل عملية العلاج كلها فى تصورات ضيقة لا ترى الطبيب معالجا وإنما ترى فيه رجلًا، ولا ترى المريضة مريضا وإنما ترى فيها امرأة، وهى رؤية لا تنتمى إلى الطب ولا إلى العصر، وتتناقض مع جوهر الرسالة الإنسانية للمهنة.
إن القضية الحقيقية التى كشفتها أزمة الشاطبى ليست صحة رواية أو بطلانها، وليست إدانة شخص أو تبرئته.
القضية الحقيقية هى بناء منظومة ثقة لا تعتمد على حسن النوايا، بل على القواعد الواضحة والحقوق المعلنة والإجراءات الملزمة.
فالدول الحديثة لا تحمى م
رضاها بالشائعات، ولا تحمى أطباءها بالمجاملات، ولا تدير أزماتها عبر «التريندات»، إنها تحمى الجميع بالقانون.
وحين يكون القانون حاضرًا، والحقوق معلنة، وآليات الشكوى معروفة، والمحاسبة عادلة، فلن يخاف المريض من الطبيب، ولن يخاف الطبيب من الاتهام، وستبقى غرفة الكشف مكانًا للعلاج والرحمة، لا ساحة للصراع والشكوك والاتهامات.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



