طبيعة النشاط الاقتصادى العالمى تجعله عُرضة للتقلبات والأزمات، وتُعتبر الدول الكُبرى الأكثر تأثيرًا هى المسئولة بحُكم طبيعة الأشياء لأن تُبادر لتجاوز الأزمات وضمان استقرار الاقتصاد العالمى، وقد واجه الاقتصاد العالمى أزمة كبرى فى سبعينيات القرن الماضى وكانت تلك الأزمة مُرتبطة بارتفاع أسعار النفط، وحاجة التنظيم الاقتصادى لإعادة هيكلة، وهنا تصدت لهذه الأزمة، كل من بريطانيا، وفرنسا، والولايات المُتحدة الأمريكية، وألمانيا، وإيطاليا، وكندا، واليابان، حيث اجتمعت تلك الدول لإيجاد حلول لتلك الأزمة، ثم تطور الأمر لتُشكل هذه الدول السبع تكتلاً يُعد من أهم التكتلات الاقتصادية والسياسية فى العالم، سيما مع قدرة أعضاء هذا التكتل فى التأثير على مؤسسات التمويل الدولية، والتجارة العالمية، وأسواق الطاقة، وغيرها من أوجه التنظيم، والنشاط الاقتصادى العالمى. وتأتى القمة الحالية للتكتل فى ظل أزمات عالمية مُتتالية ترتب عنها اضطرابات واسعة فى الاقتصاد العالمى بفعل مُتغيرات الحروب، والصراعات الاقتصادية التى حالت من تعافى طال انتظاره للاقتصاد العالمى الذى ينطلق فى مسار صراعات جيوسياسية، وهو الأمر الذى يُبرز أهمية هذه القمة التى تنعقد لتبحث عن حلول وسيناريوهات لتجاوز الواقع الاقتصادى الحالى.
وتُعد دعوة مصر لحضور هذه القمة بمثابة اعتراف بقدرتها على التأثير، وبما تمتلكه من أوراق سياسية واقتصادية، فمصر تُمثل بوابة إفريقيا، ونقطة التقائها مع آسيا وأوروبا، وتتحكم فى أهم الممرات الملاحية العالمية. كما أنها تُعد من أكثر الدول العربية والإفريقية تأثيرًا فى مُحيطها الإقليمى، وتقوم بأدوار مهمة فى الكثير من الملفات التى تؤثر فى الأحداث العالمية بما فى ذلك دورها فى دعم الاستقرار بليبيا والسودان، ودعم مسار السلام فى غزة، وإنهاء الحرب فى إيران، وهو ما جعل من الاستماع للرؤية المصرية أمرًا بالغ الأهمية، وتصوراتها لمسارات الاستقرار محل اهتمام لأن تُدرج فى خُطط المُستقبل للعالم فى تلك المنطقة.
فمصر التى عززت من وجودها فى قارتها الإفريقية خلال السنوات الأخيرة، واندمجت فى تحدياتها، وترأست اتحادها الإفريقى دائما ما تتحدث وبصدق عن هموم وتحديات قارتها الإفريقية وتقدم التصورات لتجاوزها.
كما أن الاقتصاد المصرى الذى واجه خلال السنوات الماضية أزمات مُتتالية وتأثر بأزمات خارجية غير مسبوقه، نجح فى أن يصمد ويخرج من تلك الأزمات مُعلنًا عن نفسه كنموذج يربط بين الحلول المحلية ومُراعاة معايير التعاون الدولى، وهو الأمر الذى يجعل مصر بمثابة قصة نجاح قادرة على إحداث الفارق سيما بما تمتلكه من قوة سكانية هائلة، واقتصاد متنوع، وسوق ضخمة، ومناخ استثمار تم تهيئته بصورة كبيرة وأصبح جاهزًا لمزيد من الانطلاق، كل كان دافعًا لدعوة مصر لتلك القمة.
وقد حرصت مصر على التواجد، وعرض رؤيتها تجاه القضايا العالمية والإقليمية، كما أنه من المتوقع أن ينعكس الوجود المصرى على تعزيز فرص الترويج للفرص الاستثمارية واستقطاب مزيد من الاستثمارات الأجنبية المُباشرة، بما يُعزز من الشراكات الاقتصادية المصرية بما فى ذلك مجالات البنية الأساسية والطاقة الجديدة والمُتجددة، والتحول الرقمى، وغير ذلك من استثمارات المُستقبل، حيث تكون هناك فرص مهمة فى الترويج للواقع الاقتصادى المصرى، والتفاعل مع الشركاء الدوليين حول القضايا الاقتصادية والاستراتيجية، والبناء على ما سبق القيام به من أجل مُستقبل أفضل للجميع.
وهكذا نجد أن مصر تفرض وجودها على المشهد العالمى بحكم الواقع، وهى لا تبحث عن مُشاركة أو عضوية برتوكولية، ولكنها تبحث عن واقع يحتاج إلى إصلاح، فطبيعة تكتل الدول السبع الذى لا يُعد فى ذاته مُنظمة دولية تمتلك أمانة دائمة، تجعل المُشاركة الفاعلة أهم من الوجود الشكلى، وهكذا فإن أهمية المُشاركة المصرية لا تكمن فى استهداف عضوية دائمة بتلك المجموعة بقدر ما يستهدف المُشاركة فى صُنع القرار العالمى، وتعزيز تحالفاتها الدولية، وتوسيع قدرتها على جذب الاستثمارات،
فالوجود المصرى أصبح واقعًا فى قمة الدول السبع، وغيرها من التكتلات الكبرى حتى ولو لم تكن مصر عضوة دائمة بها وهو ما يُعد اعترافًا دوليا بالدور المصرى، وإعلان عالمى بأن مصر شريك أساسى فى صياغة مُستقبل العالم، وهو الأمر الذى قد ينتج عنه توسع مصر فى عضويتها فى تكتلات اقتصادية كبرى مُستقبلًا بما فيها مجموعة الدول السبع، فمصر تمضى فى مسارها صامدة، ومُبادرة، وقادرة بكل عزم وتصميم، على أن تخلق لنفسها، مكانة تستحقها فى نظام عالمى جديد يتشكل بخشونة، بينما تؤثر مصر فى صناعته بكل حكمة واتزان.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



