رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

​تُعد الصورة الفوتوغرافية مستنداً حياً داخل صندوق الذكريات، فهي توثق حدثاً، أو مرحلة عمرية، أو مناسبة سعيدة نمر بها في مختلف محطات الحياة، وخاصة الصور الجماعية التي تخلد في ذاكرتنا أشخاصاً وأماكن تضفي على قلوبنا السعادة وتبعث في نفوسنا البهجة، كما تجسد أسمى معاني الروابط الإنسانية.

 

فالصورة ليست مجرد ورقة نقتنيها، أو كارتا محبوسا داخل ألبوم، أو لوحة معلقة في إطار على الحائط، بل هي منبع حكايات متنوعة، منها ما يسعد القلب، ومنها ما يثير الشجن والحزن وذلك نظرا لفراق أصحابها.

 

الصورة الفوتوغرافية منتج كغيره من المنتجات التي تتطور مع الحداثة التكنولوجية، حيث شهدت منذ ولادتها الأولى محطات كثيرة ومتنوعة، بداية من استخدام الأفلام وتحميضها داخل الغرف المظلمة، مروراً بالصورة الفورية، ووصولاً إلى عالم الثورة الرقمية "الديجيتال" وخوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تشكل واقعنا الراهن.

 

​وقد نالت مهنة المصور نصيباً وافراً من هذا التطور الرقمي مع احتفاظها بأبعادها التجارية والاجتماعية، حيث تحول المصور إلى فنان وموثق للواقع، فالمصور الصحفي استطاع ترجمة القصة أو الحدث إلى لقطة تجسد مقولة "صورة بألف كلمة"، ومصور الشارع يوثق حياة الناس العفوية، ومصور المناسبات يخلد اللحظات السعيدة الخاصة بكل عائلة، إلى أن واكبت المهنة متطلبات العصر الحديث عبر ظهور استوديوهات "اللوكيشن" المجهزة بأحدث الوسائل التقنية لإنتاج الصور "سيشن"، والفيديو "الريلز" باحترافية عالية، الأمر الذي جعل المصور يحظى بالعديد من الألقاب، منها: "مهندس البهجة، صانع الذكريات، ساحر الصورة، حارس الذاكرة، صانع الابتسامة".

 

​ومع هذا التحول المتسارع في عالم التصوير، وإلى جانب انتشار ظاهرة "هوس التصوير" لدى قطاع كبير من المجتمع، تحولت هذه المهنة في الآونة الأخيرة إلى مصدر رزق أساسي ونافذة حياة للكثير من أصحاب المواهب والشغف خاصة ممن يمتلكون المعدات صاحبة الحداثة التكنولوجية التي تؤهلهم لذلك، وقد أسهم هذا الأمر في انتشار هؤلاء المبدعين في الميادين العامة، والشواطئ الممتدة، والحدائق، وكل بقعة سياحية تتسم بلمسة جمالية تستفز العين وتغري الذاكرة، بحثاً عن لقمة العيش أو إشباعاً لرغباتهم وهواياتهم الفنية.

 

​اليوم مع ظهور الهواتف الذكية ذات الكاميرات عالية الدقة واكتساح تقنيات الذكاء الاصطناعي بات المصور يواجه تحدياً كبيراً بعد أن أصبح الجميع يحمل كاميرا في جيبه، ورغم ذلك يظل المصور الحقيقي متميزاً بـ "العين الإبداعية" والخبرة الفنية التي تطوع الآلة لصالح الفكرة، لذا لم يعد المصور مجرد ملتقط للمشهد، بل هو "ناقل الروح والإحساس"، وذلك بفضل ما يمتلكه من قدرات على استشعار نبض اللحظة وعفويتها، وهي تفاصيل تعجز أحدث البرامج عن ابتكارها.

 

​ورغم قدرة برامج الذكاء الاصطناعي على تحقيق الإبهار البصري، فإن الصور التي تصنعها غالباً ما تأتي باردة وجافة، تفتقر إلى الحيوية التي لا يستشعرها سوى الإنسان، ومن هنا ستظل الطفرة التكنولوجية "من ذكاء اصطناعي وفوتوشوب وغيرهما" مجرد أدوات مساعدة في يد المصور الفنان لتحسين منتجه، لكنها لن تستطيع أبداً سلب مكانة من يرى الجمال بقلبه قبل عدسته، ليظل المصور البشري هو السيد الأول والملهم في عالم الصورة.

 

​ختاماً.. علينا أن نثق في عقولنا وقدراتنا التي ميزنا الله بها، وعلى كل مبدع أن يؤمن بموهبته ويواجه التحديات بثقة، متيقناً من أن التكنولوجيا ما هي إلا أداة للتحسين لكنها ليست بديلاً للبشر، تذكر دائماً أن هذه التقنيات هي من صنع العقل الإنساني، وهنا يكمن القرار؛ بيدك أنت أن تقود الآلة، أو تدعها تقودك.

 

تم نسخ الرابط