"كنت داخل أجيب حاجة.. نسيت هي إيه!".. جملة نكررها كثيرًا دون أن نتوقف عندها.. نضحك أحيانًا على نسيان المفاتيح أو الهاتف أو اسم شخص قابلناه منذ أيام، ونعتبر الأمر علامة على التقدم في العمر أو كثرة الانشغال، لكن الحقيقة أن النسيان ليس دائمًا عيبًا في الدماغ، بل هو في كثير من الأحيان دليل على أنه يعمل كما ينبغي.
العقل البشري يتعامل يوميًا مع آلاف المعلومات والصور والأصوات والمواعيد والرسائل والتنبيهات، ولو احتفظ بكل شيء بنفس الدرجة من الأهمية، لتحولت الحياة إلى فوضى لا تطاق، لذلك فإن الدماغ يمارس عملية انتقاء مستمرة، يحتفظ فيها بما يراه مهمًا ويتخلص مما يعتبره أقل أهمية.
لم يعد ينظر العلماء إلى النسيان باعتباره فشلًا للذاكرة، بل عملية نشطة تساعد الإنسان على التركيز واتخاذ القرار والتكيف مع الواقع، فالدماغ لا يتذكر كل شيء، لأنه ببساطة لا يحتاج إلى تذكر كل شيء، لكن ماذا يحدث عندما ينسى الإنسان ما لا ينبغي نسيانه؟
قبل أيام، ضجت السوشيال ميديا بواقعة مؤلمة لأب نسى طفله داخل سيارة مغلقة لساعات، فلم يتحمل الطفل المسكين وفارق الحياة، في مشهد يبدو أقرب إلى فيلم سينمائي منه إلى الواقع، فجميعنا يتذكر فيلم "وحدي في المنزل"، عندما نسي أفراد الأسرة طفلهم في البيت وسافروا بدونه .. كان الأمر كوميديًا لأن الطفل نجح في أن يدبر أموره، بل ويتفوق على اللصوص أيضًا، أما في الواقع، فلا يمكن لطفل في الثالثة من عمره أن يتصرف كبطل فيلم، لا يستطيع كسر زجاج السيارة، ولا الاتصال بأحد، ولا حتى إدراك الخطر الذي يحيط به.
السؤال الذي طرحه الجميع بعد الحادثة المؤلمة: كيف يمكن لأب أن ينسى طفله أصلًا؟
الإجابة الصادمة أن الأمر قد يحدث نتيجة ما يسميه علماء الأعصاب "الذاكرة المستقبلية"، وهي الذاكرة المسؤولة عن تذكر ما نخطط لفعله لاحقًا، فعندما يتعرض الإنسان لضغط شديد أو يخرج عن روتينه المعتاد، قد يسيطر "الطيار الآلي" في الدماغ، فيقود الأب إلى العمل بالطريق المعتاد ناسيًا أن الطفل ما زال في المقعد الخلفي.
والمقصود بـ"الطيار الآلي" هنا ليس جهازًا حقيقيًا، بل حالة عقلية يؤدي فيها الإنسان المهام الروتينية بشكل تلقائي تقريبًا دون تركيز واعٍ كامل، فالأب الذي يسلك الطريق نفسه إلى العمل كل يوم قد يقود سيارته وهو منشغل في التفكير بمشكلات العمل أو ضغوط الحياة، فيتولى المخ تنفيذ الروتين المعتاد تلقائيًا، وفي لحظات الإرهاق أو التوتر الشديد، قد يطغى هذا "الطيار الآلي" على الذاكرة المسؤولة عن تذكير الإنسان بالمهام الاستثنائية، مثل التوقف أمام الحضانة أو إنزال الطفل من السيارة، فتقع الكارثة في ثوانٍ معدودة.
الضغط النفسي وكثرة المهام وقلة النوم والتشتت المستمر كلها عوامل تؤثر في قدرة الدماغ على تخزين المعلومات واستدعائها، وتشير أبحاث متعددة إلى أن التوتر المزمن قد يضعف بعض وظائف الذاكرة والتركيز مؤقتًا.
وهنا يظهر السؤال التقليدي: هل الرجال ينسون أكثر من النساء؟
الدراسات لا تقدم إجابة قاطعة في كل أنواع الذاكرة، لكن بعض الأبحاث واسعة النطاق وجدت أن الرجال يشتكون من مشكلات النسيان أكثر من النساء في مختلف الأعمار، خاصة فيما يتعلق بتذكر المواعيد والتواريخ والأحداث اليومية، وقد وجدت إحدى الدراسات النرويجية التي شملت أكثر من 37 ألف شخص، أن الرجال سجلوا معدلات أعلى من الشكوى من مشكلات الذاكرة مقارنة بالنساء.
وربما لهذا السبب تحولت بعض الأمور إلى نكات متكررة، كالرجل الذي ينسى عيد الزواج، أو تاريخ الخطوبة، أو قائمة المشتريات التي أوصته بها زوجته قبل خمس دقائق فقط.
في المقابل، تشير أبحاث أخرى إلى أن النساء غالبًا ما يتفوقن في تذكر التفاصيل الاجتماعية والوجوه والمحادثات، بينما قد يركز الرجال أكثر على المعلومات المرتبطة بالمهام أو الاتجاهات أو الأنشطة العملية، ومع ذلك تبقى الفروق الفردية أكبر بكثير من الفروق بين الجنسين.
المشكلة الحقيقية ليست أن ننسى أين وضعنا النظارة أو ماذا كنا نريد من الثلاجة، لكن المشكلة أن حياتنا الحديثة أصبحت مصممة لإرهاق الذاكرة، عشرات الرسائل، ومئات الإشعارات، ومهام العمل، وضغوط الأسرة، وأخبار لا تتوقف، ووسط كل هذا الزحام، يبدو النسيان أحيانًا كأنه وسيلة دفاع يتبناها العقل لكي ينجو.
لذلك، في المرة المقبلة التي تنسى فيها اسم شخص أو مكان وضع هاتفك، لا تقلق كثيرًا، ربما يكون دماغك فقط يحاول ترتيب الفوضى، لكن إذا كنت أبًا أو أمًا، فتذكر دائمًا أن هناك أشياء لا يملك النسيان رفاهية الاقتراب منها .. وعلى رأي المطرب الراحل هاني شاكر: "نسيانك صعب أكيد" .. وبعض أنواع النسيان أصعب مما نتخيل.




