الخميس 09 يوليو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

هرمز يشعل المواجهة.. وترامب يواجه حربًا بلا نهاية

بوابة روز اليوسف

لم تعد الهدنة الهشة التي سادت الأجواء منذ أشهر صامدة أمام رياح التصعيد؛ فقد استفاقت المنطقة على وقع ضربات أمريكية مركزة استهدفت مواقع إيرانية، جاءت ردًا مباشرًا على اعتداءات طالت سفناً تجارية في مضيق هرمز.

 

هذه التطورات لم تكن مجرد مناوشات عابرة، بل اعتُبرت الخرق الأكبر لمذكرة التفاهم التي وُقعت في 17 يونيو، وهو ما دفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى إعلان انتهاء وقف إطلاق النار رسمياً، منهياً بذلك آمالاً كانت معقودة على تحويل التهدئة إلى سلام مستدام.

 

تتجلى اليوم ملامح مرحلة جديدة من المواجهة، حيث تجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة للانغماس في صراع طويل الأمد لا تبتغيه، مدفوعة بوقائع ميدانية تفرضها طهران. وما نشهده ليس مجرد تصعيد عسكري، بل هو تحول جوهري في طبيعة النزاع، حيث تتداخل الحسابات السياسية مع الضرورات الميدانية، مما يجعل من احتمالية الوصول إلى تسوية نهائية أمراً بعيد المنال في ظل المعطيات الراهنة.

 

رهانات هرمز

تتمحور هذه الجولة من الصراع حول السيطرة الحصرية على ممر الطاقة الأكثر حيوية في العالم؛ فحسب الرواية الأمريكية تسعى إيران إلى فرض ترتيبات أمنية تمنحها نفوذًا أكبر على حركة الملاحة، فبينما نصت التفاهمات السابقة على ضمان مرور آمن للسفن التجارية دون قيود لمدة 60 يوماً، تحولت "طرق الملاحة" إلى ساحة للمواجهة.

 

وترفض طهران المسارات الدولية المعتمدة (طريق عُمان)، وتطالب بجعل حركة السفن بمحاذاة سواحلها لضمان هيمنتها الكاملة، مستخدمةً القوة والتهديد لفرض هذا الواقع، وفقاً لصحيفة "نيويورك تايمز".

 

وتكمن معضلة هذا الصراع في تباين موازين القوى بين الطرفين، حيث تملك واشنطن التفوق العسكري الكاسح، لكنها تكبل نفسها بإرادة سياسية رافضة لسيناريوهات الحرب الشاملة أو التورط في احتلال بري يستنزف مواردها. في المقابل، تراهن طهران على صلابة الإرادة السياسية التي تبلورت في عقلية النظام الحاكم بعد فقدان قياداته التاريخية؛ إذ تحول النظام إلى كيان أكثر عسكرة وتشدداً، مستعداً لدفع أثمان اقتصادية باهظة مقابل إثبات نفوذه الإقليمي باستخدام أسلحة منخفضة التكلفة كالمسيرات والقوارب الهجومية، متحدياً بذلك الضغوط الغربية.

 

انتحار سياسي

ورغم هذا التصلب، يظل الاقتصاد هو "نقطة الضعف" الأكثر إيلاماً في الجسد الإيراني، فالحصار الأمريكي المستمر والضربات الجوية الانتقائية بدأت تنهك البنية التحتية العسكرية والاقتصادية للبلاد، مما يضع صناع القرار في طهران أمام خيارات صعبة. غير أن حسابات الداخل تمنع أي تراجع؛ إذ يُنظر إلى الحرس الثوري باعتباره اللاعب الأكثر تأثيرًا، مما يجعل أي انفتاح على التفاوض مع واشنطن أقرب إلى "الانتحار السياسي" في نظر المتشددين، خاصة مع توجس القادة من مصير مشابه لقادة تاريخيين دفعوا حياتهم ثمناً لاتفاقات السلام، وفقاً لتقديرات وكالة "أسوشيتد برس" الأمريكية.

 

على الجانب الآخر من المحيط، يجد ترامب نفسه في مأزق داخلي معقد؛ فهو يفتقر للدعم الشعبي والسياسي لخوض حرب مفتوحة، وفي الوقت ذاته لا يريد الظهور بمظهر القائد الذي خسر أوراق الضغط النووي أو تخلى عن أمن الممرات البحرية. هذا التضارب دفع الإدارة الأمريكية لتعليق آمالها على الفوائد الاقتصادية للمذكرة، مغفلةً أن طهران قد تعطي الأولوية لسيادتها الأمنية على مكاسبها الاقتصادية الموعودة، حسب "أسوشيتد برس".

 

وتشير القراءات الاستراتيجية إلى أننا بصدد العودة إلى حالة الصراع المجمد التي سادت قبل اندلاع أزمات الربيع؛ فهي مرحلة تتجاوز عتبة الهدنة ولا تصل إلى مستوى الحرب الشاملة. ستبقى الضربات المتبادلة سمة المشهد القادم، وسيظل مضيق هرمز يعيش حالة من عدم اليقين الأمني، وسط توازن هش بين رغبة واشنطن في تجنب التصعيد الشامل، وإصرار إيران على تثبيت أقدامها كقوة إقليمية مهيمنة، ليظل المشهد الدولي معلقاً في منطقة رمادية.

ميناء كوهستك جنوب إيران، بالقرب من مضيق هرمز، الذي تعرض للقصف الأمريكي بالأمس 
ميناء كوهستك جنوب إيران، بالقرب من مضيق هرمز، الذي تعرض للقصف الأمريكي بالأمس 
تم نسخ الرابط