بقلم : أسامة سلامة
ما دام اعتبرت الحكومة جماعة الإخوان منظمة إرهابية، وصادرت أموالها.. وطالما تم التأكد أنها وراء العمليات الإرهابية، فلماذا لا نعوّض الضحايا من أموال الجماعة المصادرة، وهى بالملايين إن لم تصل إلى المليارات؟
لقد قررت الدولة صرف تعويضات قيمتها خمسة آلاف جنيه للقتيل، وألفان للمصاب، فى جريمة تفجير مديرية أمن الدقهلية، وصرفت مثلها وربما أقل لضحايا حوادث الإرهاب السابقة.. ولا أدرى مَن قدَّر قيمة الإنسان بهذا المبلغ الهزيل، الذى لا يكفى مصاريف الدفن أو الجنازة؟!
وإذا كانت الدولة تشكو من الفقر وقلة الحيلة، فأمامها أموال الجماعة، والتى عليها شرعًا وقانونًا تعويض مَن تسبّبت فى مقتلهم أو إصابتهم، بتعويضات مناسبة تقى أسرهم شرور الحياة، خصوصًا أن معظمهم من البسطاء.. فهم إما «عساكر مجندون»، وهؤلاء من أفقر الأسر وأكثرها بؤسًا، وإما مواطنو «الطبقة الوسطى» وما تحتها، والقليل منهم -فقط- هم مَن ينتمون إلى الطبقة الثرية، غير المحتاجة.
لا أحد يدفع ثمن الإرهاب مثل المواطنين العاديين والفقراء، يموتون فجأة، يُيَتّم أطفالهم، وتترمل نساؤهم، ويتفتت قلب أمهاتهم وآبائهم حزنًا عليهم.. وبعد أن تفقد أسرهم عائلها، لا تجد دخلًا يكفيها حاجتها!
انظر مَن يموت فى كل حادثة إرهابية، ستجد أنه المواطن البسيط والفقير الذى يعمل فى المكان المستهدف بالتفجير، أو ساقته الصدفة إلى الموقع وقت الانفجار.
يفقد حياته دون ذنب جناه.. انهار مستقبل أسرته، دون جريمة ارتكبتها.. لم يفعل شيئًا سوى أنه كان بمقر عمله، أو ذاهبًا لقضاء حوائجه.. تفاجئه شظية غادرة، أو جدران تنهار فوق رأسه، أو رصاصة قاتلة لا يعلم مصدرها!
وفى كل الأحوال، يصبح رقمًا ضمن الضحايا.. ثم يتكرر المشهد «المزمن»، الذى لا نمل تكراره: تكتب الصحف اسمه، وتذهب بعض الفضائيات إلى أسرته.. ترتدى المذيعة ثوبًا أسود.. تدمع عيناها، ويكتسى وجهها بالحزن والألم.. يظهر المفكرون والنخبة على الشاشات يلعنون الإرهاب، ويطالبون الدولة بالحزم فى مواجهته، والضرب بيد من حديد على الجناة.
وقد يطالب البعض بإقالة وزير الداخلية، متهمًا إياه وضباطه بالتقصير، وعدم قدرته على إدارة المعركة.. وفى المقابل يدافع آخرون عن الوزير، ويقولون إن الإرهاب موجود فى كل دول العالم، ولا بد أن يقف الشعب مع الشرطة فى حربها ضد الإرهابيين.
.. وبعد أيام، ينفض سرادق العزاء، وتنتهى المناحة وتبدل الفضائيات برامجها، وتنفض عن شاشاتها الشارة السوداء، ويعود الجميع إلى ما كانوا عليه قبل الحادثة الأثيمة، ويستمر النقاش «السفسطائى»، حول المستقبل والدستور وخارطة الطريق، وأيهما أفضل: الانتخابات الرئاسية أولًا أم البرلمانية؟! وتعود المسرحيات والمسلسلات والأفلام إلى مكانها فى السهرة بعد أن اختفت قليلًا!
فقط تبقى الأسرة التى فقدت عائلها حزينة، أرملة تحاول ترتيب أوضاعها، بمعاش ضئيل لا يسمن ولا يغنى من جوع، أب لن يجد مَن يساعده فى آخر أيامه ويحمل عنه عبء العمل الشاق فى قراريط الأرض القليلة التى يزرعها، أم تنتظر أن يملأ ابنها حضنها، وتشم رائحته عند عودته إليها بعد غياب، وبنت تنتظر أباها لكى يمنحها حنانه، وابن يتمنى عودة أبيه لكى يعطيه فلوس الدرس الخاص، وأخ يرى أن شقيقه يفتح له باب الأمل فى مستقبل أفضل، لأنه يعينه ويساعده على استكمال تعليمه، وأخت تعرف أنه دون مساهمته فلن يتم زفافها قريبًا.. من لهؤلاء جميعًا؟!
.. هل ننساهم كما نسينا غيرهم من ضحايا الإرهاب فى الثمانينيات والتسعينيات، ممن دفعوا وأسرهم ثمنًا غاليًّا دون تعويض يُذكر؟!
لم يسأل أحد عنهم، ولا يعرف أحد من مسؤولى الدولة كيف مرت بهم الأيام؟ وماذا فعل بهم الزمان؟ كيف استطاعوا أن يستمروا فى الحياه؟ أو مَن مات منهم، لأنه لم يجد ثمن الدواء؟ أو مَن لم يستكمل تعليمه، لأنه خرج للعمل من أجل مساعدة أسرته؟ وهل هناك مَن انحرف ليعيش؟ وهل باع الأب أرضه لأنه لم يجد مَن يزرعها؟ وهل ماتت الأم حزنًا قبل وفاتها، حقيقة، لأن ابنها لن يتلقّى عزاءها عند رحيلها؟!
أرجو أن لا تتكرر المأساة مع ضحايا إرهاب 2013، ولدينا الآن الفرصة مع وجود أموال الجماعة الإرهابية.. لكن أتمنى، أيضًا، أن تحتضن الدولة أسر الضحايا، وأن تقرر لهم معاشًا استثنائيًّا يكفيهم مغبة الحياة ومشاقها، وأن يُعفى الأبناء مدى الحياة من مصاريف المدارس والجامعات، وأن يتم توفير فرص عمل للأبناء الذين أنهوا تعليمهم، وللأشقاء الذين يعولون أسرهم من بعدهم.. واقترح أن يتم إنشاء جمعية تضم أسر ضحايا الإرهاب تتولّى شؤونهم، وترعى مصالحهم، وتحل مشكلاتهم.
لقد دفعوا ثمنًا غاليًا.. وهذا أقل ما تقدّمه الدولة لهم، من أموالها، وأموال الجماعة التى قتلتهم.. فهل من مجيب؟!



