هل تمنيت يوما أن تكون رئيسا؟.. لا أعتقد فالتحديات التي تواجه المرشحين للرئاسة، عبء، مسؤولية هائلة وساعات عمل طويلة، مع السفر المستمر، والتدقيق الإعلامي المستمر، والانتهاك التام للخصوصية.
والمكافأة التي تنتظرهم بعد الفوز هي المزيد من الضغوط.
أشارت دراسة أجريت عام 2006 إلى أن 49% من الرؤساء عانوا من اضطراب نفسي في مرحلة ما من حياتهم، ووُجد أن 27% منهم تأثروا به أثناء توليهم مناصبهم.
وفقا لتحليل نفسي أُجّرَي لـ37 قائداً أعلى، كان لكل من جون آدمز وروزفلت وويلسون مشاكل حقيقية في الصحة العقلية، ويقال إن ترامب نفسه لم يكن يرغب أن يكون رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية.
ففي عام 2016، ومنذ عشرة أعوام عندما رشح دونالد ترامب نفسه لأول مرة، يزعم وقتها صانع الأفلام الوثائقية مايكل مور في مقابلة تليفزيونية أن مصدراً أخبره بأن دونالد ترامب ترشح فقط كتكتيك تفاوضي لعمله التليفزيوني، وأنه "متفاجئ" بنجاحه، وبأنه يعلم "بشكل قاطع" أن دونالد ترامب لا يرغب في أن يصبح رئيسًا للولايات المتحدة، وفي مقال له على موقع "هافينجتون بوست"، إن ترامب ترشّح للرئاسة كتكتيك تفاوضي، أملاً في الحصول على راتب أعلى من شبكة NBC وكانت الشبكة قد تعاقدت مع ترامب سابقًا كنجم برنامج تليفزيون الواقع The Apprentice، لكنها ألغت التعاقد بعد أن وصف المهاجرين المكسيكيين بـ"تجار المخدرات" و"المغتصبين" خلال إطلاق حملته.
هنا.. لا يسع المرء إلا أن يتساءل: من سيرغب حقًا في هذا المنصب؟
لطبيب النفس الأمريكي الدكتور ناصر قائميDr. Nasser Ghaemi وهو من أصل إيراني، ويعمل كمدير لبرنامج اضطرابات المزاج في مركز تافتس الطبي في بوسطن، إجابةً، في كتابه الجديد، "جنون من الدرجة الأولى A First-Rate Madness، أو كما ترجمه البعض "جنون من الطراز الرفيع"، الكشف عن الروابط بين القيادة والمرض العقلي - يطرح فيه حجته القائلة بأن القادة الذين يعانون من بعض الأمراض العقلية، وخاصة الهوس أو الاكتئاب، غالبًا ما يكونون أكثر كفاءة في أوقات الأزمات.
وقد توصل د. قائمي إلى هذه النتيجة بعد دراسة حياة وسجلات العديد من القادة العظماء، ووجد أن عددًا لا بأس به منهم - من إبراهام لينكولن إلى مارتن لوثر كينج جونيور - عانوا من شكل من أشكال المرض العقلي.
وأن أعظم الزعماء "شيرمان، تشرشل، لينكون، غاندي، لوثر كينج، روزفلت، كينيدي، وغيرهم"، كانوا دائماً غير عاديين من الناحية النفسية، وأحياناً مضطربي العقل، وأن السياسين الكبار هؤلاء هم الأمثل لقيادة الأزمات غير العادية.
وأن الاكتئاب لا يهدد بالضرورة قدراتنا، بل قد يكون على العكس تماماً، عاملاً مساعداً على تنميتها وتعزيزها. وغالباً ما تجاهل المؤرخون هذه الجوانب من حياة العظماء، واعتبروها غير ذات صلة بقيادتهم… "لذا أردتُ أن أُظهر أن هذه الأعراض لم تكن موجودة في حياتهم فحسب، بل كانت ذات صلة بقيادتهم".
ويضيف د. قائمي أن العديد من الأبحاث تُشير إلى وجود بعض الفوائد للهوس والاكتئاب، فيقول: "الإبداع والمرونة أعلى لدى المصابين بالهوس، والواقعية والتعاطف أعلى لدى المصابين بالاكتئاب مقارنةً بالأشخاص الأصحاء. تكمن المشكلة غالبًا لدى القادة الأصحاء نفسيًا، رغم أنهم ليسوا ضعفاء بمعنى افتقارهم لهذه الصفات، إلا أنهم غالبًا ما يفتقرون إلى ما يكفي لمواجهة متطلبات الأزمات العالية".
يوضح أن أحد أسباب ضعف الأصحاء نفسيًا عند محاولتهم إدارة الأزمات هو أن الشخص العادي غالبًا ما يمتلك ما يسميه علماء النفس "وهمًا إيجابيًا طفيفًا".
ويضيف قائمي "نعتقد أننا أكثر ذكاءً وجمالا مما نحن عليه، وفي الواقع نميل إلى المبالغة في تقدير قدرتنا على التحكم في محيطنا، وقد يكون هذا مقبولاً في الظروف العادية، كمساعد على الإنجاز بفضل هذه الثقة، لكن على القائد السياسي أن يكون واقعياً لا متفائلا لمجرد التفاؤل".
يقول الطبيب النفسي إن بحثه كشف أن كلاً من مارتن لوثر كينج ومهاتما غاندي حاولا الانتحار خلال فترة المراهقة، وأنهما عانيا من نوبات اكتئاب حادة في وقت لاحق من حياتهما.. مضيفاً أنه قد أطلع على السجلات الطبية للرئيس جون إف. كينيدي في أرشيفه، فالرئيس السابق سلوكياته معروفة جيداً - فرط نشاطه الجنسي، وطاقته العالية - وكل ما فعله د. قائمي هو مراجعة السجلات الطبية وبيان كيف تتوافق هذه الأعراض فعلاً مع ما يُسمى في الطب النفسي بالمزاج المفرط النشاط، والذي يعني أعراض هوس خفيفة بشكل دائم. ثم أعتمد في تشخيصه ليس فقط على هذه الأعراض، بل أيضاً على التاريخ العائلي، لأن هذه الأمراض وراثية".
ووصف حالة كينيدي، بالتفصيل، وعلاجه بالستيرويدات، الذي فاقم أعراض الهوس لديه، حتى إنه عولج خلال فترة وجوده في البيت الأبيض لعلاج الاكتئاب، بمضادات الذهان، وهو دواء مضاد للذهان "حالة عقلية تجعل الشخص يفقد الاتصال بالواقع".
إن المعاناة من مشاكل الصحة النفسية التي يمر بها بعض الناس قد تكون مرهقة، لكن بعض القادة ومن بينهم الرئيس - يخرجون من هذه المعاناة أكثر ثقة بأنفسهم. ومضيفاً أنه يعتقد أن هذا ما حدث في السنة أو السنتين الأوليين من رئاسته. ثم تمّكُنْ أطباؤه من السيطرة على حالته، وإجباره على التوقف عن استخدام الكثير من تلك الأدوية.. وتزامن هذا مع السنة الأخيرة من رئاسته، عندما تغيرت الكثير من سياساته بشكل ملحوظ، وأصبح ذلك المناصر البارز للحقوق المدنية، ذلك القائد المقدام في الحرب الباردة الذي ننظر إليه اليوم بتقدير كبير". إن مرض كينيدي النفسي - بدلاً من أن يكون العقبة التي تغلب عليها في طريقه نحو النجاح - ربما كان العنصر الحاسم في إعداده للبيت الأبيض.
ويضيف قائمي أن الدراسات أظهرت أن المزاج المفرط النشاط هو نوع الشخصية الأكثر فائدة في تحمل التجارب الصادمة كالاعتداء الجنسي والحرب، وعدم الإصابة بأعراض اضطراب ما بعد الصدمة.
وأعتقد أن هذا ما أبقاه على قيد الحياة واستمر في العمل خلال أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، بينما لم يكن معظم الأمريكيين ليفكر حتى في الترشح للرئاسة. كنا سنرغب فقط في البقاء على قيد الحياة عندما واجهنا كل تلك الأمراض الخطيرة التي عانى منها.
ويبدو أن قادة آخرين في العصر الحديث أقرب إلى تعريفنا للصحة النفسية. يقول قائمي إن جورج دبليو بوش وتوني بلير، اللذين كانا في منصبيهما أثناء هجمات 11 سبتمبر 2001، "لا تظهر عليهما أي علامات اكتئاب حاد أو هوس حاد أو سمات شخصية متطرفة، لكن عانوا من شكل من أشكال المرض العقلي.
لم يُشخّص أحد حالة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش ولا رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير بمرض نفسي إكلينيكي رسمي من قِبل جهات طبية معتمدة، غير أن بعض المحللين وعلماء النفس طرحوا تحليلات شخصية وسلوكية حولهما، أبرزها ما يُعرف بـ"متلازمة الغطرسة" "Hubris Syndrome" التي وُصفت لبعض القادة السياسيين نتيجة التثمل بالسلطة والإفراط في الثقة بالنفس، بالإضافة إلى كتب تحليل نفسي غير رسمية مثل كتاب "بوش على الأريكة". تبقى هذه الطروحات آراء نقدية وليست تشخيصات طبية حقيقية.
في أواخر عهد تاتشر، طُرح سؤال: هل رئيس الوزراء مجنون؟ فهناك من شككوا في سلامة عقل توني بلير.
...وعن رئيس وزراء بريطانيا السابق.. نواصل البحث والحكي.



