فى مشهد يتكرّر سنويًا، وفى نفس هذا التوقيت تقريبًا؛ يتم إعلان نتيجة الثانوية العامة، حينها ترفع أسرٌ أبناءَها فوق الأعناق مهللين بنجاحهم وتفوقهم، وأخرى يصيبها الهم والغم؛ نتيجة رسوبهم أو عدم تحقيق مجموع يضمن لهم دخول كليات عليها العين. فنجد طلابًا يفرحون ويرقصون، وآخرين يبكون ويغلقون الأبواب على أنفسهم، وبين هذا وذاك يسقط ضحايا لمرض مزمن تفشى فى مصر اسمه الثانوية العامة. مرض تمكن من مجتمعنا، فباركناه بأنفسنا، وارتضينا وبطيب خاطر؛ مسئولين وطلابًا وأولياء أمور؛ أن نجعل من شبابنا فريسة له.
أكتب هذه السطور عقب إعلان نتيجة الثانوية؛ لطرحها على جميع خبراء التعليم والاجتماع وعلم النفس؛ لدراسة وبحث هذه المعضلة أو الأزمة التعليمية حتى نتفاداها ونجد حلاً نهائيًا لها؛ لضمان عدم تكرار هذا الوباء، الذى ينال من مجتمعنا ويؤثر بالسلب على شبابنا، الذى وقع بعضهم ضحايا لهذا المرض؛ نتيجة لعدم تحقيق المجموع الذى يحلمون به، وللأسف طال أيضًا إلى أسرهم، التى وضعت كل آمالها فى تحقيق رقم، وربطت مستقبل أبنائها بنسبة مئوية، وكأن هذا الابن أو تلك الابنة لا يساوى إلاّ ما يكتبه على ورقة الإجابة.. ولهذا شاء حظهم أو حظ أسرهم، أن تصبح هذه الشهادة جواز المرور إلى مستقبل أرحب، وغير ذلك يُعد فشلاً ليس له من مثيل فى أى مجتمعات تعليمية أخرى.. شهادة نتج عنها ثقافة، ولدت ضغوطًا على الأبناء وعلى أسرهم؛ بأن النجاح لا يعترف به سوى بتحقيق مجموع كبير يضمن الالتحاق بكليات القمة، التى من أجلها أنفقت الأسرة المصرية ماديًا ما يفوق طاقتها، سواء على الدروس الخصوصية، أو على المذكرات، وما تبع ذلك من حرمان نفسى واجتماعى؛ لتوفير بيئة مناسبة لتحقيق النجاح، الذى بغيابه تدخل فى دوامة العزلة والخجل، وعقد المقارنات بين ابن (فلان) الذى حقق مجموعًا كبيرًا، وابن (علان) الذى لم يحقق.. مقارنات جعلت البعض من أبنائنا ضحايا للاكتئاب، ووصل الحال ببعضهم بأن يُلقى بنفسه فى النيل أو من فوق سطح عمارته، نتيجة هذا الضغط النفسى الهائل، الذى تسبب فيه مجتمع لا يعترف بالنجاح إلا من خلال ورقة امتحان تحدد مستقبله. وتجعلنا نحتفل به أو نشفق عليه.
عندما تصل الأمور لهذا الحد أعتقد جازمًا أنه لا يجوز الحديث عن تطوير التعليم والمناهج، طالما اختزلنا سنوات العمر فى شهادة مثبت بها مجموع؛ لنجعل للإنسان قيمة من عدمها؛ خصوصًا بعد أن تحوّلت الثانوية العامة وبفعل فاعل من مرحلة تعليمية؛ إلى كابوس نفسى واجتماعى واقتصادى ينال من أبنائنا وأسرنا.
يحدث هذا فى الوقت الذى أغفلنا فيه قيمة ودَور التعليم الفنى، حين اعتبرناه تعليم (درجة ثانية)، وهو بالمناسبة ما تأخذ به جميع الدول المتقدمة، وتعتبره القاطرة التى تدفع المجتمعات إلى الأمام؛ ليتواكب وبنفس الدرجة مع خريجى كليات الطب والصيدلة والهندسة (إن لم يتفوق عليهم) حتى تصبح هناك مسارات متعددة للعملية التعليمية، تؤكد أن الأمم الحديثة تقوم على يد كل صاحب مهنة وإبداع.
وهنا يأتى دَور الإعلام الذى بالمناسبة يتحمل جزءًا من المسئولية، حينما يحول صفحاته وقنواته إلى مهرجان كبير للاحتفال بأوائل هذه الشهادة، فى الوقت الذى يتغافل فيه عن آلاف النماذج التى نجحت فى الحياة، رغم أنها لم تكن يومًا ضمن قوائم المتفوقين.. نماذج سوق العمل الحالى فى أشد الاحتياج إليهم، حتى يدرك شبابنا أن الطريق إلى القمة، له أكثر من طريق.. ولهذا علينا أن نستبدل السؤال الذى اعتدنا عليه: ما هو مجموع درجاتك؟ إلى: ما الذى تستطيع أن تقدمه لمجتمعك من خلال الكلية التى تتناسب مع قدراتك؟ لتخدم مجتمعك.. وكم من طالب لم يحصل على مجموع مرتفع، ثم أصبح فيما بعد رجل أعمال ناجحًا، أو مبدعًا فى مجاله، وكم من أوائل الثانوية العامة الذين لم يحققوا ما كان المجتمع يتوقعه منهم.. ويكفينا ما نراه من نتائج بعضهم المتدهورة فى سنواتهم الأولى فى بعض كليات القمة.
وهذا ما يجعلنا جميعًا مطالبين؛ مسئولين وأولياء أمور، بضرورة التأكيد على شبابنا أن الحياة لا تتوقف عند امتحان، وأن النجاح الحقيقى لا يصنعه المجموع وحده؛ بل يصنعه الاجتهاد والإصرار والقدرة أيًا كان نوع التعليم.
ولحين تحقيق هذا المطلب، علينا جميعًا؛ مسئولين وأولياء أمور، تغيير تلك الثقافة التى ابتلى بها مجتمعنا، لكى يتم إيقاف قائمة ضحايا الثانوية العامة، وعندما نؤمن بأن لكل إنسان فرصة، ولكل موهبة طريقًا، وقتها فقط سوف تتحول الثانوية العامة من موسم للرعب والخوف والخجل إلى موسم يشهد نجاح شبابنا وتقَدُّمه.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



