لم يكتب الروائى الروسى الفذ فيودور دوستويفيسكى ملحمته الخالدة «الإخوة كارامازوف» ليروى حكاية عائلية عابرة عن أبناءٍ يتنازعون إرثًا، بل ليقدم تشريحًا بالغ القسوة للحظةٍ ينحنى فيها الضمير الإنسانى أمام إغراء التركة، ثم ينحنى الوجود كله أمام سطوة المال. إنها اللحظة التى تسقط فيها الأقنعة الزائفة، وتتكلم النفوس المريضة بلغتها العارية، فيغدو المال أكثر بلاغةً من المبادئ، ويصبح النفوذ أكثر حضورًا من روابط الدم، ويتحول الميراث من حقٍ مشروع إلى معركةٍ على السلطة، ومن خلافٍ عائلى إلى انهيارٍ أخلاقى كامل.
وتلك ليست خصوصيةً أدبية نبتت فى بيئةٍ روسية بعيدة، بل قانونٌ إنسانى صارم يتكرر كلما تحولت الحركات المؤدلجة إلى تركاتٍ مالية، وكلما أصبح السؤال الصعب: «من يملك مفاتيح خزان التمويل؟» مقدمًا ومقدسًا على السؤال المهجور: «من يحمل صدق الفكرة؟».
ذلك هو المشهد العارى الذى تفضحه اليوم السجالات المتلاطمة والبيانات المتبادلة بين الأجنحة المتناحرة داخل جماعة الإخوان فى منافيها؛ حيث انفرط عقد الأسرار، وتهاوت الجدران الصامتة، وخرجت الخصومات من العتمة إلى الضوء، لتصبح المنشورات والتعليقات والاتهامات المتبادلة حول إدارة الأموال والموارد مادةً تكشف حجم التصدعات التى أصابت البنية التنظيمية للجماعة ، وتُظهر كيف تستطيع معارك السيطرة على الموارد والاستثمارات والتمويلات أن تبتلع الخطاب الأيديولوجى، وتطغى على كل شعارات الطهرانية والانضباط.
وفى قراءتها الأخيرة، لا تبدو هذه السجالات معركةً على المبادئ أو الوعى بقدر ما تبدو - وفق ما تكشفه بيانات أطرافها ومنشوراتهم العلنية - مأساة «الإخوة الأعداء» وهم يتنازعون ما يعده كل طرفٍ إرثًا للتنظيم.
إنها، فى رمزيتها، نسخةٌ تنظيمية جديدة من «الإخوة كارامازوف»؛ فلم يعد الورثة يتنازعون إرث الأب، بل إرث التنظيم، ولم يعد الدم هو الذى يفرق بينهم، بل مفاتيح الخزائن.
سقوط الطهرانية الزائفة
يستميت تنظيم الإخوان، كغيره من التنظيمات الأيديولوجية المغلقة، فى صناعة هالةٍ مقدسة حول ذاته؛ صورةٍ ذهنية يُراد لها أن توحى بأن وحدة الصف عقيدةٌ لا تتزعزع، وأن البيعة والسمع والطاعة تعلوان على نوازع البشر، وأن الفكرة تمتلك من الطُهر ما يكفى لاحتواء كل خلاف، غير أن التاريخ لا يقرأ التنظيمات بما تعلنه عن نفسها، بل بما تكشفه لحظات الاختبار.
فالأزمات الكبرى لا تصنع الانقسام بقدر ما تفضحه؛ إذ تتحول إلى مقصلةٍ تقطع حبال الشعارات، وتكشف ما كان مستترًا خلفها.
وعندما تتشابك المصالح، وتتبدل موازين النفوذ، وتضيق دوائر الحركة، يخفت فجأة خطاب «الربانية»، ليعلو صرير دفاتر الحسابات البنكية ، وتصبح إدارة الموارد والتمويلات والكيانات الاقتصادية عنوانًا لصراعٍ يتجاوز الخطاب إلى النفوذ.
ومن هنا، لم يعد المتابع بحاجة إلى الكثير من العناء ليدرك حجم التصدعات التى أصابت بنية التنظيم الإرهابى فى الخارج؛ فقد خرجت إلى العلن سجالاتٌ وبيانات بين أجنحة مختلفة، تناولت ملفات الإدارة والموارد والكيانات، بعدما ظلت حبيسة الغرف المغلقة.
وتكشف هذه السجالات أن الخلاف لم يعد يدور حول الرؤية أو المشروع بقدر ما يدور حول إدارة النفوذ والموارد؛ إذ تحولت المنصات إلى ساحاتٍ لتبادل الاتهامات، وبرزت خلافاتٌ معلنة حول القنوات الإعلامية، والكيانات والصفحات والشركات، وآليات إدارة الأموال، بين وجوهٍ كانت حتى الأمس القريب تتحدث بلسانٍ واحد وتقدم نفسها بوصفها نموذجًا للانضباط التنظيمي.
إنها لحظةٌ يتراجع فيها الخطاب أمام الحساب الدولارى ، ويغدو السؤال عن الموارد أكثر حضورًا من السؤال عن المبادئ.
وحين تبلغ التنظيمات المتطرفة هذه المرحلة، لا تعود الأزمة مجرد خلافٍ داخلى، بل تصبح علامةً على أن البنية التى طالما قُدمت باعتبارها كتلةً صلبة، بدأت تكشف شروخها أمام الجميع؛ فحين ينفرط عقد الخداع، لا تسقط الشعارات وحدها، بل تسقط معها الصورة الذهنية التى صُنعت لها عبر عقود فى مختبرات الأجهزة الإستخباراتية المعادية .
تجار المظلومية المُدعاة
حين يصبح الدم وقودًا لإنعاش الخزانة
إن أفدح ما يصيب التنظيمات المؤدلجة حين تشيخ، هو ارتدادها إلى «اقتصاد الأزمة» ؛ تلك اللحظة الحرجة التى تتحول فيها الهزيمة من عبءٍ يتطلب المراجعة، إلى موردٍ استثمارى تقتات عليه نخب النفوذ.
فعندما تصبح المظلومية وسيلةً تجارية دائمة لحشد الأنصار المتعبين، واستدرار أموال التبرعات، وتمويل المنصات الباذخة فى المنافى، فإن استمرار الشتات يغدو مصلحةً استراتيجية لقيادات التنظيم، لا مجرد عارض سياسى عابر .
هنا تسقط الأقنعة وتنعكس راية الوعي؛ فلا تعود الأموال فى خدمة المبادئ كما يدّعون، بل تُختطف المبادئ والشعارات الدينية لتصبح مجرد دروعٍ واقية تحمى قنوات ومنصات التمويل، ويتحول الصراع على إدارة الشركات والاستثمارات المهربة إلى امتدادٍ طبيعى للنزاع على كرسى القيادة والشرعية المتوهمة.
حين تصبح المنصات مقصلة الأسرار
طالما تدثرت الجماعات المؤدلجة بعباءة «السرية المقدسة»، معتبرةً أن خروج أناتها وخلافاتها الداخلية إلى العلن خطيئةٌ تنظيمية لا تُغتفر، تتهدد معها أوهام التماسك والبيعة.
غير أن ما جرى فى مدارات السنوات الأخيرة أسقط هذا القناع الحديدي؛ إذ تحولت المنصات الرقمية وساحات الفضاء السيبرانى -التى طالما استخدموها لبث الشائعات ضد الأوطان- إلى ساحات معارك عارية، تشهد تبادلًا محمومًا للطعنات والاتهامات، ونشرًا للوثائق والمخازى، مما منح الوعى العام نافذةً كاشفة وغير مألوفة على جحيم الانقسامات التى تعصف بهيكلهم المتآكل.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



