رغم أننا ﻻ نملك إحصائيات دقيقة عن حاﻻت الغرَق فى مصر فى الصيف الحالى (2026)، لكن بشكل عام تشهد شواطئنا المصرية (خاصة الإسكندرية والساحل الشمالى) ارتفاعًا ملحوظًا وخطيرًا فى حوادث الغَرق، وبدﻻً من أن تكون شواطئنا كل صيف مسرحًا للفرح والاستمتاع؛ تتحول البهجة والفرح إلى صراخ، والصراخ إلى صمت، وفى زحام المصطافين يختفى أيضًا صوت المنقذين تحت ضجيج الأمواج ويُضرَب بالتحذيرات والرايات السوداء بعرض الحائط، وﻻ يكون البحر فى هذه الحالة هو العدو؛ ولكن الاستهانة به هى التى تنتج عنها حوادث الغرق، ومع كل حالة غرق تشهدها الشواطئ المختلفة؛ غالبًا يدفع ثمنها المنقذ مضاعفًا: محاولة إنقاذ روح، وخطر فقدان روحه هو الآخر.. وأنا أعتقد أن هذه الظاهرة ليست قدرًا؛ بل نتيجة تراكمية لسلوكيات متهورة، وغياب رقابة حازمة وثقافة مجتمعية تخلط بين الشجاعة والتهور.. والمشكلة تبدأ حين يرى المصطاف فى علامات المنع مجرد «زينة» ﻻ تخصه، يسبح فى مناطق صخرية، ويُغامر فى أوقات ﻻ يراه فيها أحد إﻻ الأمواج والسَّحْب؛ حيث إنه ينتظر ذهاب المنقذين بعد إخراجه من البحر وقت الغروب، ثم يعود إليه مرة أخرى ليسبح فيغرق.. والمفارقة الأكثر قسوة هى عندما يندفع المنقذ لإنقاذه، ليجد نفسه فى مواجهة تيار جارف أو سبَّاح يرتبك فيشده نحو القاع، فى تلك اللحظة يتحول البطل المنقذ إلى ضحية، وتتحول عملية الإنقاذ إلى مأساة مزدوجة.. وهنا يبرز سؤال مهم: أين دور الحكومة فى هذه المعادلة؟، والإجابة ليست فى أنها غائبة عن هذه الظاهرة؛ بل فى حاجتها لتطوير أدواتها، عن طريق وضع غرامات رادعة وفورية على المخالفين، وإغلاق الشواطئ غير المجهزة، وزيادة عدد المنقذين بنسبة مُنقذ لكل «50» متر شاطئ، كما أن التكنولوجيا يُمكن أن تكون حليفًا، من خلال تركيب كاميرات حرارية وأبراج مراقبة ذكية ترصد السّبَّاحين فى المياه العميقة، وتطبيقات أخرى تُظهِر حالة البحر فى الوقت الفعلى، والأهم من هذا كله، إطلاق حملات توعية مستدامة ﻻ تنتهى بانتهاء موسم الصيف، تبدأ من المدارس والجامعات، وتصل إلى الشاشات عند مداخل الشواطئ.. ومع ذلك؛ ستظل الحكومة مجرد «أداة» إذا لم يتحول المواطن إلى شريك أساسى فى السلامة، فلا قانون يحمى من يرفض أن يحمى نفسه.. وخلاصة القول؛ إن البحر ليس عدوًا لأحد؛ ولكنه ﻻ يرحم من يستهين به، والمنقذ ليس مجرد موظف يرتدى زيًّا برتقاليًا؛ بل هو خط الدفاع الأخير الذى قد يُضحى بحياته لإنقاذ شخص ﻻ يعرفه.. قبل أن تخلع ملابسك وتجرى نحو الماء؛ تذكّر أنك ﻻ تُخاطر بحياتك فقط؛ بل تضع حياة رَجُل ﻻ يعرفك على حافة الموت.. احترم القواعد، واستمع للمنقذ، فهو ليس خادمًا؛ بل هو خط الدفاع الأخير، واجعل صيفك ذكرَى حلوة، ﻻ مأساة؛ لأن العودة سالمًا إلى أهلك؛ هى البطولة الحقيقية.. حفظ الله المصطافين والمنقذين المصريين.. وتحيا مصر.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



