فى ستينيات القرن الماضى كتب الشاعر نجيب سرور مسرحيته الرائعة «ياسين وبهية»، وكان محور أحداثها يدور حول جثة ياسين الذى قتل غدرا وألقيت فى النيل، وكلما استقرت الجثة على ضفاف قرية ما من القرى، أمر عمدة القرية شيخ الخفر بأن يسحبها بعيدا عن القرية ويتركها فى منتصف النهر ليأخذها التيار خارج زمام قريته، ولأن كل عمدة لا يريد أن يدخل نفسه فى دوامة من المشاكل، فهو يزيح الجثة لتذهب بمشاكلها إلى عمدة القرية المجاورة..
وهكذا منذ أن قامت ثورة 25 يناير المباركة، تأتى حكومات لتسيير الأعمال وكل وزير يدرك أن بقاءه فى المنصب لن يدوم طويلا، فيزيح «الجثة/المشكلة» على الوزير القادم، وهكذا أصبحت كل مشاكل الوزارات مثل «جثة ياسين» مرحلة للحكومات المقبلة، ولسان حال كل الوزراء يهتف بهذا الشعار «سيبها تلبس فى اللى بعدى»، إلا من رحم ربى من الوزراء الذين أدركوا منذ اليوم الأول أننا فى حالة حرب مع الإرهاب وعلينا جميعا أن نخوضها رضينا أم أبينا، مثل وزير الأوقاف الذى يقاتل ويصدر القرارات الحاسمة الملزمة بشجاعة وحزم، وزير التربية والتعليم الذى حكى لى فى جلسة عمل بمكتبه أنه عندما تسلم الوزارة صدم عندما وجد أن هناك 48 ألف قرار وزارى ينظم العملية التعليمية، وعندما عكف على دراستها اختزلها فى 12 قرارا فقط، وبذلك أنقذ العمل الإدارى من القيود والترهل والروتين الذى كان يربكه.
ومشكلة انقطاع التيار الكهربائى التى تفاقمت وتزايدت بشكل غير مقبول لا يليق ببلد بحجم وحضارة مصر،وكلما جاء وزير كهرباء أزاح الجثة للوزير القادم، وألصق التهمة فى عنق البترول والوقود والغاز، بينما المشكلات الحقيقية التى تؤدى لانقطاع الكهرباء لا يقترب منها وزير الكهرباء ولا يتحدث عنها،وإن كان يعلم بها ولا يستطيع حلها فتلك مصيبة، ولا بد أن يستقيل فورا ويترك موقعه لمن لديه الجرأة على الحل الجذرى، وإن كان لا يعلم فتلك مصيبة أكبر، وعلى رئيس الوزراء أن يقدمه فورا لجهات التحقيق لمحاكمته بتهمة الإهمال الجسيم، وخيانة القسم الذى أقسمه وهو يتولى أمانة المسئولية أمام رئيس الجمهورية.
أما المشكلة الحقيقية لانقطاع التيار والتى لا يريد أحد أن يقترب منها ويضرب بيد من حديد على المتسببين فيها، فلها أسباب مختلفة تماما فنحن نعانى من أحمال أضيفت على شبكة الكهرباء بالقوة والبلطجة نتيجة للانفلات الأمنى الذى حدث ومازال يحدث كل يوم منذ ثورة 25 يناير حتى الآن، فعلى سبيل المثال تم بناء مائة ألف وحدة سكنية بشكل عشوائى فى الإسكندرية وحدها، ومعظمها أبراج شاهقة وتم توصيل الكهرباء إليها بالقوة والبلطجة وهذه الوحدات تستهلك كهرباء تمثل أعباءً إضافية على الشبكة، وأن هناك مليوناً ونصف المليون فدان من أراضى الدولة تم الاستيلاء عليها بالقوة والبلطجة ووضع اليد وتم بناء مليون ونصف وحدة سكنية عليها بدون تراخيص وتمت سرقة التيار وتوصيله لها بشكل غير قانونى، هذا بخلاف المطاعم العشوائية وكل عربات الأكل والسندويتشات التى تراها فى وسط البلد وكل هذه المحلات استبدلت أنابيب البوتاجاز بمواقد كهربائية، وقامت بسرقة التيار من أعمدة الإنارة وتعمل على مدار 24 ساعة بتيار مسروق، وكلها أحمال زائدة لا يحصل عنها أى مليم، أما الكارثة الكبرى فإن بعض عربات الأكل والباعة الجائلين الذين احتلوا شوارع وسط العاصمة فتحوا كبائن كهرباء مترو الأنفاق ذات الضغط العالى الموجودة فى سقف الأنفاق وأخذوا توصيلات منها، ولكى تسترد الكهرباء عافيتها لابد من القضاء على كل هذه الظواهر ومحاسبة كل من يرتكب هذه المخالفات،ولكى ننفذ ذلك فأنت فى حاجة لشرطة كهرباء قوية وهذا غير متوافر فى ظل الوضع الأمنى الحالى، وحتى لو توافر ذلك فشرطة الكهرباء مسالمة وغير مسلحة ولا يمكن أن تتحرك إلا بصحبة مهندسين وفنيين وهم لا حول لهم ولا قوة فى مواجهة هؤلاء البلطجية الذين يعتدون على أملاك الدولة ومصادر الطاقة الكهربية، ناهيك عن أن أكثر من 04٪ من المشتركين لا يسددون فواتير الكهرباء نتيجة نزاعات تحصيل رسوم القمامة التى لا تجمع، وكل المؤسسات والهيئات الحكومية لا تسدد ماعليها من فواتير وهى تقدر بملايين الجنيهات، وكل هذا يحتاج إلى وزير كهرباء قوى يدرك حجم مسئولياتها وخطورة ما يحدث، وإلا فليرحل بدلا من ابتساماته البهية فى البرامج التليفزيونية بلا ذرة من الخجل، وهذا بلاغ إلى المهندس إبراهيم محلب لاتخاذ اللازم لمواجهة هذه البلطجة وهذا التراخى من وزير الكهرباء المبتسم دائمًا.