بقلم : محمد بغدادى
يحاول الدكتور صابر عرب وزير الثقافة أن يقدم منتجا ثقافيا يليق بالدولة المصرية المدنية الحديثة، يخدم به أمة متعطشة للوعى والمعرفة والفن والثقافة والإبداع، وآخر هذه المحاولات مشروع (مصر الجميلة) الذى يتمثل فى القوافل الثقافية التى ستجوب كل مدن مصر وبالأخص المناطق الحدودية المحرومة من كل وسائل الفن والإبداع، وعندما أعلن وزير الثقافة إطلاق هذا المشروع فى مؤتمر صحفى موسع بدار الأوبرا.
أشار الوزير وكل قيادات وزارة الثقافة المشاركة فى المشروع إلى افتقادهم للحد الأدنى من النفقات التى ستغطى هذه القوافل، وأن ضعف المخصصات المالية تمثل عائقا أساسيا فى مواصلة الدور الأصيل لوزارة الثقافة، المنوط بها نشر الوعى والثقافة لمواجهة الأفكار الظلامية للجماعات الإرهابية، فللأسف الشديد ميزانية وزارة الثقافة لا تمثل سوى (0.35٪) من الموازنة العامة للدولة أى أقل من واحد صحيح، إلى هذا الحد تستهين الدولة المصرية بأهمية الثقافة.
وهذا معناه أن نصيب المواطن المصرى من الإنفاق الثقافى 26 قرشا سنويا (!!)، وأن ميزانية الهيئة العامة لقصور الثقافة مازالت 273 مليون جنيه فى السنة، تحصد الأجور والرواتب الهزيلة 90٪ منها، وما ينفق فعليا على الأنشطة الثقافية 27 مليون جنيه فقط!!، فإجمالى عدد العاملين فى وزارة الثقافة كلها 34 ألف موظف، منهم فى هيئة قصور الثقافة وحدها فقط 16 ألف موظف، فهذا العبث لا بد أن ينتهى،فما تنفقه الدولة فى شراء قنابل مسيلة للدموع وعربات مدرعة ودروع واقية من الرصاص وأسلحة.. إلخ. يفوق ميزانيات وزارات التربية والتعليم والشباب والرياضة والثقافة والإعلام مجتمعة، ذلك لأن الحكومات المصرية المتعاقبة لاتزال مصرة على إسناد ملف مواجهة الإرهاب والتطرف إلى الأجهزة الأمنية ظنا منها أن جنودنا البواسل من رجال الجيش والشرطة من المفترض أن يظلوا طوال العمر يرابطون فى الشوارع من أجل حماية الوطن وحمايتنا من بطش التنظيمات الإرهابية، وهذا هو الخطأ الأكبر الذى كانت تقع فيه كل حكومات ما قبل 25 يناير التى كانت تعتقد دائما أن المواطن الواعى والمثقف الحر المستنير أكثر خطرا عليها من المواطن (الإرهابى/ الضحية) الذى يقود سيارة مفخخة ليتحول إلى أشلاء متناثرة فيقتل ويقتل معه ضحايا أبرياء باسم الدين.
إلى هذا الحد نحن نعيش الكارثة بكل أبعادها المحزنة، بينما مازلت أكرر منذ بداية الثمانينيات وحتى الآن هذه المقولة: (فرقة مسرحية تغنيك عن كتيبة أمن مركزى).. وللأسف الشديد نحن مازلنا قادرين على إقامة المؤتمرات (فقط !!) ولكننا نعجز دائما عن تنفيذ أى توصية تطلقها هذه المؤتمرات، ولذا فإننى أدعو الرئيس عدلى منصور، ورئيس الوزراء المهندس إبراهيم محلب إلى إنشاء هيئة قومية ذات ميزانية مستقلة تتبع لرئيس الوزراء تتبنى مشرعا حقيقيا للتنمية البشرية سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وتعليميا لها فروع بجميع المحافظات ويكون ضمن مهامها تنفيذ خطة استراتيجية جادة لحماية بلادنا وأمنها لعشرات السنين قبل أن تداهمنا كل هذه الأخطار والتحديات التى تحيط بنا من جميع قوى الشر فنحن أمة فى خطر فانتبهوا.. انتبهوا أيها السادة، وأحداث أسوان المؤسفة ما هى إلا نتاج طبيعى لهذا الخطر الداهم.
لقد حان الوقت لوضع مشروع قومى علمى وثقافى للدولة المدنية الحديثة، مشروع قادر على حماية وعى الأمة المصرية، وثقافتها السمحة، وحضارتها العريقة وتراثها الغنى، مشروع يقود فيه العلماء والمثقفون معركة المواجهة مع الإرهاب وخفافيش الظلام، بعد أن أسند هذا الملف طوال السنوات الماضية إلى أجهزة أمنية،لم يكن بمقدورها أن تقضى على كهوف الظلام وساكنيها بمفردها، فخرجوا علينا متعطشين للانتقام والاستبداد والدماء، لقد تخلت الأنظمة المستبدة عن مسئوليتها تجاه شعبنا العظيم طوال السنوات الماضية فجاء كل من هب ودب ليملأ عقول البسطاء من شعبنا الطيب بما يخدم أغراضه من خزعبلات وثقافات هابطة، فتراجعت كل القيم وتوارت الثقافة المصرية الأصيلة، وخفت صوت العلم خلف ظلمات الجهل والتخلف، فى محاولات منهجية منظمة لطمس الهوية المصرية، لم يكن كل هذا يتم بمعزل عن المؤامرات التى مازالت تحاك للمنطقة العربية بأثرها، من كل قوى الشر المعادية لشعب مصر العظيم.



