بقلم : محمد بغدادى
بعد أن هدأت العاصفة التى أثارها قرار رئيس الوزراء بإيقاف عرض فيلم (حلاوة روح) وإعادته للرقابة، لإعادة النظر فى أمر الموافقة على عرضه، وبعد الحملات الصحفية الضارية، والبرامج التليفزيونية الشرسة، وبعد استقالة د.أحمد عواض رئيس الرقابة، واجتماع رئيس الوزراء بالفنانين والسينمائيين، ثم اجتماع وزير الثقافة د.صابر عرب بهم أيضا.
بعد هذا كله يجب أن يكون لنا حديث آخر خارج كل هذه المناحة الإعلامية، وخارج سرادقات التوك شو، وخارج التعليق على القرار الخاطئ ــ بوقف العرض ــ الذى اتخذه رئيس الوزراء بلا أى مبرر أو سند قانونى، ففتح على نفسه أبواب جهنم، وكان لديه بدائل قانونية ودستورية لا تمس حرية الإبداع، ولا تضعه فى موضع الاتهامات الشرسة بأنه: ضد حرية الإبداع، والعودة إلى عصر الظلمات، وتقييد الحريات، وتكميم الأفواه إلى آخر قائمة الاتهامات، ورئيس الوزراء مسئول بشكل مباشر عن إثارة كل هذه الزوابع، ولكن دعونا من كل هذا فقد فات أوانه وتم قتله بحثا، ولنتحدث خارج كل هذه الموضوعات، فبالتأكيد القضية أهم وأخطر من ذلك بكثير.
فأولا: لماذا أدخل المهندس إبراهيم محلب نفسه فى عش الدبابير هل فرغ من حل كل المشكلات الاقتصادية والعشوائيات والتعليم والانفلات الأمنى والمظاهرات الإخوانية والعمليات الإرهابية والمؤامرات التى تحاك لنا على الحدود الغربية والشرقية والجنوبية، حتى ينشغل بمشاهد اللحم الأبيض واغتصاب السيدة المبجلة هيفاء وهبى؟! لقد قدم لفيلم ــ هابط فكرا وفننا ــ خدمة دعائية لا تقدر بمال!
ثانيا : وهذا هو الأهم والأخطر، أن كل من أغضبهم منع هذا الفيلم وكل من أزعجهم الاعتداء على حرية الإبداع وتقييد الحريات، ألم يزعجهم أن السينما المصرية برمتها تعانى سكرات الموت منذ عقود وسنوات، وأن ما تبقى منها هو (حلاوة الروح)، ألم يزعجهم هذا الكم من الابتذال والإسفاف والهبوط والتدنى فى المستوى الفنى لهذه الأفلام والمسلسلات والأغنيات والمسرحيات التى تقدم لنا على مدى أربعين عاما مورس فيها كل عمليات التجريف الثقافى، وإغلاق المجلات الثقافية وبيع أصول صناعة السينما ودور العرض، وبيع كل تراثنا السينمائى لشركات عربية أحد المساهمين فيها الملياردير الصهيونى روبرت مردوخ، وإغلاق معظم مسارح الدولة إما بالحرق أو الإفلاس أو البيع؟! ألم ينزعجوا بعد أن آلت كل أصول الدولة السينمائية لوزارة الاستثمار والشركة القابضة للسياحة والإسكان والسينما، واحتكار ملكية دور العرض وتمويل الأفلام لثلاث أو أربع شركات تتحكم فى سوق صناعة السينما فى مصر؟! ألم ينزعجوا عندما دأبت هذه الشركات المحتكرة على إفساد الذائقة الفنية على مدى أربعة عقود بدعوى (حرية الإبداع !!) ، ألم يشارك العديد من هؤلاء (المنزعجين) بالصمت، وربما الاستفادة المادية من هذه الشركات بالتأليف أو النقد؟! .. إلخ، وهل خلقت حرية الإبداع لإنتاج هذه (السموم الفنية)، وأنا لا أتحدث هنا عن العرى والابتذال، ولكننى أتحدث عن الأفكار الرديئة التى أنتجت لنا فكر وثقافة الاحتفاء ببطولة البلطجى والقاتل والمدمن والعاهرة والجهول فى مجتمع تجثم على عقله ظلمات الجهل والمرض والفقر والأمية، فيجد ملاذه وانتصاراته ومثله العليا وقدوته وأحلامه وبطولاته فى هذه النماذج وهذا العالم السينمائى المبتذل وهذه الثقافة السامة المحبطة، حتى إن كل المواطنين العرب الذين لم يزوروا مصر ولم يلتقوا بالإنسان المصرى الطبيعى يعتقدون أن غالبية المصريين غير شرفاء وأن الاستثناء هو الشرف والقاعدة هى الدعارة والعهر والاغتصاب والبلطجة والإدمان، وأننا جميعا فاسدون ومجرمون وخونة، لماذا لم ينزعج المنزعجون طوال أربعين عاما من هذا التدمير الذى يمارس ضد الشخصية المصرية، التى حولتها إلى مسخ مشوه؟! إن حرية الإبداع وحرية الرأى والديمقراطية التى سجنا وسجن من أجلها كل الشرفاء على مدى تاريخ مصر، كانت من أجل حرية إصدار الصحف وتكوين الأحزاب، وحرية الإعلام المرئى والمقروء والمسموع، ولم يسجن المناضلون من أجل حرية عرى الفنانة هيفاء وهبى مع احترامنا الكامل لها كإنسانة لها كامل الحرية والحق فى اختيار أدوارها واختيار القالب الفنى الذى تريده، ولكن علينا أيضا أن نقول بوضوح تام إن أبسط تعريف للثقافة الحقيقية هو: «أن الثقافة فعل إيجابى خلاق يقدم محتوى متجددا يثرى حياة البشر»، وأنا لا أعتقد أن ما قدمه المنتج وما قدمته السيدة المبجلة هيفاء وهبى فى هذا الفيلم يمت بصلة لهذا التعريف ... أما المثل الشعبى فيقول بوضوح (الجنازة حارة والميت كلب) طبعا مع شديد الاعتذار لكل كلاب الأرض بما فيها كلاب السكك!



