بقلم : د. شحاتة غريب
لا يمكن إنكار أن مشروع سد النهضة الإثيوبي قد سبب العديد من الخلافات بين مصر وإثيوبيا، وخلق حالة من الصراع السياسي بين الدولتين، واعتبرت كل دولة أن الموضوع لا يدخل في دائرة صراع دولي، ولكن يدخل في دائرة الأمن القومي الخاص بها.
وفي حقيقة الأمر، لا يمكننا أن نتجاهل، أو ننتقد حق كل دولة في البحث عن حماية أمنها القومي، والحفاظ عليه، ولكن يمكننا أن ننتقد قيام أي دولة بالتآمر ضد أمن، وسلامة دولة أخرى، تنفيذا لمخططات، أو أجندات خارجية لا تتعلق بالصالح العام لهذه الدولة.
وقد وُجدت بالفعل حالة من التوتر والقلق على المستقبل في الشارع المصري، وخاصة أن الأمر يتعلق بالماء، الذي جعل الله سبحانه وتعالى منه كل شيء حي، ولا ريب أن الشعب المصري يكون محقاً في قلقه من التهديدات التي قد تضر بحصته المائية بسبب إنشاء سد النهضة، وقد ذاعت حالة من هيمنة الفكر التآمري على عقول كثير من المصريين، فمنهم مَن آمن بأن ما يحدث في إثيوبيا مؤامرة كبرى ضد مصر وراؤها إسرائيل، ومنهم مَن قال بأن إنشاء سد النهضة مؤامرة أمريكية، ومنهم مَن قال بأن قطر هي التي تمول هذا السد، وخاصة في ظل اجتياح المناخ الأعاصيري للعلاقات المصرية القطرية في الأونة الأخيرة، بسبب المساندة القطرية غير المبررة لعناصر الإخوان المسلمين !
وأيا كانت التكهنات، ومدى صحتها، فإن الأمر الذي لا جدال فيه، والذي ينبغي أن نقتنع به، هو حق إثيوبيا في التنمية، وإقامة المشروعات التي تضمن لها مستقبلا راقياً، يخلق حالة من الطمأنينة لدى الشعب الإثيوبي، كما أن من حق الشعب المصري أن يطمئن على مستقبله التنموي، وأن يرى على أرض الواقع سياسات واستراتيجيات جديدة، تبرهن على حنكة، وحكمة، وزكاء التعامل مع هذا الملف الشائك، كي يشعر بالأمن، والقضاء على كافة الأشباح التي قد تزور أمنه القومي في منامه، وتعكر صفو حلمه المتفاءل، والمتطلع إلى غد مشرق.
ولذلك قد اندهش الشعب المصري من الموقف غير المسئول من الرئيس المعزول محمد مرسي في التعامل مع ملف سد النهضة، والمأساة الحوارية العلنية، التي دللت على فقدان الرؤية، وإنعدام البصيرة من معظم الذين تم دعوتهم من قبل الرئاسة المصرية حينذاك، وتعاملوا مع قضية تتعلق بمصير شعب، وكأنها مباراة كرة قدم، وعلى رأس الحربة أن ينشط كي يحرز هدفاً مباغتاً لا يستطيع الحارس رده، وقد ظنوا ذلك، ولكن قد خاب ظنهم، لعدم إدراكهم بأنهم يحرزون أهدافاً في مرمانا نحن، وضدنا نحن، وجعلونا مسرحية فكاهية هزلية لمعظم الفضائيات والمنتديات، ليسخر منا الجميع، ويقلل من حجم ووزن دولة كمصر، وقد سخر أيضا الجميع ممن تم دعوتهم من قبل الرئاسة المصرية وقتذاك، والذين اعتقدوا بأنهم المخلصين لنا من جحيم رؤية الأشباح التي تحاوط سد النهضة من كل مكان، والتي لا تفارق أحلامنا، وتجعلنا دائما في حالة من الرعب، في الحقيقة وحتى في المنام !
وأتذكر هنا تصريحات أيمن نور غير المسئولة، والتي كشفت تواضعه وعدم تمتعه بحس سياسي رفيع المستوى، عندما قال بإمكانية استخدام التهديد العسكري، وقد ظن أن تخويف الإثيوبيين وترهيبهم قد يثنيهم عن استكمال بناء السد، وكأنه يحرض على قيام مظاهرة لقطع طريق، أو لإزعاج حكومة، وقد ظن أنه يدعوا إلى مقاطعة عملية انتخابية لممارسة الضغط السياسي على الدولة، وابتزازها، لتحقيق أهداف شخصية !
كما أن تصريحاته ضد دولة السودان الشقيقة، قد أثارت حفيظة عديد من الكتاب السودانيين، وقاموا بانتقاد مصر وإعلامها، وإن كنت أؤيدهم في الدفاع عن دولتهم، ورفض أي شكل من أشكال الإهانة لها، لكنني لا أؤيدهم في منطق المطلق، والتعميم، فليس كل المصريين مثل أيمن نور، أو غيره، من مرتزقة السياسة، والذين يتاجرون بصالح الوطن، ولا يهتمون بقضاياه، وليس في بالهم مصالح الشعوب، وإرساء علاقات ودية بين بعضهم البعض.
فقد كانت بحق مهزلة من الرئيس المعزول محمد مرسي، وأساءت لمصر وشعبها، ومفكريها، وكتابها، الذين تشهد لهم أعمالهم ومؤلفاتهم بالتمتع بقدر عال من الإلمام بالخريطة السياسية، والمعرفة بالواقع، وكيفية إيجاد الحلول الصائبة، والرؤى الحكيمة، لمواجهة أية تحديات، وخاصة تلك التي تتعلق بالأمن القومي.
ولم يكن ذلك أمراً غريباً، طالما أننا تجاهلنا رجال السياسة الحقيقيين، وتم إقصاء أصحاب الدراسات السياسية والاستراتيجية المهمة، وخاصة تلك المرتبطة بقضايا وملفات دول حوض النيل.
وإزاء كل هذه المهاترات السياسية، تبنت الإدارة المصرية الحالية بقيادة سيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي رؤى مختلفة لمعالجة قضية سد النهضة، وأعلت هذه الإدارة مبدأ الحوار، وأكدت أن مبدأ التواصل بين شعوب ودول حوض النيل هو المخرج الوحيد لحل الأزمة، وأن التصريحات الاستفزازية، وغير المسئولة، لن تغير من واقع الحال شيئا، بل قد تزيد الأمر تعقيدا وسوءا، والدخول في نفق مظلم، قد لا يمكننا الخروج منه !
ورأت الدبلوماسية المصرية أن إعادة التواصل مع كل الدول الإفريقية، وخاصة دول حوض النيل، التي تم تجاهلها في السنوات الأخيرة من حكم مبارك، يُمثل هدفاً استراتيجياً لمصر في المرحلة المقبلة، وأن الإيمان بحق الشعوب في التنمية هو المنقذ لنا من الصراع غير المثمر، والذي قد يقضي على حلم البناء، والرقي، والتنمية، ويقتله في مهده، لترى الشعوب ويلات الحروب وآهاتها، بدلا من رؤية الخير، والسلام، والحياة الهادئة المستقرة.
ولا شك أن الحراك الشعبي يعد عاملا مهما ورئيسيا في إيجاد الحلول لأي أزمة، خاصة وأن الشعوب هي صاحبة المصلحة الأولى في حل كافة الأزمات، لأنها المتضررة أولا وأخيرا، من أي تصعيد غير مسئول قد ينسف رغبتها وأملها في تحقيق تطلعاتها، وضمان مستقبل آمن وعادل.
فالدبلوماسية الشعبية هي الذراع المهم للغاية الذي يأخذ بيد الدبلوماسية الرسمية، ويساعدها في إيجاد الحلول المناسبة لكافة المشكلات السياسية، من خلال الحوار، والإيمان بحقوق الآخر، بعيدا عن الخيارات العسكرية التي تدمر وتحطم، وتأخذنا إلى صراعات طويلة، نوجه من أجلها اقتصادنا إلى شراء الأسلحة، والذخيرة، وزراعة الألغام، بدلا من زراعة الأشجار، والأزهار، لنشم نسيم الربيع في كل مكان.
ولذلك أُثمن على زيارة الوفد الإثيوبي الشعبي إلى مصر، والذي ضم رئيس البرلمان، وممثلين من مختلف أطياف الشعب الإثيوبي، بقصد إقامة جسور من التعاون للإنتصار على كافة التحديات، وإزالة العقبات التي قد تعترض طريق التنمية، وتحقيق الخير لكلا الشعبين الإثيوبي والمصري.
وأُثمن أيضا على تصريح سيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، بأنه مستعد لزيارة البرلمان الإثيوبي ومخاطبة نوابه، وتأكيده على حق الشعب الإثيوبي في التنمية، وأن مصر لا يمكنها أبدا أن تقف في مواجهة هذا الشعب الذي يبحث عن حقوقه، ومن هنا جاءت إشادة الوفد الشعبي الإثيوبي بمصر، وبالمنحى الإيجابي في إدارتها للأزمة.
وأعتقد أن الشعبين، المصري والإثيوبي، هما صاحبا الفضل في اتباع هذا المنحى الإيجابي، سواء من قبل الإدارة المصرية، أو من قبل الإدارة الإثيوبية، فالشعوب تعد وبحق الدرع الواقي لتراب أرضها من أي اعتداء، وهي الأمينة على مصالح وطنها، ولا تأخذ من عالم السياسة المضلل، طريقا لها لخداع الآخرين، وسلب حقوقهم، فهي تسعى دائما إلى إرساء معايير الحق، والعدل، والمساواة، لحل أي أزمة.
فمما لا شك فيه أن الرهان على الشعوب لحل المشكلات والأزمات يكون مضموناً كسبه، عكس الرهان على الساسة المخادعين، والمضللين، الذين قد يأخذوا دولهم إلى طريق الندامة، أو كما يقولون إلى سكة " اللي يروح ميرجعش " !
*أستاذ بكلية الحقوق-جامعة أسيوط
وعضو المجلس المصري للشئون الخارجية



