بقلم : د. شحاتة غريب
بغض النظر عن ميولنا لحركة معينة دون الأخرى، وبغض النظر عن نقدنا لتوجهات جماعة معينة، ودفاعنا عن فكر جماعة أخرى، فإن الأمر الذي لا خلاف حوله هو الحفاظ على مقدرات الوطن، وعدم تدمير بنيته التحتية، وعدم اتباع سياسة " اما فيها أو أخفيها " كما يقول المصريون، وأن يعم الدمار الشامل على الكافة طالما أننا خارج الملعب السياسي !
تلكم هي للأسف الشديد مبادئ البعض الذي لا يرى إلا نفسه، ولا يرى إلا معتقداته، وأنه المهدي المنتظر، الذي يأخذنا من عالم الضلال إلى عالم الهداية، وهو لا يدري في حقيقة الأمر أنه يأخذنا إلى طريق مسدود، كله عقبات وعراقيل، تعطل مسيرة التقدم والتنمية.
فطريق الهداية الحقيقي لا يمكن أن نسلكه إلا إذا كنا مخلصين لهذا الوطن ومحافظين على ثرواته، وخيراته، وإذا لم نكن كذلك، فما الفرق إذن بيننا وبين أعداء الوطن؟! وما الفرق بيننا وبين مَن يحول ثمار الخير إلى بذور الشر؟! وما الفرق بيننا وبين الأعداء عندما نطمس الربيع تحت الأنقاض، ونحول حياتنا إلى خريف تتساقط فيه كل أوراق الوفاء، والحب، والإخلاص؟! وما الفرق بيننا وبين الأعداء ونحن ندمر كل يوم ثرواتنا، ونفعل ما لم يستطع المحتل فعله على مدار سنوات من الظلم والقهر والإضطهاد ؟!
فما يحدث في ليبيا الآن لا يمت بأدنى صلة إلى روح الولاء لهذه البلد العربية الشقيقة، التي أنعم الله عليها بالعديد من النعم والخيرات، ولكن للأسف الشديد لم تقدر المليشيات المسلحة الموجودة بها نعم الله سبحانه وتعالى، وعملوا على تخريبها وتدميرها، ورسموا مستقبلا كئيبا للأجيال التي تأتي من بعدهم !
فالمليشيات المسلحة الإرهابية لا ترى المستقبل، ولا تعرف طريقه، وضلت الطريق الحق، وضحت بليبيا من أجل طمع الدنيا، فطالما أنها لم تصل إلى السلطة، فلا حياة حينئذ، ولا دولة، وسيعم الخراب كل مكان على الأراضي الليبية، وأن هذا هو مصير كل مَن لم يرفع شعار السمع والطاعة لمبادئها !
فما أعرفه في عالم السياسة، أن يدخل الفصيل السياسي المعركة من أجل البناء، وليس من أجل التدمير، وأن يراهن على أجندته وبرنامجه التنموي، كي يحصل على ثقة الشعب، ويسانده لتحقيق تطلعاته، فمَن يريد أن يكون له دورا مهما في الحياة السياسية يجب أن يقدم لبلده كل الخير، وأن يضحي بكل ما يملك من أجل رفعة شأن بلده، فالتضحية، والإخلاص، والوفاء، وعدم انتظار المقابل، هم سمات المحب للعمل العام والتطوعي من أجل بلده، ومساندتها في طريقها نحو الرقي والرخاء.
فما يحدث في ليبيا الآن من حرق للعديد من خزانات النفط هو الفساد بعينه، ولعل دهشتي حول هذا الأمر تكمن في طرح التساؤل الآتي: كيف تقول الميلشيات المسلحة بأنها تريد الخير لليبيا وتحقيق الديمقراطية، وهي تحرق ليبيا؟! وكيف تدعي أنها تدعم حقوق الإنسان وهي تنتهكها؟! أليس في تدمير حقول النفط وحرق خزاناته انهيارا للحقوق الاقتصادية التي ينبغي على الدولة تعزيزها من أجل المواطن الليبي؟!
فما يحدث في ليبيا يمثل اعتداء على الأمن القومي الليبي، فالثروة البترولية تعد قضية أمن قومي، كما هي كذلك في كل دول الخليج العربية، وأن اي اعتداء على هذه المقدرات البترولية سيؤثر سلبا على كل نواحي الحياة السياسية، والعسكرية، والاجتماعية، وليست الاقتصادية فقط !
ولذلك يجب على الشعب الليبي الشقيق أن يدافع عن مقدراته ، وثرواته، وأن يدخل المعركة من أجل البناء وليس من أجل التدمير، وأن يساند الدولة الليبية وليس فصيلا أو حركة إرهابية لا تهدف إلى تحقيق الخير لليبيا، فليبيا هي الأساس، وإذا انهار الأساس انهار كل شيء



