بقلم : أحمد شوقي العطار
(1) سئل الممثل الأمريكي القدير جاك نيكلسون في إحدي اللقاءات التلفزيونية عن "متى يصل الممثل الى أقصى لحظات إبداعه؟ .. فرد على محاوره " بل اسألني كيف يصل الممثل الى ذروة إبداعه و ليس متى؟ و سأجيبك
.. " عندما لا يمثل"
أظن أنني أدركت ما يقصده جاك نيكلسون تحديدا عندما شاهدت نشوى مصطفى و هي تؤدي دورها في مونودواما من تأليفها بعنوان "سيلفي مع الموت" على خشبة مسرح ميامي.
(2) النص ينتمي الى فئة المونودراما، وهي مسرحية الممثل الواحد، بمعنى أن يقوم بتشخيص المسرحية ممثل واحد فقط وهو المسئول عن إيصال رسالة المسرحية ودلالاتها جنباً إلى جنب عناصر المسرحية الأخرى، و تصنف المونودراما كواحدة من أصعب أنواع الفنون المسرحية، سواء على مستوى التمثيل أو الكتابة، و كلاهما أبدعت فيه نشوى مصطفى.
ونص المونودراما يحتاج لإمكانات كاتب واسع الخيال، وصاحب رؤية تمكنه من ضبط السرد والترهل الذي يمكن أن ينتج عن طبيعة اللغة في هذا النوع من الكتابة، و متمكن من تصعيد الحالة الدرامية بشخصية واحدة على الخشبة، و هو ما حققته نشوى كمؤلفة بجدارة
بشكل عام النص يقدم معالجة ذات رؤية مختلفة عن حياة البرزخ و هي تلك العالم غير الملموس الذي يفصل بين الموت و الحساب، فالشخصية تدخل الى قبرها مع بداية العرض و تظهر على خشبة المسرح منتظرة ما بعد الموت، و ينتهي العرض في تلك اللحظة التي تستدعى فيها الروح الى لحظة الحساب، ساعة كاملة من المتعة و الإثارة و التفكير نعيشها مع الشحصية في برزخها و هي تنتظر نتيجة الإختبار الدنيوي و مصيرها الأخير.
تبدأ "منى" – نشوي مصطفي- منذ دخولها الى القبر في التعرف على المكان، و قد نسيت كل شيء يتعلق بحياتها قبل هذه اللحظة، و تستعيد طوال العرض تفاصيل حياتها فوق الأرض، و ما مرت به من ألم و فرح و صدمات و أنكسارات و انتصارات أيضا، و تتورط في في صراع داخلي مع النفس و مع عواطفها، و تبحث في حوار ذاتي داخلي عن حقيقة الحياة و الأشياء و الوجود، و تواجه نفسها بهذه الحقائق و تفندها، حتى تأتي اللحظة التي تعرف خلالها أنها لم تعد على قيد الحياة، و أن الموت أصبح في مواجهتها، فتقرر التأقلم مع فكرة الموت باعتبارها الحقيقة الثابتة الوحيدة، بعدما اكتشفت أن كل الحقائق التي عاشتها كانت متغيرة و تتصارع داخلها أو داخل الأخر الغائب أو المجهول، و في هذه اللحظة نصل الى ذروة العرض و أكثر أوقاته ابداعا على الإطلاق خاصة على مستوي التمثيل و النص، و في تلك اللحظة تبدأ الشخصية حوارا مع الموت، بكل ما تحمله تلك اللحظة من غموض و رهبة و تأرجح بين قبوله و رفضه و سرد رائع للأسئلة المصيرية التي تسكن عقل الإنسان حول الموت و طبيعته، و تحول لغة الحوار في هذا التوقيت من العامية البسيطة الى الفصحى كان موفقا جدا، و معبرا عن جلال اللحظة و رهبتها و غموضها، هذه الجزئية بمفردها كانت بمثابة عرض داخل العرض، و تخرج الشخصية من هذه المرحلة و كأنها تطهرت تماما و أصبحت جاهزة للحظة الحساب و أدركت ماهية الموت و ما بعده، لينتهي العرض و قد مر زمن البرزخ و الروح في طريقها الى لحظة الحساب.
النص متماسك و جمع بين التفسيرات الإنسانية و الدينية و السياسية في خلطة مسرحية أكثر من رائعة تجذب المشاهد لمناطق غير مأهولة و لم تعالج من قبل و تدعوه للتأمل و التفكير و التوحد مع الشخصية الوحيدة بالعرض و اطلاق العنان للتساؤلات و المراجعات و فهم الأشياء و تقييم التجربة الإنسانية من كل جوانبها و التصالح مع النفس أولا و مع الموت و ما بعده ثانيا، كما أن الحوار بسلاسته و عمقه كان معبرا للغاية عن أزمات اجتماعية مصرية ملحة، طرحها و حاول علاجها في نفس الوقت.
(3) صدق الأداء التمثيلي وقوته وحساسيته كان عاملا رئيسيا في تقبل المشاهد للأفكار الفلسفية و الأسئلة الوجودية التي يطرحها النص، نشوى مصطفي تجنبت تماما المبالغة و النمطية التي تلوث تمثيل هذه الأيام، و ملئت خشبة المسرح بطاقة تمثيلية هائلة عوضت غياب الأخر - و هو الأزمة التي تواجه صناع عروض المونودراما في معظم الأحوال- و استخدمت طبقات صوتها المختلفة بشكل متميز لتعبر من خلالها عن تباين الأفكار و المواقف و الحقائق التي تستعرضها طوال الوقت و تعبر أيضا عن تعدد الأصوات داخل النفس البشرية الواحدة.
لغة الجسد كانت العمود الفقري لنجاح نشوى مصطفي في أداء دورها، و امتلكت موسيقى جسدها الخاصة ببراعة و تحديدا في لحظات الصمت.
نشوى مصطفي لم تمثل – على طريقة جاك نيكلسون- في هذا العمل المسرحي الاستثنائي، فلمست بيديها سقف الإبداع، و استطاعت الجمع بين النضج الفني لممثلة ذات خبرة طويلة و حماس الممثلين الجدد الذين يعتلون خشبة المسرح للمرة الأولى، و انتقلت من حالة إلى أخرى داخل العرض بسلاسة و حرفية، و طوعت أدواتها بالكامل لتجذب المشاهد طوال زمن العرض دون أن ينفصل عن الحالة المسرحية و لو لوهلة واحدة، رغم التعقيدات التي تظهر في أفكار الشخصية و صراعها الداخلي و حوارها النفسي المعمق، تاركة العنان لموهبتها لتحلق في سماء الإبداع التي لم يقربها أحد إلا نادرا.
توهج الحالة الإبداعية لدي صناع العرض وعلي رأسهم نشوى مصطفى كانت سببا في تلك النشوة المسرحية التي تنتاب الجمهور كل مساء، و عناصر العرض البصرية خاصة السينوغرافيا و الموسيقى و الملابس ساهموا كثيرا في صناعة حالة مسرحية متفردة أخرجها محمد علام للجمهور بشكل جيد.
(3) "سيلفي مع الموت" هو إحياء لدور مسرح الدولة في وقت نحتاج فيه إلى نهضة مسرحية حقيقة، بعد أن عانى المسرح طوال سنوات مضت من الإهمال و التردي و التراجع في كل شيء، و لم يفلح أي وزير ثقافة منذ ثروت عكاشة في حل مشكلة المسرح المصري و أزماته التي وصلت الى مداها بعد ثورة يناير 2011.
لذا لابد أن نشكر و ندعم جميع القائمين على هذه التجربة و خاصة مدير المسرح الكوميدي – أحمد السيد- و رئيس البيت الفني للمسرح – إسماعيل مختار- و لابد أيضا أن نلفت نظر الجميع و تحديدا مؤسسات الدولة بداية من رئاسة الجمهورية و حتى الهيئات المعنية الى ضرورة مساندة هذه التجربة الرائعة و كل التجارب التي تسير على نفس الخطى لإعادة المسرح المصري الى دوره المعروف، و لابد أن يجد ملف المسرح رعاية خاصة من الدولة خلال الفترة المقبلة، و أعتقد أن توجيها واحدا من رئاسة الجمهورية كافي جدا لتتحرك مؤسسات الدولة بأكملها لحل أزمة المسرح و مشكلته المستمرة منذ عقود، و ذلك لأهميته و لما لدىه من قدرة على مواجهة الإرهاب و التطرف و الفكر الظلامي.
"سيلفي مع الموت" تجربة طمئنتني شخصيا على مستقبل المسرح المصري عندما يحرص صانعيه على نهضته و ازدهاره.
شكرا نشوى مصطفي و كل صناع العمل على هذا الفن الراقي الذي يخاطب كل فئات المجتمع، فبجواري كانت تجلس سيدة ترتدي النقاب و تتابع العرض بشغف و انفعال و تأثر، و هو مشهد لم أره من قبل، و يؤكد أن لغة المسرح تستطيع أن تخترق الجميع مهما كانت الاختلافات و التناقضات.



