الخميس 04 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : عماد عبد المقصود

شهدت الفترة التي سبقت العقد الحالي بزوغًا لنجم العديد من المواهب الشابة من رسامي الكاريكاتير - وزيادة كبيرة في المساحات المتاحة لفنانيه بزيادة المساحة المطبوعة من الصحف التي شهدت تنوعًا كبيرًا من حيث التوجه السياسي - إلي جوار الأجيال الكبيرة التي قررت الرحيل وتسليم الراية تباعًا منهم الفنان محسن جابر وتاد ثم رؤوف عياد.

 كما شهدت الساحة الدولية اضطرابًا، لا مثيل له بظهور الرسوم المسيئة للرسول الكريم حفلت بالغضب العارم على مستوي العالم الإسلامي والجاليات المسلمة في الغرب، وتجاوز الغضب في بعضها حد التظاهر إلي الانفلات وتحول إلي طاقة تدميرية، حيث قام بعض المتظاهرين المتطرفين في دول مثل باكستان بحرق وتدمير الكنائس. 

وتباينت ردود الأفعال الدولية في الغرب بين محايد ومتعاطف ومناوئ لموقف المسلمين الغاضب.

بعد أن قام أحد الرسامين الدنماركيين، برسم ونشر صورة لرجل ملتحٍ ذي رأس متفجر لم يقصد بها الرسول الكريم، وقتها عاد لمصر بعض من ينتمون للجماعات الإسلامية من المهاجرين بالدنمارك، وقاموا بنسخها منفردة وطباعتها والترويج لفكرة المؤامرة علي الإسلام بالإساءة لرسوله الكريم لكسب المزيد من التعاطف والأتباع الجدد. 

ولم تألو جماعة الإخوان المسلمين جهدًا – كعادتها – في تصدر المشهد بتلك الدعاية السوداء داخل الجامعات وغيرها بالملصقات والخطب الرنانة، والمزايدة علي المواقف الرسمية والجهود المبذولة من أجل تمهيد الطريق لاحتواء تلك الأزمة وإظهار الجانب الحضاري للإسلام والدعاية له.

ظهرت بعدها ردة فعل عكسية من مجموعة من الرسامين بالنرويج وألمانيا وفرنسا وإسبانيا، بالإساءة العمدية للرسول الكريم، واصفين إياه بأقذع الأوصاف، فمنهم من رسمه كقاطع الطريق، ومنهم من صوره بمشتهي الأطفال في مساحة تجمعه والسيدة عائشة في طفولتها، ليحتدم الشد والجذب بين الطرفين، ثم يهدأ مؤقتًا ولكن تظل الحمم مشتعلة تحت الرماد. 

لم يكد ينتهي العقد الأول من الألفية الثالثة، حتي هبت رياح التغيير في تونس وتلتها مصر، تعاقبت فيهما أنظمة وشهدت المرحلة الجديدة تغييرين للدستور وتعديلين ومساحة كبيرة من الحريات، استغلها الكثير من الرسامين في دفع الحراك المجتمعي تجاه النهضة والتنمية الشاملة والحريات، واستغلها بعض الموتورين في الإساءة والتمييز ضد الآخرين خارج الإطار المهن،ي بإعادة النفخ في حمم الطائفية والإساءة للأديان والرسل الكرام عبر نشر الأفلام المسيئة للرسول من قبل موريس صادق وتمزيق الإنجيل والتبول عليه من قبل أبو إسلام، في المقابل واجه المجتمع وقتها خطر الاقتتال الطائفي أثر صعود سياسي للإخوان المسلمين ازداد فيه الاستقطاب السياسي بشكل كبير، وواجه المجتمع فيه مخاطر الانقسام بسياسات الإخوان التي تقر بالخلافة ولا تعترف بفكرة الدولة الوطنية وتحارب الآخر ولا تعترف به.

شهدت تلك السياسات الأثيمة دعمًا من قلة منتفعة من ريشات الكاريكاتير ورفضًا من أغلبها، كما شهدت قمعًا لا مثيل له للرأي الآخر، وتهديدًا للرسامين ذوي الآراء الجادة عبر مواقع عملهم وصفحاتهم، ومحاولات دؤوبة للنيل منهم من قبل قطعان تابعيهم المغيبين، ودماء مهدرة لصحفيين وتهديدات لإعلاميين.

 

 

كاريكاتير ...."معزوفة الكراهية"

 

في تركيا يسعي أردوغان حثيثًا لسن قانون، يعطيه حصانة له ولحزبه ضد النقد والمساءلة في انتهاك صارخ لحرية التعبير، وهذا القانون بطبيعة الحال موجه لصدور الصحفيين، وفي المقدمة رسامو الكاريكاتير والكارتون مسجلًا أرقامًا قياسية في عدد مقموعي الرأي الآخر، وحبس ومقاضاة الرسامين من موسي كارت وسلفي واكجن، حتي رسام القصص المصورة غالب أتكين

 

استقرت الأوضاع بعد حلول يوم الثلاثين من يونيو 2013 وهدأت تدريجيًا نيران الطائفية التي طالما كافحتها ريشات الكاريكاتير، وكل وسائل الإعلام ويبدأ الحضور السيئ لسرطان فكري، اتخذ الصبغة الإسلامية في العراق والشام يدعي داعش، وقف زعيمه البغدادي خطيبًا بأحد منابر مساجد العراق، مهددًا ومتوعدًا العالم بالهلاك 

قامت بعدها مجموعة من مسؤولي تحرير مجلة "شارلي إبدو" الساخرة هذه المرة بالاقتصاص لرسول الإسلام من داعش، بتصوير النبي صائحًا في أبو بكر البغدادي والمصر على حز رأسه "أنا الرسول أيها الغبي"، في وصف دقيق لوحشية البغدادي وعدم اكتراثه بضحاياه وقدرهم.

الكاريكاتير هنا يحمل معني متعاطفًا مع الإسلام ورسوله الكريم، ويبرئته من وحشية البغدادي، لتتحرك خلايا نائمة لداعش صوب مقر المجلة في جريمة هي الأكثر بشاعة بإطلاق النار على الرسامين والمحررين وإردائهم قتلي لتهتز مشاعر العالم تعاطفًا مع الضحايا. 

ولكن مع الأسف يستدعي الكثير من المسلمين من الكادر المرسوم، صورة النبي المصورة بشكل كاريكاتيري، ليضموها جنبًا إلى جنب مع الميراث السابق من الإساءة للرسول، ولا يكترثون بمضمون الكاريكاتير المعاكس لانطباعاتهم والداعم لفكرة الإسلام المتسامح، ونفي صفة الوحشية عنه لتثور موجات الغضب والتظاهرات مجددًا.

بعد تواصل اتهامات بمعاداة السامية، تلاحق نيويورك تايمز وإجبارها علي الاعتذار لنشرها كاريكاتيرا، يصور نتانياهو بالكلب الذي يقود مالكه الضرير ترامب منذ ابريل الماضي، قررت الصحيفة حاليًا التخلي عن نشر الكاريكاتير السياسي ليحصل رساماها "باتريك شابات وهنغ كيم سونج، علي مكانين في طوابير رسامي الكاريكاتير العاطلين.. صحيح هناك خطأ مهني حدث بنشر كاريكاتير يخالف السياسة التحريرية للصحيفة، وسواء كنت تتفق مع مضمون الكاريكاتير أو لا تتفق، كان يجب ألا ينشر وهذا الخطأ يعاقب بسببه مسئول النشر وليس رسامو الكاريكاتير الآخرون ... لا يتفق رسامو الكاريكاتير بشكل كامل مع السياسة التحريرية للصحف التي يعملون بها، ولكن يعملون على نقاط التماس والتوافق بين مبادئهم وأفكارهم، وبين السياسة التحريرية ولا يرسمون ما يناقض مبادئهم وأفكارهم. 

هكذا يعمل غالبية رسامي الكاريكاتير، الذين ينشرون بالصحف أو لا يزالون وللأسف هناك المزيد من ضحايا أخطاء النشر من رسامي الكاريكاتير، وغيرهم مازالوا ينضمون لطوابير البطالة

 

 

 

67 عامًا مرت على ميلاد الإصدار السياسي الساخر والأول في الولايات المتحدة "مجلة جنون".

 

“MAD MAGAZINE”

 

قبل أن تُعلن شركة "دي سي كوميكس"، المالكة للإصدار نبأ وفاته الصادم، واختفائه من فرشات الجرائد والمكتبات.

لقد أثرت مجلة "ماد" في وعي ووجدان النشء، وحفرت لنفسها مكانًا مميزًا في ذاكرتهم، بالشكل الذي جعلهم يتشككون بشكل شبه دائم في أقوال وأداء رجال السياسة، ولا يثقون في السلطة في صورة السياسيين أو المعلنين أو مذيعي برامج التوك شو، أو بعض الشخصيات الإعلامية، وحوّلت السياسة برمتها إلى برنامج تليفزيوني ساخر شديد الهجاء، قد يصل إلى حد الوقاحة في بعض الأحيان.

باستخدام شخصية "جنون" المبتكرة، التي تظهر على الغلاف لطفل فقد أحد أسنانه، معتدًا بذاته، فارضًا حضوره المقلق، ومبتسمًا بسخرية.

امتدت سياط نقده الساخر من أداء السيناتور "جوزيف مكارثي"، منذ العام 1952 حتى سياسات وتويتات ترامب الآن، ولا تتوقف عند حدود النقد السياسي، بل تتخطاها إلى نجوم الفن والأدب وحتى الطبخ.

وحيث بدأ ككتاب ساخر عام 1952 سرعان ما تحوّل لمجلة عام 1955 تُساهم في التنوير، وطرح المزيد من الأسئلة في طريق الحقيقة المليء بأكاذيب السياسة.

ما حدث طيلة هذا العقد من صعود محلي وعالمي لفن الكاريكاتير، ثم انحسار مدوٍ

يجعلنا نتساءل، حول الأسباب بمزيد من القلق والخوف من موجة القمع، التي تجابه السخرية، مسكتة أصواتها الحرة في معظم بقاع العالم.

 
تم نسخ الرابط