الخميس 04 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : محمد عادل


بعد فض اعتصامي "رابعة" و"النهضة، خرج "د. علي جُمعة" – مُفتي الجُمهورية السابق – بِتصريحهِ المُدافع عن شباب جماعة الإخوان – رغم هُجومهِم المُستمر  عليهِ حتى الآن ! - فقال : "اتهام شباب الإخوان بِأنهُم ارهابيين، حيث أن كثيراً مِنهُم هُم شباب أعمى، لا يعرفون الحقيقة، كما أن بعضهم يعتقدون أنهم يُدافعون عن الإسلام" .

 

ربط "شباب الإخوان" بِوصف "الإرهابيين"، رُبما تأتي كنتيجة طبيعية بِالنظر إلى تصرفُاتهِم على أرض الواقع أو في مواقع التواصل الإجتماعي كـ Facebook و Twitter ، فما يقوموا بِه مِن حربٍ شرسة لِلدفاع عن أفكارهِم، بل وقد يصل الأمر إلى الإصرار على تسمية مَن يُخالفونهُم الرأي بِالعديد مِن المُسميات كـ "لاعقي البيادة \ الإنقلابيون .. إلخ"، لا يُمكن بِحال أن تعدو كونها مُجرد تصريحاتٍ مِن شبابٍ غاضب بِسبب مَا يحدث لهُم ولِقادتهُم حتى اليوم، فالكثيرون مِنهُم تصريحاتهُم مُتطرفة، ولا تخرُج عن التوعد بِالقتل والسحل وغيرها، والغريب أنها نفس التصريحات التي قيلت قبل 30 يونيو، وتراجع الكثيرون مَن قائليها اليوم، لعل أشهر المُتراجعين عن هذه التصريحات صاحب التصريح الشهير لأحد المُنتمين لِلجماعة الذي هدد فيه الفريق أول "عبد الفتاح السيسي" بِعبارة "هنفجر مصر" في مقطع الفيديو الشهير المُتداول على موقع الـ Youtube ! .. لكن يبدو أن شباب جماعة الإخوان ما زال على طريقِه في استخدام العُنف كبديل وحيد لِحل الأشياء، وهو ما يربطهُم أكثر بِـ "الإرهاب"، وهو ما دفع الكثيرون – حتى الكثير مِن المُثقفين والمُنتمين لِلتيار المُقابل للإخوان - إلى اعتبار أن شباب الجماعة هُم "ارهابيون" في النِهاية .. لكن السؤال : ما الفارق بين الإرهابي الذي نعرفُه وشباب الجماعة الذين يتحدثون بِلُغة الإرهاب ؟! .. وهل هُناك فارق أصلاً ؟! .. وما الفارق بين التركيب النفسي لِلإرهابي والتركيب النفسي لشباب الجماعة الذين لا يتحدثون سوى بِلُغة العُنف ؟! .. وهل شباب الجماعة – كما يُشير البعض – في حالة صدمة الآن بِسبب ما هُم فيه لهذا يلجأون لِلعُنف ؟ .. أم أنهُم في حالة انكار ؟ .  

 

توجهتُ بِأسئلتي هذه لِـ "د. هِبة عيسوي" أستاذ الطِب النفسي قِسم الأمراض النفسية والعصبية بِكلية الطب في جامعة "عين شمس"، أجابتني : "في البداية يجب أن نُفرق بين شيئين، فهُناك فارق بين مُجرم عتيد الإجرام، الذي قد يذهب ليُفجر مبنى وزارة الداخلية مثلاً، وبين الإرهابي الذي قد يقوم بِنفس الفِعل، لكن لِسببٍ آخر تماماً .. المُجرم لديه أهداف ذاتية لِلقيام بِهذا الأمر، فقد تكون لديهِ رغبة في سرقةِ شئٍ ما، أو مثلاً يُريد حرق الملف الإجرامي الخاص بِه الموجود داخل مبنى وزارة الداخلية، أو يقوم بهذا مِن أجل المَال، حيث قام أحدُهم بِعرض مُقابل مادي عليه لِلقيام بِهذا الفِعل، وفي النهاية المُجرم يقوم بِهذا التصرُف وهو يعلم تماماً بِأنه يقوم بِشئٍ ضِد القانون .. أما الإرهابي، فقد يقوم بِنفس الفِعل – أي تفجير وِزارة الداخلية – لِسببٍ آخر تماماً هو أنه موعود بِالجنة أو لأنه يُنفذ أوامر الشيخ الذي يُطيعه، فهو في النهاية يُنفذ أمراً واجباً عليه، بِصرف النظر ما إذا كان صحيحاً أم العكس، لهذا فالإرهابي لا يأخُذ مُقابلاً أو مُكافأة كالتي ينالها المُجرم، لأن الإرهابي في النهاية قد تعرض لِعملية غسيل مُخ، جعلت مِن خلايا السمع والطاعة نشطة لديه إلى حدٍ كبير" .

 

تُضيف "د. هِبة عيسوي" : "أيضاً يجب أن نُقسم جماعة الإخوان لِثلاثة أقسام .. القِسم الأول وهُم قادة الجماعة أو مكتب الإرشاد وهولاء ارهابيون .. القِسم الثاني هُم القواعد الصغيرة أو المُنفذين لِعمليات وتعليمات قادة الجماعة، وهُم الشباب الذين نجد أغلبهم ينزلون ليُدافعوا عن القادة، ونجد مِنهُم من يدفع بِنساءه وأطفاله أيضاً لِدعم الفِكرة، والشباب هُنا ليس كأي شباب نعرفُه، لأنه تم اختيارهِ بِعنايةٍ شديدة، كما أنهُم مُدربين تدريباً كبيراً .. القِسم الثالث هُم المُنتسبين للإخوان أو بِالأدق المُتعاطفين مع الموقف السياسي للإخوان، رغم عدم انتسابهِم لِجماعة الإخوان أصلاً، وهولاء تبعوا الإخوان في البداية لإحساسِهم بِالصِدق في خِطاب الجماعة، وهولاء يتحدثون بِشكلٍ انساني عن وضع مُرسي اليوم مثلاً" .       

 

"لِلأسف القادة هُم الذين يُسيروا القواعد لا العكس – أي شباب الإخوان – خاصةً وأن القادة قد ربوا مُعظم هولاء الشباب على الطاعة مُنذ الصِغر" .. وما زال الحديث على لِسان "د. هِبة عيسوي"، التي تقول : "قادة الإخوان استطاعوا تطبيق اجابة السؤال : كيف تقود الآخر ؟ .. فِمثلما استطاع هِتلر قيادة مُناصريه بِحجة أنهُم الجِنس الآري أو الجِنس الأفضل الذي لا بُد وأن يحكُم العالم، قام قادة الإخوان بِتوجيه شباب الجماعة لِنفس الشئ، فهُم دائماً ما يُشعرونهم بِالإختلاف وبِالتميُز، بِدليل تصريحاتهِم عن الجنة وكأنها لهُم فقط، وكذلك تضخيم ذوات شباب الجماعة بِأوصافٍ مِثل أنهُم الأحسن والأفضل أو هُم الذين يفهمون في كُل شئ حتى في علوم الشريعة ذاتها ! .. وهذا النوع مُغيب تماماً، ويسير في طريق العُنف، لأنهُم تحت تأثير شِعارات فِضفاضة، والإحساس بِذواتِهم عاليٍ جِداً، وأغلب هولاء قد اختاروهُم القادة لأنهُم أميل لِلعُنف في حل مشاكلهم، وهُم شخصيات مُضادة لِلمُجتمع، فقيرة في المَهارات الإجتماعية، لكن دعنا لا ننسى وجود نوع آخر مِن شباب جماعة الإخوان كإخوان بِلا عُنف مثلاً، وهولاء ليسوا بِالعدد القليل، والذين يُحاولون جدياً انقاذ الجماعة مِن الإنتحار" .

 

وبِسؤال "د. هِبة عيسوي" : هل الإخوان في حالة صدمة أم انكار ؟ .. تُجيب : "هُم في حالة انكار، فهُم لا يستطيعون مواجهة ذواتهم، لأن الشاب الإخواني لو اقتنع داخلياً بِأنهُ على خطأ، فهذا معناه أن كُل حياتُه الماضية كانت خطأ، لهذا يقوم بِما نُسميه Self Defense أو الدِفاع الذاتي مِن خِلال حالة الإنكار التي يتخذها .. والحل هو أن يجلس هولاء مع أنفُسهم في حالة مُراجعة، وأن يتم هذا مع شخصٍ يثقون فيه، ويجب أن تكون أغلب هذه المُراجعات ارشادية، بِمعنى أن يتم الإشارة إلى الطريق، ليبحث فيه الشاب المُنتمي لِلجماعة، وبِالبحث سيصل بِنفسه إلى المُراجعات الصحيحة، أي يُعيد اكتشاف نفسُه، لكن هذا لا يتم في يومٍ وليلة، كما أن مسألة ابعاد قادة الجماعة عن الصورة أفضل لِهولاء الشباب لأن القادة هُم المصدر الذي يستخلص مِنهُ هولاء الشباب المُبررات لِتصرُفاتهِم هذه، خاصةً وأن شباب الجماعة لديهم سُلوك نمطي أي أنه قد تعود على مِثل هذا التصرُفات، بل ويُجزى عليها، لهذا فتغيير الطريق يحتاج لِمجهودٍ و وقت" .

 

وعملاً بِمبدأ "الرأي والرأي الآخر"، تحدثت مع "د. يحيى أبو الحسن" – عُضو مجلس الشورى السابق والمُنتمي لِحزب الوسط – الذي يرى العكس تماماً مِمَا قالتُه "د. هِبة عيسوي"، فيقول : "الإخوان ليسوا في حالة انكار لِلواقع، بل هُم في حالة تصميمٍ شديد على ما هُم فيه، لأنهم يعلمون جيداً ما يقوموا بِه، لِدرجة أن أحدهم قال لي أنه مُستعد لِلموت في سبيل نُصرة القضية، وهُم ليسوا قلقين كما يقول البعض عنهُم .. ولا أجد لِشرح الطبيعة النفسية لِشباب الجماعة أو الإخوان جميعاً أي معنى، فكُل شخص تركيبتُه ودوافعُه مُختلفة، إلا أن يكون مَن يقوم بِالتحليل النفسي يأتي ليُحللني شخصياً ! .. والحديث عن انتمائي لِقِسم المُتعاطفين مع الإخوان – رغم عدم انتمائي لِلجماعة – فأُحب أن أقول أنني لستُ مُتعاطفاً مع الإخوان، لكني مُتفق مع الإتجاه الذي يسيرون فيه وهو المَسار الديمُقراطي، الذي قد لا يختلف أحد في رأيه عنهُ، سواء كان ليبرالياً أو يسارياً أو مِن حِزب الوسط مِثلي أو خِلافُه" .

 

يُضيف "د. يحيى أبو الحسن" : "انتمائي لِحزب الوسط ولتيار الإسلام السياسي لا يعني قد لا أختلف في آرائي مع أحزابٍ أُخرى كالحُرية والعدالة والنور وغيرها، لكني في الوقت نفسُه مع المسار الديمُقراطي، الذي يأتي بِرئيسٍ لِلجُمهورية، وبعدها يُزيح الرئيس الذي لا يُعجبني أيضاً بِالصندوق، ولا أُنكر أن الرئيس مُرسي كان رئيساً سيئاً جداً، وهو ما قُلت عُنه في جميع تصريحاتي قبل 30 يونيو، وحاولتُ كثيراً التنبيه إلى ضرورة عمل مزج في العمل السياسي بين جميع الطوائف السياسية، ليكونوا نسيجٍاً واحداً، لكن في رأيي أن ما حدث بعد 30 يونيو يعني أن الرئيس القادم سيكون أسوأ، لأننا تخلينا عن الديمُقراطية، وبِالتأكيد أي سياسي لن تجتمع عليهِ كُل الآراء، حتى لو كان في مِثل مكانة رمسيس ويصا واصف أو مكرم عبيد، لكن العملية الديمُقراطية تجعلنا في طريقٍ واحدٍ، فإذا لم يُعجبني شخص ما، أُخرجه بِالصندوق" .

وعن رأيه في السبب بين ربط الكثيرون بين "الإخوان" و"الإرهاب" الآن، فيقول "د. يحيى أبو الحسن" : "السبب في هذا كُله هو الإعلام، فكُل يومٍ كُنا نسمع أن بِداخل رابعة العدوية أسلحةٍ ثقيلة في وسائل الإعلام، ليخرُج علينا وزير الداخلية بعد فض اعتصام رابعة بِأن ما تم ايجادُه فيه هو 9 بنادق آلي وفرد خرطوش ! .. رغم أن هذا شئ عادي جداً، قد تجدُه في عائلة صعيدية لا تنتمي للإخوان ! .. والإعلام هو الذي يخلق دائماً هذه الصور المُبالغة، وقد نجد غداً ما يجدُه الإعلام ليربُط فيه بين المسيحيين والإرهاب، ولعلنا لا ننسى تصريح د. محمد سليم العوا قبل ثورة 25 يناير حينما صرح بِأن داخل الكنائس أسلحة، و وقتها قامت الدُنيا ولم تقعُد، وكُل هذا بِسبب الإعلام" .

 

يختتم "د. يحيى أبو الحسن" حديثُه : "ربط فصيل سياسي ما بِتهُمة الإرهاب لا تؤدي لإقصاء أو اخصاء هذا الفصيل السياسي، فالحل الأمني ليس حلاً، والحلول الأفضل دائماً هي الحُلول السياسية، فإذا وجدنا ما يُسمى بِأخونة الدولة أو عسكرة الدولة، فيجب أن تكون قبلها قوانين مُلزمة ومُفعلة وتقضي بِعَدم سيطرة فصيل سياسي واحد على مقاليد الأُمور، كأن يخرُج قانون ينص على أن 20 % مِن المُتولين لِمناصب الدولة قد يكونوا مِن الفصيل السياسي المُسيطر على مقاليد الأُمور الآن مثلاً، مِمَا يعني أن 80 % الباقية سيكونوا مِن فصائل سياسية أُخرى، مِمَا يُحقق التوازُن، فسواء أنت مع تيار اليمين أو اليسار لا يُمكن خطف مِصر لِصالح فصيل سياسي واحد، والتاريخ دائماً ما يُثبت هذا الشئ" . 

 

والآن عزيزي القارئ أنت أمام رأي و رأي آخر .. فأيهُما تختار ؟ .. ولِماذا ؟ .

تم نسخ الرابط