" Les Miserables " هذا الفيلم الفرنسي قد يجعلك توشك على البُكاء أو أن تبكي بالفِعل، فالأشياء الجميلة بحق، هي التي تطلب مِن دموعك الخروج مِن مآقيها، بسبب شِدة جمالها و روعتها ! .
رواية "البؤساء"، التي كتبها "فيكتور هوجو"، والتي قُدِمَت مِئات المَرات في السينما والتليفزيون، هي في هذا العام تُقدم بشكلٍ جديد، وفي فيلم بِنكهةٍ مُختلفة، فرغم أن فيلم هذا العام – المُرشح لثماني جوائز أوسكار – غنائي، موسيقي، على مَدار أكثر مِن ساعتين ونِصف الساعة، إلا أن النُسخة الجديدة تدفعك إلى الإنبهار بكُل شئٍ فيها، فالرواية الكلاسيكية – التي ذكرنا أنها قُدِمَت مِن قَبل – مليئة بالميلودراما والمَواعظ وكُل ما مِن شأنه أن يدفعك لأن تبتعد تماماً عن أن تمس هذا العمل، أو أن تُعرض نفسك – مِن خِلاله – للمُقارنة مع ما سبقه مِن أعمال، إلا أن مُخرجه "توم هوبر" يتشجع لتقديمها، بالإستعانة بخمس كُتاب مِن السيناريو، بالإضافة لكاتبين مسئولين عن تقديم الشكل الغنائي أو الموسيقي الذي يتم على أساسه صياغة الأحداث بِه .
أيضاً تم الإستعانة بفريق كبير وقوي مِن النجوم كـ "هيو جاكمان"، "آن هاثاواي"، و"راسل كرو"، لتقديم الأدوار الرئيسية في الفيلم، تحديداً "جاكمان" و"كرو"، ففي حين يلعب الأول دور اللص "جان فالجان"، الذي يهرب مِن حُكم البراءة المشروط، يلعب الثاني دور الضابط "جافير"، الذي يُلاحق "جان فالجان" في كُل الأماكن، لاعباً في الوقت نفسه دور العدالة العمياء عن روح القانون لا عن القانون نِفسه، إلا أن "فالجان" يستطيع أن يمحو ماضيه بأن يعود للمُجتمع كعُمدة صالح لبلدته، بل وأن يكون مسئولاً عن الفُقراء – خاصةً وأنه يشعر بأنه واحداً مِنهم – إلا أن القدر يلعب لعبته، ويجعله يُقابل "جافير" كمسئول عن العدالة في بلدته، يشك فيه "جافير" في أن يكون هو نفسه الهارب "فالجان"، وتستمر لعبة القِط والفأر طوال أحداث الفيلم بينهما، يتخللها مُحاولات "فالجان" بالتكفير عن ذِنوبه بشتى الطرق، فمِن مُساعدة الفُقراء، إلى مُساعدة الطفلة "كوزيت"، والتي ماتت والدتها "فانتين" موصية "فالجان" أن يرعاها، وبالفِعل يُصبح "فالجان" عاشقاً لهذه الطفلة، التي تملأ وحدته، إلا أن "جافير" يظل يُطارده، حتى بعدما كبرت "كوزيت" وأحبت، بل وحتى بعدما يُنقذ "فالجان" "جافير" نفسه مِن الموت! .
إنه الخط الإنساني الذي نلهث في مُتابعته، بكاميرا حيوية، تقوم أغلب الوقت برصد أفعال وتعبيرات المُمثلين، في مَشاهد مُصورة بطريقة اللقطة الواحدة، أو حتى بتقطيعات، تبدو أنها مدروسة بعِناية شديدة، مع الإستعانة بعُنصري الديكور والإكسسوار، للتأكيد على مِصداقية المرحلة الزمنية التي تتناولها الأحداث، بدايةً مِن عام 1815 ، أي بعد 26 عاماً مِن قيام الثورة الفِرنسية، حيث يعتلي الملك عرش فرنسا، وكأن الثورة لم تقُم لها قائمة ! .
الخط السياسي هو الخط الموازي للخط الإنساني الذي نُتابعه، والذي يتم بلورته طوال الأحداث على مِهلٍ، بإظهار مَدى الفقر والعوز الذي يعيشه العديد مِن الأشخاص، لدرجة أن تبيع السيدات شعورهن وأسنانهن، بل وأجسادهن – و"فانتين" مِثال واضح على هذا – في حين يبدو واضحاً عدم تحقيق الثورة العَدالة الإجتماعية – التي تُطالب بها أي ثورة بين الفُقراء والأغنياء – في حين تبطش العدالة بكُل مَن يخرج عن القانون، حتى وإن كان هذا الخروج نظراً للعوز – كـ "جان فالجان" الذي سُجِن لسنوات لمُجرد أنه سرق خُبزاً لإبن شقيقته ! – أو كان هذا الخروج احتجاجياً – كتجمع الشباب الفرنسي وتحديداً الأغنياء مِنهم كـ "موريس" حبيب "كوزيت" - فتتشكل لنا مُقدمات الثورة الثانية، التي جاءت لتُطالب ما كانت تُطالب بِه الثورة الأولى، إلا أن الخروج هُنا على الحاكم يُصبح غير قانوني، فوضوي، يؤدي لأعمال عُنف، فهولاء بلطجية ! .
يتقاطع الخطان – الإنساني والسياسي – في الفيلم، ينصهران معاً في بوتقةٍ واحدة، بشكل يكاد يكون يُشعرك بأن الخطين واحد، فالثورة هي في حد ذاتها فعل رومانسي، والرومانسية هي فعل ثوري على العادات والتقاليد وكُل ما مِن شأنه أن يُعطل أو يكبح زمام هذه المَشاعر، وتشعر وكأنك طوال الفيلم مُحلقاً في عالمٍ آخر، لا تُدرك أبعاده، لشعورك بالتوحد مع كُل ما تُتابعه، ولصِدق المُمثلين جميعهم في نقل ما بداخل الشخصيات مِن أحاسيس وانفعالات مُختلفة .. كما أن جميع العناصر الفنية الأخرى للفيلم - كالملابس والمكياج وأماكن التصوير وغيرها - كُل هذا اجتمع معاً لخلق "تُحفة فنية جديدة" مِن "البؤساء"، تستحق الترشيحات الثمانية التي نالتها، خاصةً أنها أعادت رواية كادت أن تقتلها السينما إلى الحياة مرةً أخرى .
تفشل الثورة الفرنسية الثانية في تحقيق ما قامت مِن أجله الثورة الأولى، لتخاذل الشعب عن نُصرتها ! .. ألا يُذكركم هذا بشئ ؟ .. إنه الأقرب لما نعيشه اليوم في مصر، فما أشبه الثورات حتى وإن اختلفت جنسياتها ! .. حتى لو كانت ثورة عُمرها عامين كالثورة المِصرية، أو ثورة عُمرها أكثر مِن مائة عام كالثورة الفرنسية ! .. الثورة مُستمرة في كِلا الحالتين، بل أن نتائج الثورة الفرنسية الثانية، أشبه بنتيجة ثورتنا الثانية الآن، إلا أنك تتساءل حينما يتردد صدى الحُرية والعدالة الإجتماعية والحياة في العالم الآخر – أو الموت – : هل هذا هو مصير ثورتنا ؟ .. الموت ؟! .. أم أن لثورتنا مصير آخر مُقدر لا نعرفه الآن حتى وإن كانت كُل المُقدمات تُنبئنا بعكس هذا ؟ .. و رغم تعدد الأسئلة، بدون أن تُشفي غليلك اجابة واحدة، إلا أنه لا يسعك إلا أن تقول : "الثورة مُستمرة" .