الخميس 04 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : محمد عادل
 
انشغل الجميع – بدايةً مِن الصحافة – بالسعي وراء معرفة أرقام إيرادات فيلم "على جُثتي" التي ارتفعت في بداية الأمر، ثُم سُرعان ما هبطت، ثُم تحليل أسباب هذا الإنخفاض، والتكهن بالأسباب، التي وجد البعض أنها – كما نُشِرَ - بسبب ضعف الفيلم وعدم استغلال مُخرجه "محمد بكير" لقُدرات "حِلمي"، والبعض تكهن بأسباب أُخرى – نُشِرتَ أيضاً – حيث علق صُناع الفيلم مسألة انخفاض الإيرادات على شماعة الأحداث السياسية في مصر .. يزداد الطين بلة بإنشغالنا بأخبار مُشاجرات "حِلمي" و"غادة عادل" على تصدر الأفيش، وعلى ترتيب الأسماء، وكُل هذا لم يوقف أحد هولاء المُتابعين أو المُحللين أو المُصدرين لهذه الأخبار عن أن يسألوا أنفسهم : هل شاهدوا الفيلم أم لا ؟ .. وما رأيهم فيه ؟ .
 
أغلب الظن أن المُعظم – مِمَن يتحدث – لم يُشاهد الفيلم، فهُناك انحياز لنجم مِثل "أحمد حِلمي" ولأفلامه – سواء قبل أو بعد أو بدون مُشاهدة أعماله ! - إلا أنك أمام أحدثها "على جُثتي"، وبالتالي لا تستطيع إلا أن يكون لك خلفية سمعية – مِن الأخبار أو مِمَن شاهدوا الفيلم دون تعمق كعادة أغلب مُشاهدينا – قبل أن تدخل دار العرض لتدفع تذكرة "على جُثتي"، كما أنك لا تستطيع إلا أن تكون حائراً أمام أمرين، الأول هو رغبتك في مِعرفة جديد هذا النجم، ثانياً أن الخلفية السياسية التي نعيشها كُل يوم لا تجعلك راغباً في المُشاهدة، وكذلك الحُكم، فهُناك جُزء مِنك يشعر بالخيانة، فأنت تُشاهد وتُحلل فيلماً، في الوقت الذي يُصاب أو يموت فيه البعض في أنحاء مِصر ! .
 
لا يُمكن تحليل الفيلم دون معرفة المُعطيات – إن كان لنا أن نُسميها كذلك - سالفة الذِكر، وفي الوقت نفسه يجب أن نُنحيها جانباً، إن كُنا نُريد أن يكون تحليلنا مبنياً على أُسس فنية سليمة، إلا أن المُعطيات نفسها مؤثرة على مزاج صُناع هذا الفيلم، فالرغبة في ارسال رسائل اجتماعية، كوميدية، بسيطة – كعادة أفلام "حِلمي" – هي التي جعلتهم في الوقت نفسه أمام ضرورة تغليفها بنواحي سياسية .
 
حتى يُمكن شرح هذا، لدينا مثال بسيط، "رؤوف"، المُهندس، الذي دخل في غيبوبة، جراء حادث، لتكتشف روحه زيف العالم الذي صنعه، فزوجته "سحر" وابنه يكرهانه، كذلك العاملين بشركته، وهو ما يُحاول أن يُفهمه له روح المُستشار "نوح" التي تُقابله في العالم الموازي لنا أو العالم الآخر .. نحنُ إذن أمام رسائل اجتماعية، مُغلفة بعالم فانتازي نوعاً .. إلا أنه سُرعان ما ينهار هذا برسائل تحتية، تارةً ببداية الفيلم، حيث يقوم "رؤوف" - مِن خِلال مُكبر صوت وشاشة – بتوبيخ موظفي شركته مع حلول العام الجديد، بطريقته الخاصة، فهو "الرئيس" أو "الزعيم"، الذي يهابونه، يُنفذون أوامره، لكنهم يكرهونه، وفي الوقت نفسه يحتاجون إليه .. ألا يُذكركم هذا بشئ ما ؟ .. وهذا هو السؤال الذي يُلمح له صُناع الفيلم – دون التصريح – فسُرعان ما ينهار العالم الإجتماعي، الفانتازي، لنُصبح أمام عالم اجتماعي، سياسي، بدليل وصول روحي "رؤوف" و"نوح" لمجلسي الشعب، بل و رئاسة الجمهورية، ولا ضرر مِن اعادة التذكير بالمَشهد الشهير لـ "أبو جلابية"، الذي له دلالة اجتماعية، سياسية .
 
هذا الإرتباك بين تناول رسائل "اجتماعية – فانتازية"، وتناول رسائل "اجتماعية – سياسية"، ساهم فيه إلى حدٍ ما سيناريو الفيلم، و رغبة كاتبه "د. تامر إبراهيم" في قول كُل ما لديه تارةً واحدة، ومعه بطل العمل ومُنتجه "أحمد حِلمي" .. لا يُمكن في الوقت نفسه انكار مُحاولات تماسك الفيلم، خاصةً في الساعة إلا رُبع الثانية مِنه، وسير الفيلم على الإيقاع الإنساني، البسيط، كشعور روح "نوح" بإقتراب ترك روح "رؤوف" له، و رغبة "نوح" في ألا يكون وحيداً مرةً أخرى في العالم الآخر .. وكذلك مُحاولات تعويض "رؤوف" لزوجته "سحر" وابنه عما سببه لهما، وغيرها مِن الأمور .
 
إلا أن الإرتباك في الساعة الأولى ساهم في تأخر وصول احساس الساعة إلا رُبع الثانية مِن الفيلم، وهو ما طعمه "محمد بكير" بلقطات أقرب لروح الكارتون مِنها لروح الفيلم الإنساني، ففي أحد مَشهد بدايات الفيلم تشرح فيه "سحر" لزوجها "رؤوف" رغبتها في أن يكون في شركته قسم للأطفال تكون هي مُشرفة عليه، سُرعان ما يتخليها "رؤوف" بشكل كاريكاتيري، ساخر، وهي تُدير شئون القسم، مِمَا يؤدي هذا لإنتفاخ صِدر "رؤوف" ومؤخرته كأنه أُنثى يسعى لمواجهة زوجته ! .
 
الحشو الزائد في الفيلم كان مِن المُمكن التخلص مِنه دون أن يُضيف جديداً في الأحداث، فمَشاهد "أحمد السقا" لا معنى لها، واقحام "خالد أبو النجا" كشخصية في الفيلم - كأحد مُنافسي "رؤوف" – لم تُضِف" لا لـ "أبو النجا" أو للفيلم نفسه، وهو ما سبب ترهلاً وايقاعاً مُملاً، لم يُنقذه سوى ظهور "حسن حسني"، الذي يعتبر البطل الحقيقي لهذا العمل، بطريقته البسيطة والمدهشة معاً على أن يقدم لك الكوميديا، محملة برسائل اجتماعية، حتى وإن جنحت للسياسة – كعادة الفيلم – تحديداً في مشهد "روح القانون والقانون" من الفيلم .
 
لا يسعك في النهاية إلا أن تتفهم أسباب ظهور هذا الفيلم، في هذا التوقيت، وهو شئ نحترم عليه صُناعه، أياً كان الإختلاف حول قيمة ما صنعوه، فتوقف صِناعة كبيرة مِثل صِناعة السينما المصرية، في ظِل الظروف السيئة التي نعيشها، لا معنى له سوى موت الحياة ذاته، لأنه بدون الفنون لا معنى للحياة .
تم نسخ الرابط