تحولات ومصائر أبناء الطبقة الوسطى في رواية "أقفاص فارغة" لفاطمة قنديل
إذا كنت من محبي قراءة الأدب والرواية بشكل خاص، فمؤكد أنك ستستمتع برواية أقفاص فارغة للشاعرة فاطمة قنديل في أول تجربة سردية لها، ورغم ذلك استطاعت أن تفوز بجائزة الجامعة الأمريكية لعام ٢٠٢٢.
أبناء الطبقة المتوسطة
فالعالم الروائي الذي تدور فيه وحوله الرواية قريب منا بحكم أنها تكتب عن ناس من لحم ودم من أبناء الطبقة المتوسطة بلغة بسيطة دون فذلكة أو إسهاب أو تطويل.
والجو العام للرواية التي تقترب من السيرة الذاتية محرض على التفاعل معه لمعرفة مصائر أبطال الرواية وشخصياتها، فضلًا على احتواء الرواية على عبارات تكشف عن خلاصة حكمة لأديبة وشاعرة تجاوزت الستين وتتعدد إسهاماتها بين الشعر والتدريس بالجامعة، فتقول فاطمة على لسان راوية الرواية: "أسوأ ما يمكن أن يحدث لي بعد موتي هو أن يأخذ الآخرون أقوالا مأثورة مما أكتب الآن، أن تصير حياتي قولا مأثورا، هو ما يصيبني بالغثيان، أن تصير درسا أو عبارة هو الجحيم ذاته، أحاول أن أتجنب هذا المصير وأنا أكتب بلغة عالية تماما، لا ترتدي ما يستر عورتها من المجازات؛ لأن الحياة تصير أكثر شبقا بعد أن نموت كذئب مسعور لا يروي ظمأه إلا الحكايا".
ملامح عصر
وتحكي رواية "أقفاص فارغة" ملامح بلد وعصر كامل ترويه الشاعرة وتعيشه مع القارئ لحما ودما بكل أفراحه المختلسة وأحزانه المقيمة والخوف من الغد الذي لا يتبدد، والأمل في تفاصيل أكثر سعادة وخالية من الأحزان، من خلال رصد حكايات بعض ابناء الطبقة المتوسطة والتحولات التي مرت بهم من الستينيات حتى الآن.
كما تطرح رواية "أقفاص فارغة" صعود وانهيار طبقة متوسطة، من خلال صراع الشخصيات الوجودي مع الحياة، من مدن القنال والحروب المتتالية والنزوح والتهجير إلى ضواحي شرق القاهرة في ازدهارها وأفولها إلى الهجرة النفطية وإعارات المعلمين، وهو زمن عاشته كل البيوت المصرية بدرجات مختلفة، وتعرضه الكاتبة دمًا ولحمًا، فنتعاطف مع البطلة وأمها ولا نتعاطف مع أشقائها. ونستمتع بحكايات كاشفة عن الجد والجدة والعم والخال والدادة فاطمة عاشقة الرجال ناهيك عن خيبات الحب التي خاضتها البطلة نفسها، وعلاقات الجيرة والأهل في أكثر من منطقة، وقدرة البطلة نفسها على تجاوز أحزانها وصراعها مع نفسها وأشقائها وأزواجها ونزقها.
التخلص من الأحزان
وتشعر أن فاطمة قنديل تكتب عن كل هذا العالم الذي لا تنتهي تفاصيله راغبة في التخلص من الذكريات الحزينة، وربما لهذا نجحت بدرجة كبيرة في إثارة تعاطفنا مع أمها ومرضها وفي الوقت نفسه أثارت نفورنا من باقي الشخصيات، خاصة أخويها رمزي وراجي وزوجها الفنان.
وتستمر في الحكي والسرد الذي تشعر فيه بروح نجيب محفوظ، الذي فازت بجائزته منذ أيام حتى تنتهي بمصائر البشر الذين شغلوا عالم الرواية. وتبدو النهاية وكأن الكتابة عن هؤلاء الأشخاص حتى ولو في 4 أشهر هي مدة كتابة فاطمة قنديل للرواية ساعدتها على التخلص من ذكريات حزينة، ظلت تحملها الكاتبة طوال مشوار الحياة، رغم أن نفس تلك التفاصيل هي التي شكلت حياتها. وأختم بكلام من الرواية تقول فيه فاطمة قنديل "ما أن نلعب أدوارا حتى تصير جزءا منا، يقسمها علينا القدر كما أردنا تماما، فنصير "ضحايا" بالفعل. وتضيف: "كنت أبحث عن رواية صنعتها السنون الصعبة الطويلة وحبكتها حبكة أكثر تعقيدًا حتى ولو كانت سجنا وقضبانا".
وأخيرًا مبروك للشاعرة فاطمة قنديل عن جائزة محفوظ، التي تستحقها عن رواية مهمة تكاد تقترب من سيرة واعتراف لمسيرة حياة الكاتبة ذاتها.



