داخل إصدارة آفاق مستقبلية لمركز المعلومات بمجلس الوزراء:
هلال يستعرض آفاق عام 2026 على الصعيد السياسي
في إطار سعي مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، نحو رفع الوعي المجتمعي ونشر المعرفة في مختلف الموضوعات ذات الصلة بقضايا التنمية، يقوم المركز دورياً باستكتاب نخبة من المسؤولين والخبراء والمتخصصين في مختلف المجالات والقضايا ذات الأهمية للشأن المصري سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي أو الدولي ونشر هذه المقالات والكلمات داخل إصداراته الدورية، وفي هذا الصدد قام المركز بنشر مقال للأستاذ الدكتور علي الدين هلال، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، داخل العدد السادس من إصدارة المركز الدورية "آفاق مستقبلية"، وجاء المقال تحت عنوان "العالم بين عامين: حصاد 2025 وآفاق 2026".
وأشار أ.د. علي الدين هلال، خلال المقال إلى أن عام 2025 كان حافلًا بالتوترات الجيوسياسية واستمرار الصراعات المسلحة في مناطق متعددة من العالم، أبرزها الحرب الروسية الأوكرانية حيث استمرت العمليات العسكرية رغم محاولات التوسط مما يجعل هذا النزاع محور اهتمام الأمن الأوروبي والعالمي في 2026، وفي هذا المجال يمكن التفكير في ثلاث مسارات رئيسة لمستقبل الحرب:
-المسار الأول: مسار متفائل يتمثل في تبلور موقف أمريكي - أوروبي متقارب يكون أساسًا للمفاوضات بين أوكرانيا وروسيا، ويمكن أن يتضمن مشاركة من الأمم المتحدة لإسباغ الشرعية الدولية، ويدعم من هذا المسار ضغوط التكاليف الباهظة لاستمرار الحرب على الطرفين، والرغبة الشعبية في البلدين لإنهاء القتال والعودة إلى الحياة الطبيعية، وإصرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على وضع نهاية للحرب.
-المسار الثاني: مسار أقل تفاؤلًا من خلال قبول الطرفين بهدنة طويلة الأمد بما يعني تجميد الصراع دون حسمه، بحيث يوقف إطلاق النار على غرار الهدنة التي أنهت الحرب بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية في خمسينيات القرن العشرين، واستمرت حتى الآن دون الوصول إلى تسوية للصراع بينهما، ومؤدى هذا المسار الإبقاء على مناطق واسعة في شرق أوكرانيا تحت السيطرة الروسية.
-المسار الثالث: استمرار حالة القتال دون الوصول إلى تسوية أو هدنة، وتزداد الحرب ضراوة؛ فروسيا قد تحشد مزيدًا من القوات لتثبيت انتصاراتها العسكرية التي حققتها في عام 2025 وتوسيعها في عام ۲۰۲٦، وتلجأ إلى تكتيكات عسكرية أكثر قسوة حتى تقبل أوكرانيا بشروطها لوقف الحرب، وفي المقابل قد تحصل أوكرانيا على أسلحة استراتيجية تقليدية عالية التدمير من الدول الأوروبية التي تعتبر روسيا التهديد الأساسي للأمن الأوروبي مما يمكن كييف من توجيه ضربات أكثر تأثيرًا في الداخل الروسي.
وأضاف أ.د. علي الدين خلال المقال أن المشهد في قارة آسيا اتسم بمزيج من المنافسة بين القوى الكبرى ووجود بؤر صراع محلية، وقد شهدت العلاقات الأمريكية الصينية مزيجًا من التنافس والتعاون وسادت حالة حذر متبادل، كان أهم مظاهرها الخلاف الحاد بشأن الرسوم الجمركية المرتفعة التي فرضها "ترامب" على الصادرات الصينية إلى بلاده والتي ردت عليها بكين برسوم مماثلة مما أدى إلى تصعيد الموقف، ولكن نظرًا للاعتماد الاقتصادي المتبادل بينهما فإنهما لم يسمحا لهذا التوتر بأن يستمر فعادا إلى طاولة المفاوضات والوصول إلى حلول وسط، وعلى المستوى الأمني استمر الخلاف حول تايوان التي كثفت الصين ضغوطها العسكرية حولها عبر مناورات جوية وبحرية بينما واصلت الولايات المتحدة دعم تايوان بالأسلحة وتعزيز وجودها البحري في المحيط الهادئ.
وأوضح أنه من الأرجح في ۲۰۲٦ أن تستمر العلاقات الأمريكية الصينية على حالها من حيث الجمع بين المنافسة والتعاون، وقد ظهر هذا بوضوح في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي الجديدة، والتي أكدت الالتزام بسياسة "الصين الواحدة" ورفض أي إجراء أحادي من جانب تايوان، ولم تصف الصين بوصف "العدو"، لذلك فمن المتوقع استمرار الوضع الراهن دون أزمات كبرى مع بقاء الضغط على الصين ضمن الحرب الرمادية، ومواصلة سياسة الردع الهادئ، وقد تسعى واشنطن وبكين إلى إجراءات بناء ثقة مثل: التوسع في تبادل المعلومات والاتفاق الضمني على الخطوط الحمراء لكل منهما، كما يُتوقع استمرار الحوار حول قضايا التجارة والاستثمار بين البلدين الذي بدأ عام ۲۰۲٥، وذلك لإدراك أن الصراع المفتوح بينهما ضار ولا يجلب المنافع لأي منهما، وسوف تسعى الصين إلى دعم تحالفاتها مع روسيا وإيران وكوريا الشمالية، بينما تسعى أمريكا إلى إضعاف هذه التحالفات.
وشهدت آسيا أيضًا اندلاع صراع مسلح بين القوتين النوويتين الهند وباكستان خلال الفترة ٧-١٠ مايو 2025 بعد تصعيد متبادل، ومثلت أشد مواجهة بين البلدين على مدى عقود انتهت بتدخل عدد من الدول وعلى رأسها الولايات المتحدة لوقف إطلاق النار، كما استمرت كوريا الشمالية في تعزيز قدراتها الصاروخية والنووية، كما استمرت المناورات العسكرية بين أمريكا وكوريا الجنوبية وأدى ذلك إلى رفع درجة التأهب في اليابان، وتواصلت الأزمة السياسية الداخلية في ميانمار منذرة باحتمال انهيار مؤسسات الدولة وسقوط النظام، واندلعت مظاهرات في نيبال احتجاجًا على القيود التي فرضتها الحكومة على استخدام مواقع التواصل الاجتماعي مما أجبر رئيس الوزراء على الاستقالة، وتبعها مظاهرات مماثلة في الفلبين.
وفي الشرق الأوسط، خلف استمرار القتال بين إسرائيل وحماس وغيرها من الفصائل الفلسطينية والذي بدأ في أكتوبر ۲۰۲۳، آثارًا كارثية على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، في مقابل ذلك تبلورت تحركات سياسية مهمة تمثلت في انعقاد مؤتمر نيويورك في سبتمبر 2025 والذي أكد أن إقامة دولة فلسطينية مستقلة هو الطريق الوحيد لتسوية النزاع، وكان قد سبق ذلك إعلان المملكة المتحدة وكندا وأستراليا اعترافها بدولة فلسطين في ۲۱ سبتمبر وتلتها فرنسا في اليوم التالي، وبعدها بأسبوع أعلن الرئيس "ترامب" في 29 سبتمبر 2025، عن خطته لوقف إطلاق النار على أن تتبعه إجراءات لإعادة ترتيب الوضع السياسي والأمني في القطاع، وإعادة الإعمار، ومع ذلك استمرت العمليات العسكرية الإسرائيلية والاستيطان الإسرائيلي، وهجمات المستوطنين لترويع الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة.
ويقف الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي في مطلع ۲۰۲٦ على مفترق طرق وأمام مسارين رئيسين المسار الأول تفاؤلي وهو استمرار تطبيق خطة "ترامب" للسلام والانتقال إلى المرحلة الثانية منها، أما المسار الثاني التشاؤمي فيتمثل في عدم الانتقال إلى المرحلة الثانية نتيجة للمماطلات الإسرائيلية وتراجع اهتمام الرئيس "ترامب" بالموضوع في ضوء عدم الاتفاق على مهام قوة الاستقرار الدولي، وتحفظ الدول العربية والإسلامية على المشاركة في قوات يعهد لها بمهام قتالية، في هذا المسار تستمر الاعتداءات الإسرائيلية على سكان القطاع والقيود المفروضة على دخول.
وفي سياق متصل تصاعد التوتر بين إيران وكل من أمريكا وإسرائيل في ٢٠٢٥، بعد تعثر الوصول إلى اتفاق تفاوضي بشأن البرنامج النووي الإيراني ويستمر الاهتمام في عام ۲۰۲٦ بالملف الإيراني كعامل مهم للاستقرار الإقليمي في حالة عودة أنشطة إيران النووية دون اتفاق، يظهر خطر قيام إسرائيل بضربة عسكرية استباقية لضرب منشآت إيران النووية من الأرجح أن تكون بتنسيق مع الولايات المتحدة، وإذا ما حدث ذلك فسوف تقوم إيران بالرد من خلال هجمات صاروخية على إسرائيل وربما بمشاركة من الحوثيين في اليمن، وقد يؤدي هذا إلى اضطراب في أسواق النفط، في المقابل قد ينجح المسار الدبلوماسي في إحياء المفاوضات النووية بين إيران وأمريكا ويكون من شأنها في عام ٢٠٢٦ الوصول إلى اتفاق مؤقت أو تفاهمات مرحلية ما يخفف خطر المواجهة، ويفتح الباب لحلول أبعد مدى.
وفي إفريقيا، عانت القارة من استمرار نزاعات دامية وتفاقم الأوضاع الإنسانية فاستمرت الحرب الأهلية في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع كأحد أكثر الصراعات دموية خلال العام وتحول السودان إلى ساحة حرب مفتوحة، ولم تحقق جهود الوساطة لوقف إطلاق النار وترتيب هدنة إنسانية والتي شملت جهود مبعوث الأمم المتحدة واللجنة الرباعية نجاحًا في تحقيق هذا الهدف، وإذا استمرت الحرب على وتيرتها الراهنة دون هدنة قد يتفكك السودان فعليًا إلى مناطق نفوذ، ويزداد التدخل الخارجي من قبل قوى إقليمية داعمة الطرف ضد آخر، مما ينذر باستمرار المأساة الإنسانية في عام ٢٠٢٦، بالمقابل هناك أمل ضئيل في أن يثمر الضغط الدولي والعقوبات عن دفع الأطراف للعودة لمائدة التفاوض والاتفاق على وقف إطلاق نار فعلي، يتبعه مسار انتقال سياسي يعيد توحيد الجيش ويؤسس لحكومة مدنية، هذا السيناريو لو تحقق سيعد إنجازًا دبلوماسيًا كبيرًا لكنه يتطلب تنازلات جوهرية بين الطرفين.
كما استمرت حالة عدم الاستقرار في منطقة الساحل بغرب القارة في أعقاب الانقلابات العسكرية التي شهدتها مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وما تلاها من توترات بين هذه الأنظمة والاتحاد الإفريقي والمجتمع الدولي، وواصلت الجماعات الجهادية المسلحة تمددها في المنطقة، ومن المحتمل أن يشهد إقليم الساحل مزيدًا من التدهور الأمني في ٢٠٢٦ إذا لم يتم دعم الحكومات في مواجهة الإرهاب ومعالجة الآثار المترتبة على ضعف التنمية وانتشار الفساد، وفي حالة استمرار النزاعات المسلحة في إفريقيا، وتزايد النزوح القسري والمجاعات، خاصًة إذا أدخلنا في الحسبان الأزمات البيئية والمناخية الحادة التي تواجهها تلك البلاد كالتصحر والجفاف.
أما في منطقة الأمريكتين أو ما يسمى أحيانًا بالنصف الغربي من الكرة الأرضية فقد اتسمت بالأزمات الداخلية مثل استمرار انعدام الأمن وهيمنة عصابات الجريمة المنظمة في هايتي رغم نشر قوة متعددة الجنسيات بقيادة كينيا، واستمرت الحرب التي يشنها الجيش في المكسيك ضد الكارتلات وعصابات المخدرات، وكان التطور اللافت للانتباه تصاعد المواجهة بين أمريكا وفنزويلا في الأشهر الأخيرة من العام.
وهكذا، يمكن القول إن عام ٢٠٢٥ كان عامًا مضطربًا على المستويين السياسي والأمني في العالم، فقد تزامنت فيه حروب مستعرة، وأزمات إنسانية طاحنة، وبدأت فيه مبادرات لوقف إطلاق النار وتسوية هذه النزاعات قد تظهر نتائجها في عام ٢٠٢٦ وما بعده.
سوف تكون سنة ۲۰۲٦ اختبارًا لقدرة النظام الدولي على مواجهة مخاطر النزاعات المسلحة بين الدول والحروب الداخلية والانقلابات والإرهاب، وتحديدًا البناء على ما تحقق في عام ٢٠٢٥، وتطبيق الاتفاقات والتفاهمات التي تم الوصول إليها بالنسبة البعض الصراعات، والعمل على إنجاز مثيلاتها في الصراعات الأخرى، علاوة على الضغوط السياسية الناتجة عن تغير المناخ كأجندة سياسية وأمنية عابرة لحدود الدول.
وأوضح الأستاذ الدكتور علي الدين هلال في ختام مقاله، أنه ليس من الممكن إنهاء الصراعات سواء في داخل الدولة الواحدة أو بين الدول في عام واحد ولكن ما يمكن تحقيقه هو تعديل أسلوب أو منهج إدارة الصراع من القتال إلى مائدة المفاوضات ومناقشة جذور الصراع والتوافق على تسويات وحلول لها، ومن الواضح أن استراتيجية الأمن القومي الأمريكي الجديدة لا تسعى إلى تصعيد الخلافات مع الصين وروسيا، ومن ثم يصبح التحدي الأكبر للسياسة الخارجية للقوى الرئيسة في النظام الدولي هو تحدي التوازن بين الردع والمفاوضات حتى لا يستطيع أي طرف فرض وجهة نظره أو موقفه بالقوة، إلا في الحالات التي يحدث فيها توافق دولي مثلما حدث في امتناع روسيا والصين عن التصويت على مشروع القرار رقم ۲۸۰۳ في مجلس الأمن بتاريخ ۱۷ نوفمبر بشأن خطة سلام غزة.



