بين الحين والآخر، نجد بعض التصريحات أو التعليقات التى تستدعى التوقف أمامها وتحليلها.. ليس فقط لأهميتها أو لارتباطها بأحداث كبرى وعظمى. ولكن لدلالة تلك التصريحات وما يمكن أن يترتب عليها من تغيير مواقف وطنية ثابتة ومستقرة.. للدرجة التى جعلتها محل اتفاق واحتفاء سواء مصريًا أو عربيًا ودوليًا..
التاريخ لا يمكن طمسه أو تزييفه.. ومَهما حاول البعض توجيهه واستغلاله وتوظيفه. وتظل محاولات إعادة صياغة التاريخ دائمًا ما تحقق نجاحات افتراضية سريعة.. سرعان ما تنكشف فيما بعد.
نظرة دون ابتسامة..
مؤخرًا، شاهدت تصريحات الأنبا بنيامين «مطران المنوفية» لبرنامج «نظرة» الذى حاوره حمدى رزق على قناة صدى البلد بمناسبة اليوبيل الذهبى (50 سنة) كأسقف للمنوفية. وذلك على مدار حلقتين تمت إذاعتهما فى 24 و31 يوليو الماضى. وقد استعرض فيهما رأيه فى العديد من القضايا المهمة. وسوف أتوقف هنا عند قضية جدلية.. تمثل إعادة النظر فى مواقف فكرية ووطنية بالدرجة الأولى.
القضية عن علاقة البابا شنودة الثالث بالرئيس أنور السادات؛ حيث ذكر الأنبا بنيامين أنه زار الرئيس السادات مع بعض أعضاء المجلس الملى فى قريته بميت أبو الكوم لتهنئته بإعادة انتخابه رئيسًا للجمهورية باِسْم البابا شنودة والمجمع المقدس. وقد شكره السادات، وقال له (البابا شنودة.. إنسان عنيد وعنيف)، فذهل الأنبا بنيامين وتأثر. ثم قال له أيضًا (أنا عاوز أعملك مركز قوة فى الكنيسة)، ورد عليه الأنبا بنيامين (إن أعظم عمل ينسب لفخامتك هو إلغاء مراكز القوة فى ثورة 15 مايو 1971).
قال الأنبا بنيامين إن سبب الخلاف بين البابا شنودة والرئيس السادات يعود لعدم مساعدة البابا للرئيس فى تطبيع العلاقات ورفضه السفر معه لإسرائيل. وأن البابا طلب من السادات استعادة دير السلطان، ولم تمكن إسرائيل الرئيس السادات من ذلك. وعلق حمدى رزق بأن البابا شنودة قال (لن أذهب إلا مع شيخ الأزهر). فأوضح الأنبا بنيامين (أن هذا هو السبب الذى يمكن أن يقال). أى أن السبب الحقيقى هو عدم استرجاع مِلكية دير السلطان، والسبب السياسى ربط الذهاب بشيخ الأزهر. ثم اتسعت المشاكل بعد ذلك.
استدعاء الماضى..
بالتأكيد؛ لا تكتسب شهادة أى شخصية عامة تاريخية قيمتها من مكانة صاحبها فقط؛ وإنما تكتسب قوتها من مدى قدرتها على الصمود أمام النقد الموجَّه إليها. الشخصية العامة تروى ما تراه وما تسمعه كشاهد على الأحداث، بينما يقوم المؤرخ بمحاولة تفسير الوقائع من خلال مقارنة الشهادات والوثائق فى السياق الذى حدثت فيه. من هنا؛ أرى أهمية رواية الأنبا بنيامين التى حدد فيها سبب الخلاف بين البابا شنودة الثالث والرئيس أنور السادات. وهى لا تمثل فقط؛ استدعاء لوقائع عاصرها؛ وإنما هى محاولة لإعادة تفسير واحد من أكثر الملفات تعقيدًا وجدلًا فى تاريخ العلاقات بين الكنيسة والدولة. السؤال المنطقى هنا ليس: هل قال الأنبا بنيامين ما يؤمن به ويعتقد فيه؟ وإنما السؤال هو: هل تكفى رواية الأنبا بنيامين لإعادة كتابة تفسير هذا الخلاف تاريخيًا وسياسيًا ووطنيًا؟
من غير اثبات..
تتجاوز شهادة الأنبا بنيامين؛ حدود الشهادة التاريخية إلى الجزم واليقين بدوافع موقف البابا شنودة الثالث؛ لكونه لم يكتفِ بالتصريح بأن البابا طالب باستعادة دير السلطان، أم إنه رفض السفر إلى إسرائيل؛ بل قرر أن السبب الحقيقى الأساسى لرفض الزيارة هو عدم استعادة الدير.. وأتفق على أن ربط الزيارة بشيخ الأزهر؛ لم يكن سوى السبب الذى يمكن إعلانه سياسيًا إلى الرأى العام. وهنا تنتقل الرواية من مساحة تأكيد الوقائع إلى مساحة تفسير النوايا، وهى مساحة ملتبسة، لا تحسمها الانطباعات أو حتى القرابة من أصحاب الرواية؛ بل وتحتاج دائمًا إلى الدليل المباشر. لا أستطيع أن أفسّر ما أقرّه الأنبا بنيامين جازمًا وحاسمًا لما كان يدور فى فكر البابا شنودة الثالث.. إلا إذا كان البابا شنودة الثالث بنفسه قد صرّح له بذلك. وهو ما لم يفصح عنه الأنبا بنيامين. وفى حالة غياب هذا الدليل، يكون الحكم على روايته فى نطاق التفسير الشخصى، وهو ما لا يتعارض مع مكانة صاحبها.. مَهما بلغت.
مصادرة التاريخ..
أحد أسباب الاختلافات الفكرية أن كل رواية تاريخية جديدة حتى ولو لأحداث معلومة ومعروفة؛ تقدم تفسيرًا يزيد من الحاجة لتدقيقها وإثباتها. فى علوم التاريخ، لا تعتمد صحة الرواية السائدة لكونها شائعة، ولا تتغير سوى بظهور أدلة جديدة أقوى منها. وبتطبيق ما سبق على الأنبا بنيامين الذى لا يستند تفسيره إلى وثيقة، ولا إلى تصريحات خاصة موثقة نقلًا عن البابا شنودة الثالث، ولا يستند تفسيره إلى أى شهادة معاصرة تؤيد هذا التفسير.. نجد أن الأمر يقتصر على طرح استنتاج محدد بصيغة اليقين. وهو ما لا يتسق مع منهج البحث التاريخى الذى لا يقبل بتحويل الاستنتاجات إلى حقيقة.. لمجرد أن صاحبها.. كان قريبًا من أطراف الأحداث. القرابة من الحدث يمنح الشاهد حق ترديد الرواية، ولكنه لا يمنحه وحده مطلقًا حق احتكار تفسير التاريخ.
إعادة تفسير البابا شنودة..
خطورة قبول رواية الأنبا بنيامين، إنها ببساطة شديدة.. تؤكد أن البابا شنودة الثالث ظل خلال سنوات طويلة، يعلن للرأى العام سببًا يمكن أن يقال حسب تعبير الأنبا بنيامين، غير السبب الحقيقى الذى لم يقُله البابا شنودة الثالث، ولكن رواه الأنبا بنيامين. وهو استنتاج بالغ الخطورة؛ لأنه لا يعيد تفسير تلك العلاقة الشائكة بين البابا والرئيس فحسب؛ وإنما يعيد تفسير شخصية البابا شنودة نفسها. وهى رواية تهمل أن أحد أهم مواقف البابا شنودة الوطنية الثابتة هى رفضه التام للتطبيع الدينى المنفرد مع إسرائيل، وإصراره على ربط زيارة المواطنين المسيحيين المصريين إلى القدس بالموقف الوطنى، وهو ما كرّره فى مناسبات مختلفة.. وعلى مدار سنوات طويلة.
ولذا عندما يأتى الأنبا بنيامين برواية جديدة ملتبسة؛ ليؤكد أن الرواية التقليدية للبابا شنودة الثالث لم تكن هى الحقيقة؛ فإن هذا الادعاء الجديد يحتاج إلى برهان استثنائى؛ لأن الأصل فى موقف البابا شنودة الثالث العلنى والمتكرر؛ أنه تعبير عن قناعاته، وليس مجرد ستار مخفى لسبب مغاير.
أكبر من دير السلطان..
رواية الأنبا بنيامين.. تختزل أزمة ممتدة لأكثر من 50 سنة فى ملف واحد فقط. العلاقة بين البابا والرئيس.. لم تتأزم لسبب واحد أو فى يوم واحد، ولم تتأثر بقضية واحدة؛ وإنما تقاطعت المسارات بشكل تصاعدى فى سبيل المزيد من التوتر المرتبط بالأزمات والتوترات الطائفية، والخلاف حول حدود دَور الكنيسة فى المجال العام، وطبيعة العلاقة بين القيادة الدينية والسلطة السياسية التى انتهت بصدور قرارات سبتمبر 1981، والتى استهدفت البابا شنودة الثالث.. مثلما استهدفت العديد من الشخصيات العامة الفكرية والحزبية والسياسية ضمن مواجهة واسعة مع أطياف متعددة من المعارضة. وهو ما يعنى أن جعل دير السلطان مدخلًا وحيدًا لفهم هذه الأزمة؛ لا يفسر التاريخ؛ بل يختزل تشابكاته فى سبب واحد.. لا يمكن أن يكون سببًا لهذا الخلاف الذى وصل لأن يكون خلافًا بين الكنيسة والدولة.
عجز التفسير..
تتناول رواية الأنبا بنيامين تفسيرًا لموقف البابا شنودة الثالث من زيارة إسرائيل، وربما تضيف افتراضيًا عنصرًا.. لم يكن يحظى بالاهتمام الكافى من البحث والدراسة. ولكنها تعجز عن تفسير استمرار الأزمة بين البابا والرئيس بعد رفض الزيارة. كما أنها رواية.. لا تفسر انتقال الخلاف إلى ملفات أخرى، ولا تفسر ما وصلت إليه العلاقة بين الكنيسة والدولة حتى اغتيال الرئيس أنور السادات فى 6 أكتوبر 1981. وهو ما يعنى أن التفسير التاريخى حسب ما رواه الأنبا بنيامين لم يربط بين بداية الخلاف ونهايته فى سياق مرجعى واحد؛ لأنه لا يمكن تفسير أزمة ملف واحد وترك الملفات الأخرى دون رابط منطقى.
موقف الكنيسة المصرية من قضية زيارة القدس هو موقف وطنى مشرف.. وهو موقف يصفه البعض بأنه موقف سياسى، والأدق أن منع الكنيسة لأبنائها من زيارة القدس هو موقف وطنى يتناغم مع الإرادة الشعبية، ويتسق مع موقفها من إسرائيل. وهو موقف يُعَبر عن الإجماع الوطنى للمواطنين المسيحيين والمسلمين المصريين من زيارة القدس.. مدينة الصلاة.
نقطة ومن أول السطر..
لا تنتقص القراءة السابقة من مكانة الأنبا بنيامين أو من قيمة شهادته.. تظل الشهادات الشخصية من أهم مصادر كتابة التاريخ، ولكنها تظل مَصدرًا واحدًا بين مصادر متعددة. الخطأ لا يكمن فى أن يقدم شاهد تفسيره الخاص.. مَهما كانت فرضياته مهمة، ولكن فى التعامل مع هذا التفسير.. باعتباره الحقيقة المطلقة.. الوحيدة والنهائية. لا يكتب التاريخ بشهادات منفردة، ولا يتم تفسيره بالاستنتاجات؛ وإنما بتحليل الوثائق والشهادات والسياقات.
ما حدث بين البابا شنودة الثالث والرئيس أنور السادات؛ هو نتاج تفاعل معقد ومتشابك ومتقاطع بين الدين والسياسة فى إطار سياق مجتمعى متغير.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



