النفط الإيراني على حافة الانفجار ومضيق هرمز بين الإغلاق والاشتعال
ملحمة الغضب.. أسواق الطاقة تدفع ضريبة مغامرات ترامب
في لحظةٍ توتر فيها البحر قبل اليابسة، تحولت الضربات المتبادلة بين واشنطن وطهران وتل أبيب إلى ارتداداتٍ مباشرة هزت أركان أسواق الطاقة.
ومع إصدار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قراراً بضرب أهداف إيرانية، لم يعد السؤال سياسياً بحتاً، بل تحول إلى معادلة رقمية قلقة: كم برميلاً سيغيب عن السوق؟ وكم دولاراً سيُضاف إلى فاتورة الطاقة العالمية؟
خسائر النفط العالمية
تكمن خطورة المشهد في ثقل إيران النفطي؛ فهي تضخ نحو 3.3 مليون برميل يومياً “3% من الإنتاج العالمي”، ما يضعها في المرتبة الرابعة داخل منظمة "أوبك".
وحسب تقرير صادر عن موقع "بلومبرج" الأمريكي، فإن تأثير طهران الحقيقي يتجاوز لغة الأرقام إلى الجغرافيا السياسية، حيث تسيطر على أحد ضفتي مضيق هرمز، الشريان الذي يغذي العالم بخُمس احتياجاته من النفط الخام القادم من كبار الموردين ومنهم الدول الخليجية والعراق والذين تعرضوا جميعهم لهجوم جوي إيراني.
نقاط الضغط: أين تتركز المخاطر؟
بينما تراقب الأسواق بحذر -المغلقة حالياً بسبب عطلة نهاية الأسبوع- تبرز ثلاث نقاط رئيسية ستحدد مسار الأسعار في الأيام المقبلة:
1. سلاسل الإمداد والتحايل على القيود:
رغم الهجمات الجوية الخانقة والعقوبات المستمرة، أثبتت إيران مهارة فائقة في "تسييل" نفطها بعيداً عن الرقابة، حيث تُوجه 90% من صادراتها إلى الصين. تتركز القوة الإنتاجية في حقول "الأهواز" و"مارون" بمحافظة خوزستان، وتدعمها منظومة مصافٍ ضخمة، بدءاً من "عبادان" التاريخية وصولاً إلى "نجمة الخليج" التي تعالج المكثفات الحيوية.
2. جزيرة "خرج".. الرئة المهددة:
تُعتبر جزيرة "خرج" المركز اللوجستي الأول لصادرات إيران. وأي استهداف لهذه المنطقة يعني "شللاً تاماً" للاقتصاد الإيراني. والمثير للاهتمام أن طهران، استشعاراً منها للخطر، قامت مطلع هذا الشهر بتسريع ملء الناقلات وتحريكها بعيداً عن الموانئ لتجنب ضربة استباقية، في تكتيك تكرر قبيل مواجهات العام الماضي.
3. الغاز الطبيعي وتداعيات "عسلوية":
لا يتوقف الخطر عند النفط الخام؛ فمنشآت "عسلوية" و"بندر عباس" تمثل عصب الغاز الطبيعي لإيران. ورغم أن الهجمات السابقة على مصانع الغاز المحلية لم ترفع الأسعار بشكل دائم، إلا أن أي تهديد لمنشآت التصدير هناك سيضع المتداولين في حالة استنفار قصوى.
سيناريو "الخيار الأخطر" إغلاق مضيق هرمز
في الأول من فبراير، لوّح المرشد الأعلى الإيراني بـ "حرب إقليمية" رداً على أي هجوم أمريكي، مع التلميح بقدرة طهران على إغلاق مضيق هرمز تماماً.
التداعيات: هذا السيناريو يمثل "كارثة كبرى" للأسواق؛ فهو لا يهدد النفط فحسب، بل يقطع إمدادات الغاز المسال من قطر (ثالث أكبر مصدر عالمياً).
البدائل: رغم امتلاك الدول الخليجية لأنابيب التفافية، إلا أنها لا تستوعب حجم التدفقات الهائل، مما سيجعل القفزة في الأسعار حتمية وغير مسبوقة.
التحركات الاستباقية للمنتجين والشركاء
رصدت بيانات "فورتكسا" تحركاً لافتاً من منتجي الخليج؛ حيث رفعت بعض الدول الخليجية صادراتها في فبراير إلى 7.3 مليون برميل يومياً “أعلى مستوى في 3 سنوات”، في خطوة بدت وكأنها "تأمين" للسوق قبل وقوع الانفجار الكبير.
ومع ذلك، تظل طهران مقيدة بـ "الخيط الصيني"؛ فأي عمل انتقامي يعطل الملاحة بشكل دائم سيغضب بكين، الحليف الأكبر والمشتري الرئيسي لنفط الخليج، وهو ما قد يدفع إيران للاكتفاء بعمليات "المناوشة" أو التشويش الإلكتروني بدلاً من الإغلاق الكامل.
رد فعل السوق: ترقب مشوب بالحذر
تاريخياً، قفزت الأسعار فوق 80 دولاراً “خام برنت” خلال توترات سابقة، لكنها سرعان ما تراجعت عند استقرار البنية التحتية. واليوم، وبينما يعاني السوق من مخاوف "فائض المعروض" التي خفضت الأسعار نهاية 2025، تأتي التوترات الحالية لترفع الأسعار بنسبة 19% هذا العام كـ "علاوة مخاطر"، حسب "فايننشيال تايمز" الأمريكية.
ووفقاً لـ "بلومبرج"، فإن كل 1% انخفاض في الإمدادات يقابله ارتفاع بنحو 4% في السعر. وإذا ما تحولت الضربات "الجراحية" إلى حرب استنزاف للمنشآت، فإن العالم قد يواجه صدمة طاقة تعيد رسم موازين القوى الاقتصادية من جديد.



