الخميس 04 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

شبت الحرب.. وما أدراك ما الحرب؟ 


لا تذر الحروب ولا تبقى. 


والحروب يشعلها الطغاة، وتدفع الشعوب أثمانها من الآمال والطموحات ومن رغبات العيش الكريم والحق فى مجرد الحياة. 


منذ ساعات بدأت الإدارة الأمريكية فى النغمة المعتادة: بدأت الولايات المتحدة الحرب على إيران شرقًا دفاعًا عن المواطن الأمريكى فى أقصى الغرب!


قبلها بسنوات حدث الشىء نفسه، دفعت واشنطن بالجنود والبوارج والطائرات تحت «بادج» التحالف الدولى لإجهاض مشروع «النووى»، فأسقطت نظام العراق دفاعًا عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، ولم تدخل العراق -ومنذ أكثر من عشرين عامًا- عالم الديمقراطية والحرية والحياة الرغدة السعيدة حتى ساعته وتاريخه. 


خطفت واشنطن مادورو من على السرير فى القصر الرئاسى فى الجنوب، فى دفاع آخر من العيار الثقيل.. عن المواطن الأمريكى فى الشمال. 


يقال أحيانًا إن هناك من يقتل أثناء الصلاة.. دفاعًا عن الإيمان!


-1-


تاريخ الإدارات الأمريكية عريض فى الدفاع عن مواطنيها، بجيوش تعبر ألوف الكيلومترات، فى الجهات الأربع، حتى لو رأى المواطن الأمريكى نفسه أن فى تلك السياسة ما يجب أن يعارض.. وما يتحتم أن يتوقف. 


لكن البيت الأبيض.. دائمًا أفهم وأفطن. 


فى استطلاعات رأى الساعات الماضية، تساءل أكثر من %52 من الأمريكيين، وأغلبهم من طلبة الجامعات، عن الغرض من إصرار واشنطن على الدخول فى حرب من ذلك النوع، وبتلك الضخامة مع النظام فى إيران؟! 


مؤكد لا تُبرأ طهران من دسائس إقليمية، وأحابيل شيطانية فى الشرق الأوسط خلال سنوات ما بعد ثورة الملالى على نظام بهلوى، لكن ما رأته تلك النسب من الطلاب الأمريكيين فيه كثير من الحصافة. 


فالحروب، وفى الشرق الأوسط وفى السنوات الخمسين الأخيرة على وجه الخصوص، لم يحدث أن حلت نزاعًا، ولا انتصرت لقضية، كما أنها لم تضف لا ديمقراطية ولا أسست لحرية. 


هو تمامًا ما لم تتوقف القاهرة عن التأكيد عليه فى كل أزمة ومع كل معضلة من معضلات الإقليم. 


الرأى المصرى ثابت، وهو الأقرب للواقع بحكم الشواهد وبحكم سابق الخبرات: ليست الحروب حلًا للمسائل، ولا الإفراط فى استخدام القوة ممكن أن يعول على أن يكون بابًا مضمونًا للتسويات. 


خلال الساعات الماضية، أعادت القاهرة كلامها على الجميع: أى محاولة غير محسوبة، ربما تشعل الشرق الأوسط كله، وإذا حدث، أو إن وقع، فإن النيران سوف تطال الجميع.. من الشرق للغرب.. ومن الشمال للجنوب.


بعض خبراء وصفوا نبرة الحرب الأمريكية خلال السنوات الثلاثين الماضية مشوبة فى أغلبها بالكيد والشخصانية. 


وهم الصادقون.. الكيد والشخصانية ماركة مسجلة مستوردة من بلاد العم سام مع ساندويتش البرجر الذى أصبح أكلة شعبية فى بلاد الشرق، والبنطلون الجينز الذى أصبح هو الآخر اعتياديًا.. فى بلاد العرب. 


استهداف مادورو شخصى، واستهداف رموز النظام الإيرانى هو الآخر لا يخلو من شخصانية. 


لا يمكن تصور شخصنة الحروب والأزمات، بما يستتبعه من وضع المنطقة كلها على شفا نيران معارك ضارية، من بلد يرفع «يافطة» مكتوبًا عليها إنها منذ تأسيسها سنّت نماذج غير مسبوقة فى الديمقراطية والحرية دفاعًا عن الكرامة الإنسانية، وعن حقوق وحرية الشعوب فى إدارة مقدراتها وتحديد مصائرها. 


-2-


ماذا ينتظر الإقليم؟ 


حتى الآن الرؤية ضبابية. 


لا أحد يعلم، ولا أحد يمكن أن يجيب عن هذا السؤال. 


لكن، المؤكد أن انهيار النظام فى إيران، سوف يدخل بلاد فارس، على الأقل، فى واحدة من دوامات البحث عن نظام حكم مثالى، تبحث عنه دول أخرى فى المنطقة بعد أن كفت المدافع الأمريكية عن تحريرها، ومنذ ما يقترب من الثلاثين عامًا، دون أن تتحصل تلك الدول على قدرات مجرد تشكيل حكومة، أو تسمية رئيس وزراء! 


فى إيران هناك بعض من يتصور فى الشارع أن بمجرد موت خامنئى، واختفاء الحرس الثورى، سوف تدخل البلاد فورًا وفى التو واللحظة عالمًا جديدًا فيه كل ما انعقد فى الأذهان من آمال عن حكم رشيد.. وقصور لا تغلق أبوابها فى وجه الثائرين الذين غيروا النظام. 


على كل، إيران وما يحدث فى إيران أمر يخص إيران. 


الأزمة فى تداعيات ما بعد الحرب على إيران، وفى ما بعد سقوط النظام فى إيران وانعكاساته على المنطقة. 


والأزمة الكبرى فى انتهاكات الولايات المتحدة، وفيما تزرعه واشنطن من سياسات، تلغى ما اسمه القانون الدولى، وتنفى ما اسمه مواثيق الأمم المتحدة، وتصادر أيًا مما يتعلق اسمه بكل ما يتنافى مع شريعة الغابات الاستوائية. 


لا يؤسس عالم جديد بلا شرائع، ولا تتطور النظم فى عصور حديثة إلا بأدنى نظرات الاحترام لكل ما يعاكس نماذج سياسة السداح مداح التى اتضح أنها حاكم واحد وحيد فى سياسات الدول الكبرى نحو الخرائط على أرض هذا الكوكب. 


من جهة طهران، فإنها فى استقاء لسلوكيات شمشونية، عمدت إلى هدم المعبد على الجميع، فكان إثمًا كبيرًا بالاعتداء على دول عربية. 


قطعت إيران أى خطوط رجعة هى الأخرى، وأمعنت فى تحميل نفسها مزيدًا من توجس خليجى عربى يرقى فى النهاية.. إلى درجات من كراهية. 


-3-


فى قصة لجارسيا ماركيز استغرب البطل عمن يقتل وقت الصلاة دفاعًا عن الإيمان! 


قبل ساعات من بدء العمليات، قال وزير الخارجية العمانى الوسيط فى مفاوضات جنيف إن طهران أكدت للمفاوض الأمريكى موافقتها على عدم الاحتفاظ على أراضيها باليورانيوم المخصب. 


فيما يتعلق بالنووى، فإنه إذ لم تخزن كمية كافية من المادة المخصبة، فإنه بالضرورة لن يتسنى لك، التوصل إلى صناعة قنبلة من النوع الذى تكرهه واشنطن. 


حسب الصحافة الأوروبية، فإنه بعد الضربات الإسرائيلية فى يونيو 2025، لم تعد إيران تحوز فرصة حقيقية للوصول إلى قنبلة نووية إلا بعد 5 سنوات على الأقل من ذلك التاريخ. 


اليوم يبقى من الخمس سنوات.. أكثر من أربعة أشهر ونصف. 


لكن واشنطن بدأت الضربة.. والمفاوضات قائمة.


تندرت الصحافة الأمريكية بعمليات القتال التى بدأت بعد أقل من يوم من انتهاء مباحثات جنيف، ودون أن يجد المفاوض الإيرانى وقتًا كافيًا لتبديل ملابس السفر فى بيته عائدًا إلى بلاده.. من سويسرا. 


هى ليست نكاتًا، ولا هى روايات على سبيل التفكه.


هى مأساة.


مأساة فى أساليب إدارة الدول الكبرى لأمور السياسة، ومأساة فى إدارتها لأمور الحرب، ومأساة فى إظهار غير خجول لأقل درجة من الاعتبارات لمصير الشرق الأوسط الذى ما زال هو المنطقة الأكثر إثارة للشفقة فى العالم بعد تعاطف امتد لأقصاه نحو إقليم ناميبيا قبل استقلاله! 


متى تكف الدول الكبرى عن لعب «البلاك جاك» على ترابيزة قمار من الجوخ الأخضر.. مصنوعة فى تل أبيب؟ 


السؤال طرحه تحليل فى اللوموند الفرنسية.. والطرح وجيه؟!
 

نقلًا عن مجلة صباح الخير

تم نسخ الرابط