أثارت انتباهى عبارة فى مقال نال انتشارًا كبيرًا على مواقع أمريكية وأوروبية كثيرة تقول: لم يخض أى رئيس أمريكى فى الذاكرة الحية حربًا بدعم شعبى أقل من الدعم الذى يحظى به دونالد ترامب للحرب فى إيران، المقال نفسه بعنوان لافت: لماذا يخسر دونالد ترامب الحرب فى وطنه؟، وكتبه البروفيسور دافيد سميث، الأستاذ فى السياسة الأمريكية والسياسة الخارجية، مركز دراسات الولايات المتحدة.
ومن هنا تأتى أهمية العبارة ومغزى العنوان، وقطعًا هو لا يتحدث عن خسارة عسكرية، وإنما عن انقسام حاد فى صفوف الشعب الأمريكى حول هذه الحرب العبثية، التى يبدو أن اللوبى الصهيونى وإسرائيل وأباطرة الصناعات العسكرية هم الذين ورطوا الولايات المتحدة فيها، بزعم أن إيران التى تبعد عشرة آلاف كيلو متر عن الحدود الأمريكية تمثل تهديدًا لأمنها القومي.
وحسب كلمات دافيد سميث: لم يبدأ ترامب وإدارته فى إثبات أن إيران تشكل تهديدًا وشيكًا، إلا بعد أن قصفها فعليًا بالقنابل، ولم يكن مقنعًا، فمن الواضح أن تغيير النظام هو أيضًا هدف الحرب، والشعب الأمريكى لا يدعم الحروب التى تهدف إلى إحداث تغيير سياسى فى بلدان أخرى، ويفضل فرض القيود والعقوبات.
إذا نحن أمام حرب راهن عليها ترامب دون حسابات صحيحة، وتصور أنه سيتخلص من نظام الملالى بالضربات الجوية التى ينتظرها شعب غاضب سوف يخرج ثائرًا يلقى بهم فى مياه الخليج وينتهى الأمر..
هذا تصور سمسار لا رجل دولة..
والنتيجة أنه نزع عمودًا من أعمدة الاستقرار الهش فى أكثر أقاليم العالم اضطرابًا بعد الحرب العالمية الثانية، فوجدت الدول العربية الخليجية التى لا ناقة لها ولا جمل فى هذه الحرب نفسها تحت نيران عدوانية من إيران، باعتبارهم حلفاء الولايات المتحدة، مع أنهم حاولوا بكل طاقاتهم أن يقنعوا واشنطن بعدم الانجرار إلى هذا المستنقع، فكل التوقعات أكدت أن طهران ستتصرف برعونة، وتعتدى على دول الخليج وتغلق مضيق هرمز!
أى أشعل ترامب النار أيضًا فى الاقتصاد العالمى، وفى المعيشة اليومية لسكان الكوكب!
لكن المرء يتوقف عند الشعب الأمريكى، الذى أوصله الرئيس ترامب إلى حالة انقسام وارتباك نادرة، إلى الدرجة التى قررت فيه جريدة «يو أس تودي» أن تجرى حوارًا مباشرًا مع القراء، و«يو أس تودي» توزع 2.6 مليون نسخة رقمية ومطبوعة يوميا ، بأن يرسل لها القراء الأسئلة التى تشغلهم عن هذه الحرب وينقلونها إلى الخبراء والمحليين ثم يردون عليهم، وهى تجربة تستحق التأمل وتبين لنا كيف يفكر الأمريكيون فى الحرب العدوانية على إيران، وكيف تراها واحدة من أكبر الصحف الأمريكية، وهى الرابعة من حيث التوزيع، فى دولة يصدر فيها ما يقرب من 1300 جريدة يومية.
وكان السؤال الأول: لماذا تهاجم الولايات المتحدة إيران؟،..سؤال يشى بشك فى أسباب هذه الحرب.
جاءت الإجابة كلاسيكية شبه رسمية: قال الرئيس دونالد ترامب أن الضربات تهدف إلى القضاء على التهديدات الوشيكة من إيران ومنع البلاد من الحصول على سلاح نووى ويمنح الإيرانيين فرصة للإطاحة بحكامهم، وأنها قد تستمر لأسابيع، وقد أغرقت هذه الحرب الشرق الأوسط فى صراع.
س: ما احتمالات وقوع هجمات فى الولايات المتحدة أو أن تتحول الأمور إلى حرب عالمية؟ ( ما زال الشك وعدم الفهم هما منبع التساؤلات).
ج: يتوقع البعض حربًا إقليمية طويلة وفوضوية ينضم فيها حلفاء إيران إلى القتال، وتؤدى الضربات العسكرية الإيرانية ضد حلفاء الولايات المتحدة فى المنطقة إلى التصعيد، وقالت سوزان مالونى من مؤسسة بروكينجز «لشبكة سى إن إن» إنه لن تكون هناك نهاية سريعة، لأن الإيرانيين يصعدون فى جميع أنحاء المنطقة، وهذه هى خطتهم طويلة الأمد، وأفاد خبير المجلس الأطلسى أن عواقب الحملة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية سوف تنتشر فى المنطقة والعالم، وإن خطر وقوع هجمات داخل الولايات المتحدة مرتفع، خاصة فى ضوء استخدام إيران للجماعات الإرهابية بالوكالة والمنظمات الإجرامية التى لها موطئ قدم على الأراضى الأمريكية، وقد سبق لمكتب التحقيقات الفيدرالى أن ضبط مؤامرات ضد ترامب ومستشاره السابق للأمن القومى جون بولتون عقب اغتيال القائد العسكرى الإيرانى قاسم سليمانى فى 2020، نهيك عن هجمات إلكترونية لاختراق وتعطيل البنية التحتية الحيوية مثل مرافق معالجة المياه.
س: إذا كانت الولايات المتحدة قد تمكنت من تدمير القدرات النووية الإيرانية فى يونيو الماضى، كيف فى غضون أشهر أصبحت تشكل تهديدًا خطيرًا إلى هذه الحد؟
ج: يقول مسؤلو السياسة الخارجية أن التهديد الحالى ينبع من جهود النظام لإعادة بناء تلك المواقع، ومن رفضه التفاوض بشأن برنامجه الضخم للصواريخ البالستية، وبرر ترامب الغارات الجوية الأخيرة بأن إيران لا تزال على وشك تطوير أسلحة نووية وصواريخ بعيدة المدى قادرة على الوصول إلى الولايات المتحدة (إجابة منقوعة فى الكذب، فالولايات المتحدة تتحدث عن السلاح النووى الإيرانى منذ 35 سنة بنفس الكلمات، ولم يحدث أبدًا أى تطور جديد، خاصة أن المنشآت النووية الإيرانية كانت تحت رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ولم يخرج خبير منها يقول إن إيران قريبة من السلاح النووي، أما الصواريخ بعيدة المدى التى تصل إلى واشنطن فهى أقرب إلى النكتة السخيفة، وطبعًا المقصود هو أن تكون سماء طهران مباحة أمام إسرائيل دون أن تتمكن طهران من الرد عليها).
وهنا يأتى السؤال المفتاح: لماذا احتاجت إسرائيل إلى مهاجمة إيران مما دفع الولايات المتحدة إلى الحرب؟، ( من فضلكم لاحظوا أن السؤال مصاغ بطريقة ملتوية وخبيثة، حتى يتجنب تحميل إسرائيل مسئولية جر الولايات المتحدة إلى الحرب وليس تهديد إيران للأمن القومى الأمريكي!!).
ج: إسرائيل وإيران أعداء إقليميون منذ فترة طويلة، وكان رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نيتانياهو يريد مهاجمة البلاد منذ عقود، وقد وفرت ولاية ترامب الثانية الفرصة المثالية لنيتانياهو للضغط على الولايات المتحدة لدعم حرب أكبر، بزعم أن إسرائيل تواجه تهديدًا وجوديًا، ويستكمل بها ضربات العام الماضى التى أضرت المنشآت النووية الإيرانية وأضعفت وكلاء إيران مثل حزب الله، وقال مايك جونسون رئيس مجلس النواب إن نيتانياهو مصصم على حماية بلاده، وإذا لم تنضم الولايات المتحدة إلى إسرائيل، فإن إيران ستضرب القوات الأمريكية فى المنطقة، أى كان ممكنًا أن تكون عواقب التقاعس من جانبنا مدمرة.
س: من المسئول عن تفجير مدرسة البنات فى طهران؟
ج: لم تؤكد أو تنفى إسرائيل ولا الولايات المتحدة أى دور لهما فى الهجوم على المدرسة، وقد طلب الاتحاد الدولى لحقوق الإنسان تحقيقات فورية وشفافة، فى جميع الانتهاكات المزعومة، بما فى ذلك الهجمات العشوائية والاستهداف المتعمد للمدنيين أو البنية التحتية المدنية. ( كيف يمكن أن نصف هذه الإجابة.!).
سؤال أخير: ما هى خطة خروج الولايات المتحدة من هذه الحرب؟
هذه السؤال فرض منطق الوضوح، لأنه لا يحتمل الكذب واللف والدوران ، فحملت الإجابة بعض الحقائق: لم تكن هناك خطة معلنة لإنهاء الحرب، أو حتى لمعايير وقف إطلاق النار، وما يزيد السيناريو تعقيدًا أن إدارة ترامب قدمت إجابات متضاربة حول سبب الحرب بين البرنامج النووى والصواريخ البالستية وتغيير النظام.
ويشعر كثيرون بالقلق من أن الحرب ستؤدى إلى زعزعة استقرار الشرق الأوسط على نطاق واسع!
وهذه هو فصل الختام!
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



