فى عالم واسع المساحة، مُتعدد الأهداف، مُتشابك المصالح، نجد أن صياغة وتنفيذ نموذج تنمية يُعد من الأمور بالغة التعقيد، لا سيما عندما يكون من ثوابت الجدولة، قيامها بصيانة مُقدراتها من التدخل، والتبعية.
وبالنظر لسوابق نماذج التنمية نجد أن نموذج التنمية الصينى تلقى فى بدايته دعمًا أمريكيًا مًنذ مطلع سبعينيات القرن الماضى، حيث كانت هناك رغبة فى دعم الانفتاح الاقتصادى الصينى كنموذج بديل للنموذج السوفيتى، فضلًا عن الرغبة فى الاستفادة من سوقها الضخمة، وعمالتها الرخيصة، وإمكانات بناء صناعات مُنخفضة التكاليف بها.
كما حظيت دول النمور الآسيوية على دعم غربى لاحتواء الاستراتيجية الشيوعية، وبناء نموذج نجاح آسيوى رأسمالى يستفيد من ميزة العمالة الرخيصة فى تلك الدول التى كانت مُتوافرة عند بداية مشروعها التنموى، وفى فيتنام التى لم تنجح الولايات المُتحدة على احتوائها عسكريًا، فإنها نجحت فى استقطابها للاقتصاد الرأسمالى عبر دعمها وتحفيز انضمامها لآليات الاقتصاد الغربى مُنذ مُنتصف الثمانينيات من القرن الماضى، وهو ما ضمن لها مسار تنمية مُطمئن بعيدًا عن المُفاجآت.
وبالنظر إلى الحالة المصرية عند بداية حكم الرئيس عبدالفتاح السيسى، نجد أن الاقتصاد المصرى كان فى حالة توقف شبه كامل، ويعتمد تسيير الدولة على المُسكنات والمال السياسى القادم من الخارج من كيانات ترغب فى التأثير على المُستقبل المصرى، وفى ظل استمرار زيادة السكان بمعدلات أكبر من ذى قبل، وتصميم على صيانة مُقدرات الدولة، بدأ تصميم نموذج التنمية أمرًا بالغ الصعوبة فى ظل عالم مضطرب، واقتصاد عالمى نيوليبرالى مُتأكل رافض للتطوير، ومُصمم على الاستمرار حتى لو كان استمراره يتم عبر استثمارات الأمراض، والحروب.
وفى ظل هذه الأجواء بالغة الصعوبة نجحت مصر فى صياغة هامش من التفاهم مع المؤسسات الدولية لضمان دعم مسار تنمية مصرى يتأسس من مبادئ الحرية الاقتصادية، ويُراعى المعايير الدولية، ويعمل على إعادة اكتشاف القُدرات المحلية، وقد نجحت مصر بالفعل على السير فى طريق تنمية مليء بالأشواك، واستطاعت تدبير التويل اللازم لصناعة مشروعها التنموى، وبدأت الدولة تسترد عافيتها، وشكل الحياة يتغير فى مُختلف بقاعاها، فمن يتجول فى مصر سيرى بعينه ما حدث من تطوير فى القاهرة، وتنمية فى الريف المصرى عبر مشروعات حياة كريمة وغيرها من المبادرات، ومن يذهب إلى الصعيد سيتابع مشروعات تنمية غير مسبوقة، فضلًا عن المشروع التاريخى لتنمية سيناء، وما حدث من طفرة تنموية فى الساحل الشمالى الغربى. كل هذه الاستثمارات كان لها دور كبير فى خلق ملايين من فرص العمل التى دفعت نحو خفض مُعدلات البطالة من أكثر من 12 % إلى نحو 6 % وساعدت فى توفير فرص حياة للأسر المصرية التى تعمل الدولة المصرية على توفير أكبر قدر من الحماية الاجتماعية لها.
وقد واجه نموذج التنمية المصرى تحديات غير مسبوقة أهمها الآثار السلبية لحالة الاضطراب السياسى بعد يناير 2011، كما واجه تحديات الإرهاب وانتصر عليه، واستمر فى النمو رغم تحديات جائحة كورونا التى عصفت بالاقتصاد العالمى، وواجه بكل شجاعة تداعيات الحرب الأوكرانية التى دفعت نحو ارتفاعات قياسية لأسعار الطاقة والغذاء وعناصر الإنتاج القادمة من الخارج، ثم أتت الحرب فى غزة ليتحمل الاقتصاد المصرى تكاليف تراجع إيرادات قناة السويس ويتحمل نحو 80 % من تكاليف مُساعدات الشعب الفلسطينى فى غزة، فضلًا عن تعامل الدولة المصرية مع مُحيط مُلتهب فى دول جوارها من كل الاتجاهات.
وأخيرًا أتت الحرب فى إيران، والتى أصابت الاقتصاد العالمى بانتكاسة كبرى، سيما وأنها تزامنت مع مرحلة توقعات أن يشهد عام 2026 مسار تعافى مُتنامى من آثار الأزمات السابقة، مع اشتعال العمليات فى 28 فبراير 2026 اشتعلت أسواق الطاقة، وتضاعفت تكاليف النقل والتأمين، واضطربت سلاسل الإمداد، وهى الأمور التى تُسبب فى ارتفاع كبير فى فواتير الواردات المصرية من الطاقة، والغذاء، والاحتياجات الأساسية، مما يُحمل الموازنة العامة أعباء استثنائية، ويجعل الحكومة أمام خيارين، الأول هو تغطية تلك الأعباء عن طريق الاحتياطى النقدى، والاقتراض الخارجى، وهذا المسار لم يُحقق النتائج المرجوة عند السير فيه لعلاج آثار الحرب الأوكرانية، والخيار الثانى وهو السماح بتحرك ومرونة أكبر فى أسعار الطاقة، والصرف للعملة المحلية، وهو ما اتخذته الحكومة المصرية، وهذا المسار يتسم بتعامل استباقى يجعل قرارات الإدارة الاقتصادية سابقة لما يفرضه عليها السوق، ويمنع من تسرب القدرات المالية المصرية لسداد فواتير يستفيد منها الأغنياء، والأجانب، ومُستثمرو المال الساخن، وكبار المُضاربين.
فاستباق الأحداث بالتمسك بمرونة سعر الصرف يقلص مكاسب تخارج المال الساخن، وتحريك أسعار الطاقة يحول دون استنزاف المساحات المالية للدولة، ولكنه يُرتب أيضًا أعباء على الأسر المصرية، وهنا يكون دور برامج الحماية الاجتماعية، والتى أعلنتها الدولة بصفة عاجلة خلال شهر رمضان، وبزيادة رواتب ومعاشات أكبر من المُستوى الطبيعى بما فى ذلك رفع للحد الأدنى للأجور والمعاشات اعتبارًا من بداية يوليو القادم، فضلًا عن زيادة مُخصصات برامج الحماية الاجتماعية الأخرى.
واتخاذ مسار مرونة الأسواق مع زيادة المُخصصات المالية الاجتماعية، يُعتبر هو الضمانة الأساسية التى تُمكن الدولة المصرية من الحد من الآثار السلبية للحرب الإيرانية، وتُعبر عن رسالة واضحة للمؤسسات الدولية بأن مصر ماضية فى مسارها الإصلاحى بما يُمكنها من الاستمرارفى الحصول على دعم المجتمع الدولى، ويُتيح للإدارة الاقتصادية قدر أكبر من القدرة على المناورة للتعامل مع تداعيات تلك الحرب، حتى يتم تجاوزها مثلما تجاوزت الدولة المصرية الأزمات السابقة، لتستمر فى مسارها التنموى بثوابت وطنية مصرية يلتف فيها الشعب خلف قيادته لتُسطر ملحمة تنمية وطنية لا توقفها العقبات أو التحديات.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



