تكشف الحرب الأخيرة في منطقتنا الإقليمية عبر القراءة المتأنية لتصريحات الرئيس ترامب بشأن الاتهام الموجه لحلفاء واشنطن بالتخاذل، موجهاً الاتهام بشكل أساسي للحليف الأوروبي كبداية لشعور الرئيس ترامب بأهمية إيقاف الحرب سريعاً.
وإذ تعيش المنطقة الإقليمية كلها تلك المأساة بين الصراع الإيراني الإسرائيلي منذ الثمانينيات، وليس ببعيد صفقات الأسلحة الإيرانية التي تم الحصول عليها من إسرائيل أثناء الحرب الإيرانية العراقية.
صراع الفوز بالتأثير الأكبر على الوطن العربي، ثم استخدامه كوسيلة لتدمير العواصم العربية في معادلات القوى الدولية يؤكد أن تحالفات القوة المتغيرة لا تستهدف إلا السيطرة على مقدرات الوطن العربي الكبير، وعبر سنوات من الصراعات المتعددة والنزاعات المحدودة، والحروب القصيرة تمت حقاً انتزاع سيادة وأمن بلدان عربية كانت ذات حضارة وسيادة.
ولعل تلك اللهجة التي تحدث بها ترامب بشأن اتهامه لحلف الناتو بالتخلي عنه تؤكد أن الخطة والتصور يستهدف الآن أو الغد القريب أو البعيد هو إعلان السيطرة الكاملة بالقوة.
إذ تأتي الإشارة لأن أمريكا أوروبا والناتو منذ أربعين سنة، ثم ترفض أوروبا المشاركة في حرب ثانوية كهذه، وهو يقصد بالأمر الثانوي الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لمنعها من الحصول على التأثير الإقليمي الذي طالما سعت إليه عبر امتلاك القوة النووية.
ويأتي الرد الألماني واضحاً إذ قال وزير دفاعها بوريس بيستوريوس: "هذه ليست حربنا، ولم نكن نحن من بدأها، كما أكدت اليابان وإيطاليا وأستراليا عدم مشاركتها في الحدث الأبرز وهو محاولة السيطرة على مضيق هرمز، وتأثيره على الملاحة الدولية.
وتأتي تلك الأمور لتؤكد محاولات قديمة مستحدثة ذات طابع استراتيجي يستهدف استعادة فكرة القطب الواحدة المسيطر في المنطقة العربية والمحيط الإقليمي، وقد أدرك الحلفاء الأوربيون والأعضاء الأكثر تأثيراً في حلف الناتو ذلك الأمر، مما أدى لإعلانهم أن هذه الحرب ليست حربهم.
وفكرة القطب الواحد، القوة رقم واحد، الإرادة الواحدة الأكثر قوة ونفوذاً وثراء هي فكرة لم تعد تحتاج في عهد إدارة ترامب إلى الغطاء الأخلاقي أو شبه القانوني أو إلى أية مبررات أخرى، لا تبدو حتى تشغل اهتمام النظام العالمي الجديد.
أما السؤال الذي يطاردني منذ حرب الإبادة الجماعية في غزة، التي امتدت لسوريا ولبنان واليمن والسودان فهو سؤال عن هذا الصمت الإنساني العام.
كيف أصبح العالم هكذا مكاناً لا يفكر حتى في الغطاء الكاذب لحروب التدمير والعدوان والإبادة؟
يتصل التفسير الثقافي والفني دوماً في تفكيري المتأمل لهذه المسألة، إذ يبدو التراكم التاريخي لسنوات طوال لفكرة الحق، وصياغتها صياغات أسطورية تعيد استخدام السرديات التي يطلق عليها أصحابها صفة الدينية هو السبب الأساسي فيما يحدث.
إذ يعلن كل طرف أنه صاحب الحق في اختيار الإرادة السماوية له كمنتصر، وكمعبر عن إرادة السماء، بينما تبقى إرادة السيطرة والاستحواذ، وامتلاك العالم وصنع مسار الحياة هي ثقافة إنكار العدالة السماوية، إنها حقاً التعبير الدقيق عن حالة الفرد والقوة والواحدة وأنا ومن بعدي الطوفان، والتي تأسست عبر تراكم تاريخي للفنون التعبيرية، ورسختها وسائل التواصل الاجتماعي حول العالم مع بالغ الأسف، في عالم أساء استخدام العلوم والتكنولوجيا، ووظفها نحو صناعة القبح والفظاظة بدلاً من استخدامها لرفاهة الإنسان.
يسأل الشاعر الكبير صلاح عبد الصبور سؤالاً دالاً عبقرياً في مسرحيته الشهيرة مسافر ليل: من قتل الله وسرق بطاقته الشخصية؟
إن الحديث باسم الله عز وجل هو احتلال بشري غير مسبوق لإرادة الخلق، ومحاولة انتحال صفته واسمه والعياذ بالله العلي العظيم، رغم إعجاز التعبير الشعري من قتل الله وسرق بطاقته الشخصية؟
إنه عالم تراكمت فيه عبر الأفكار والصور المتعددة والتفسيرات الدينية الأسطورية والصور الفنية والرمزية والقيم المستحدثة التي وضعت الجنس والمال والقوة كعلامات واضحة لأخلاق زماننا المعاصر بالغ القسوة والهمجية المفارق لقيم الحضارة الإنسانية.



