الخميس 04 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

الأوقاف توضح أحكام قضاء رمضان وحكم تأخيره

بوابة روز اليوسف

قال وزارة الأوقاف، إن قضاء صيام رمضان واجب شرعي لا يشترط فيه التتابع، ويمتد وقته حتى حلول رمضان التالي، لكن قد يتأخر المسلم في القضاء لعذر أو لغير عذر؛ مما يطرح تساؤلات فقهية حول الأحكام المترتبة على هذا التأخير، ومتى تجب الفدية مع القضاء؟ ومتى يكتفى بالقضاء وحده؟ وفيما يلي بيان ذلك بالتفصيل.

 

من مظاهر التيسير في الشريعة الإسلامية


تتميز الشريعة الإسلامية بخصائص عظيمة، من أبرزها التيسير ورفع الحرج عن المكلفين، وذلك رحمةٌ من الله بعباده ورعايةٌ لظروفهم وأحوالهم المختلفة.

 

 

 وارتبطت التكاليف الشرعية دائمًا بحدود قدرة الإنسان واستطاعته؛ مصداقًا لما قال تعالى: ﴿لَا یُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ﴾ [البقرة: ٢٨٦].

 

وتتجلى مظاهر هذا التيسير ورفع الحرج بوضوح في تشريع الرُّخَص لأصحاب الأعذار، سواء كان ذلك بتخفيف الأحكام أو إسقاطها عند وجود المشقة.

 

ومن التطبيقات العملية لذلك في العبادات: إباحة الفطر في شهر رمضان لأصحاب الأعذار؛ كالمريض، والمسافر، والحائض، والنفساء، وغيرهم، على أن يجب عليهم قضاء تلك الأيام لاحقًا؛ امتثالًا لما قال تعالى: ﴿وَمَن كَانَ مَرِیضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرࣲ فَعِدَّةࣱ مِّنۡ أَیَّامٍ أُخَرَۗ یُرِیدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡیُسۡرَ وَلَا یُرِیدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].

 


وقت وجوب قضاء صيام رمضان وحكم التتابع فيه

 

قضاء صيام رمضان إذا لم يكن الفطر عن تعدٍّ لا يجب على الفور، بل يجب وجوبًا موسَّعًا في خلال العام التالي، وقبل حلول رمضان من العام القابل؛ فقد صح عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقضي ما عليها من رمضان في شعبان فقد ورد عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ ‌عَائِشَةَ رضي الله عنها تَقُولُ: "كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إِلَّا فِي ‌شَعْبَانَ الشُّغْلُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَوْ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ » [صحيح مسلم (١١٤٦)]، ولا يشترط التتابع في هذا القضاء؛ لما روي عن النبي ﷺ في قضاء رمضان: «إن شاء فَرَّقَ، وإن شاء تابَعَ» [سنن الدارقطني (٢٣٢٩)

 

حكم تأخير قضاء الصيام حتى دخول رمضان الجديد


فإن أخَّر المسلم القضاء حتى دخل عليه شهر رمضان الآخر، فإنه يصوم رمضان الحاضر أولًا، ثم يقضي بعده ما عليه، وتختلف المذاهب في وجوب الفدية مع القضاء في هذه الحالة؛ فقد ذهب الأحناف إلى أنه لا فدية عليه، سواء كان التأخير لعذر أو لغير عذر، بينما ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى التفريق؛ فقالوا إنه يجب القضاء فقط إن كان التأخير بعذر، أما إذا كان التأخير بدون عذر فيلزم القضاء والفدية معًا.

 

أما إذا أخَّرَ أحدُ أصحاب الأعذار قضاء ما عليه من رمضان حتى دخل رمضان آخر، فإنه يلزمه القضاء فقط ولا تجب عليه الفدية، وهذا هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة؛ لأنَّ من أخَّر القضاء لعذرٍ لا يُعدُّ مفرِّطًا، ولأنَّ تأخير الأداء للعذر جائزٌ، فتأخير القضاء أولى، وقد جاءت نصوص علماء المذاهب مؤكدةً لهذا المعنى.

 

 

ففي المذهب الحنفي، قال الإمام ابن نُجَيم الحنفي: "إذا أخَّرَ قضاء رمضان حتى دخل آخر، فلا فدية عليه؛ لكونها تجب خلفًا عن الصوم عند العجز، ولم يوجد؛ لقدرته على القضاء" [البحر الرائق (٢/ ٣٠٧، ط. دار الكتاب الإسلامي)]، وفي المذهب المالكي قال الإمام شهاب الدين النَّفرَاوِي المالكي: "لو أخَّرَ القضاء حتَّى بقي من شعبان قدر ما عليه من الأيام، فمرض أو سافر أو حاضت حتى دخل رمضان لم يلزم كفارة لعدم التفريط" [الفواكه الدواني (١/ ٣١٠، ط. دار الفكر)].

 

وفصَّل الشافعية في ذلك أيضًا، حيث قال الإمام الخطيب الشربيني الشافعي: (ومن أخَّر قضاء رمضان) أو شيئًا منه (مع إمكانه) بأن لم يكن به عذر من سفر أو غيره (حتى دخل رمضان آخر لزمه مع القضاء لكل يوم مُد).. فإن لم يمكنه القضاء لاستمرار عذره كأن استمر مسافرًا أو مريضًا، أو المرأة حاملًا أو مرضعًا حتى دخل رمضان فلا فدية عليه بهذا التأخير؛ لأن تأخير الأداء بهذا العذر جائز، فتأخير القضاء أولى" [مغني المحتاج (٢/ ١٧٥-١٧٦، ط. دار الكتب العلمية)]، وهو نفس ما قرره الحنابلة، إذ قال الإمام موفَّق الدين بن قدامة الحنبلي في سياق حديثه عن حكم تأخير قضاء صيام رمضان: "فإن أخَّرَه لعذر فلا شيء عليه؛ لأنَّ فطر رمضان يباح للعذر، فغيره أولى، وسواءٌ مات أو لم يمت؛ لأنه لم يفرط في الصوم فلم يلزمه شيء" [الكافي (١/ ٤٤٨، ط. دار الكتب العلمية)].

 

الخلاصة


يتسع وقت قضاء صيام رمضان حتى مجيء رمضان التالي ولا يُشترط فيه تتابع الأيام، وإذا تأخر المسلم في القضاء حتى دخل رمضان الجديد، وجب عليه صيام الشهر الحاضر أولًا، ثم قضاء ما فاته.

 

وتسقط الفدية ويجب القضاء فقط إذا كان التأخير بسبب عذر مستمر (كالمرض أو السفر) باتفاق المذاهب الأربعة.

 

أما إذا كان التأخير بدون عذر تفريطًا منه، فيلزمه القضاء والفدية معًا عند جمهور الفقهاء (المالكية والشافعية والحنابلة)، خلافًا للأحناف الذين أوجبوا القضاء فقط دون فدية في كلتا الحالتين.

تم نسخ الرابط